التوليد التركيبي : نواصل ما انقطع من حديث بخصوص التوليد التركيبي. 

نتناول الآن إحدى النقاط الفنّية التي نرى ضرورة وضعها في الاعتبار ونحن نتناول آليّات التوليد التركيبي والتي بدورها تنقسم إلى قسمين من حيث الدّلالة:

المجرّد Abstract: ويعني الشيء المجرّد مثل “الصّدق”؛ “الحبّ” إلخ. وهو يشمل الاسم والفعل معا.

الجامد Concrete: وتعني الأشياء المادّيّة العينية أو الجامدة مثل “العربة”؛ “الرجل”؛ “البنت” إلخ. وتشمل أيضا الاسم والفعل.

هذا يعني أنّ هناك أدوات لصياغة الأسماء تختصّ بكلّ واحدة من هاتين المجموعتين. لكن ما يجب التنويه إليه هنا أنّ هذا كان في اللغة النوبية القديمة. أمّا في اللغة النوبية الحديثة فلم أجد هذا التمييز. هذا يعني أنّنا سنكون في سعة من أمرنا من حيث استخداماتنا لهذه الأدوات.

ولكنّا لا نزال في مرحلة تعبيد الطّريق وتذليلها من حيث ترجمة وشرح العديد من المفاهيم والمصطلحات المفتاحية. من ذلك مثلا كلمة Noun والتي تُترجمالاسم”. مثلاً أنظروا إلى كلمة Nominative أو كلمة Nominal واللتين تُترجمان “الاسمي”. ولكن ماذا عن كلمة Substantive والتي تُترجم أيضا باعتبارها “الاسم”. من ذلك، مثلاً، انظروا معي تعقيدات ترجمة هذه الصّياغة الاصطلاحيّة: Denominative Substantive Formant، حيث تعني كلمةDenominative  “مُفكِّك الاسم”؛ بينما تعني كلمة Substantive “الاسم”؛ وتعني كلمة Formant “مُشكِّل”. والجملة الاصطلاحيّة تُشير إلى اللاحقة Suffix التي تُشكّل(Formant)  اسماً (Substantive) عبر تفكيك أو إلغاء (Denominative) اسمٍ آخر. وتعني أن يتمّ تشكيل اسم من اسم آخر. مثال لذلك من اللغة النوبية القديمة الاسم ur الذي تعني “الرأس”، إذ يعطينا معنى “الزعيم” أو “القائد” إذا أضفنا لها اللاحقة<an> ، فيصبح الاسم المشكّل ur-aan بمدّة على حرف اللين. مثال آخر كلمة “الإنسانية”، إذ يمكن أن نقوم بتشكيلها من الاسم <eid> التي تعني “الرجل” أو “الإنسان”، ذلك بإضافة اللاحقة <kanee> فتصبحeidkanee ، وهكذا دواليك.

أرأيتم معي هذه المشكلة! وهي طبعا مشكلة ناجمة من كوننا نستخدم اللغة العربية في الشّرح. فإذا كنّا نستخدم اللغة الإنكليزية مثلا أو غيرها من باقي اللغات فربّما كانت المشكلة أقلّ تعقيداً، ذلك بحسبان أنّ جملة المصطلحات محلّ النّقاش قد جرى نحتُها عبر الإنكليزيّة، أو قُل اللغات الغربيّة. المشكلة التُّرجمانيّة هنا أنّنا بإزاء كلمتين هما Nominative و Substantive  تحتملان ترجمة واحدة هي “الاسمي”. كحلّ لهذه المشكلة سأقوم بالتّفريق بينهما على النحو التّالي: الكلمة Noun أو كلمة Nominative أو كلمة Nominal جميعُها ستُترجم على أنّها تعني “الاسم” أو “الاسمي” على التّوالي. أمّا كلمة Substantive فسوف نُترجمُها على أنّها تعني “الواصف”. أمّا كلمةDenominative ، فسوف نترجمُها بكلمة “الاسمي”. عليه ترجمة الجملة الاصطلاحية Denominative Substantive Formant  ستكون على النحو التّالي: مُشكِّل الواصف الاسمي.

اتساقا مع هذا ستكون ترجمة الجملة الاصطلاحيّة التّالية Deverbative Substantive Formant على النّحو التّالي: مُشكِّل الواصف الفعلي. وتعني أن يتمّ تشكيل اسم من فعل. مثال لذلك من اللغة النوبية القديمة الفعل seew  بمعني “يرث” تُعطينا “الوريث” أو “الوارث” إذا أضفنا لها اللاحقة <atti> فيصبح الاسم المشكّل:seew-atti  . مثال آخر كلمة “الحبّ”، يمكن أن نقوم بتشكيلها من الفعل<doll>  التي تعني جذر الفعل “يُحبّ”، ذلك بإضافة اللاحقة <gid> ((في النوبية القديمة ترد kid أوgid ) فتصبح doll-gid بمعنى “الحبّ” كما نعلم جميعا … وهكذا دواليك.

بعد هذا سنلج مباشرة على أبواب التوليد التركيبي وذلك باستعراض أدواته في اللغة النوبية القديمة، مشفوعة ببعض الأمثة من اللغة النوبية ـ بالأخصّ ـ Nobiin  ومن اللغة النوبية القديمة متى ما لزم الحال.

وهذا لا يعني أنّها لا تختصّ باللغة النوبية الحديثة (وهنا نعني تحديداً، حسبما أشرنا سابقاً لغة النوبين Nobiin التي يتكلّم بها المحس والسّكّود ثم الفديجّا بين مصر والسّودان إذ يعرفون داخل السّودان باسم “الحلفاويين”). ولا ينبغي أن يفهم الناس من هذا أنّنا نستبعد لغة الأوشكين Oshkiin أو لدنقلاويةالكنزية (ما أوردناه هنا هو اسمُها كما ورد في الوثائق النوبية القديمة. فانحصارُنا في لغة النوبين يجيء لأسباب فنّيّة بحتة متعلّقة بمنهجية البحث العلمي. إذ إن اللغتين تلتقيان وتفترقان في العديد من المفاصل الهامّة؛ وما قد ينطبق على إحداهما في حالة بعينها قد لا ينطبق على الأخرى. لكلّ هذا وجب حصر هذه التجربة في لغة واحدة منهما.

يجب التنبيه إلى أن أدوات التوليد التركيبي التي سنتعرّض لها تختصّ جميعُها باللغة النوبية القديمة. ولكن مع هذا وجب أيضا التنويه إلى أنّ هذه الأدوات ـ خاصّة تلك التي قد تبدو غريبة وغير مألوفة ـ قد تحتاج إلى إحياء وإنعاش إذا ما رأى الناس استخدامَها. أي أنّه لا ينبغي التّعامل معها وكأنّها جارية الاستخدام لمجرّد أنّ نوبيتها مؤكّدة. إذن ما سنسوقه من أمثلة جميعُه أو جُلُّه مأخوذ من كتاب براون ما عدا بعض الأمثلة التي رفدنا بها من عندنا ما وسعتنا الحيلة وهي ـ علم الله ـ قليلة والحمدُ لله على أيّ حال. ولكنّي في إتياني لأمثلة براون قد جوّزتُ لنفسي تحديثَها من قبيل قلب التّاء دالاً كما في المثال التّالي dol-kit>dol-gid  وغيرُ ذلك كثير فيما قد تُلاحظونه. من ذلك أيضا إلحاق حرف التصويتiأوeأوaفي نهاية العديد من الأدوات كما جرت بذلك العادة الآن. خذ كمثال لذلكmark-att-i ، أي “السّارق”، مع الاعتذار لهذا المثل غير اللائق.

أشرتُ أعلاه إلى أن اللغة النوبية القديمة في توظيفها لهذه الأدوات كانت تميّز بين المجردّات والمحسوسات، وهو ما لم أجد له دليلاً فيما تحرّيتُ من أمر النّوبيّة الحديثة. ولكن لا ينبغي التّعامل مع حكمي هذا باعتبارها نهائيّا؛ إذ لا يعدو كونه ملاحظة أوّليّة. فما نحن فيه ليس إلاّ خطوات الحبو الطفوليّة الأولى. عليه ينبغي التّسلّح بالحذر في إصدار الأحكام، ثم الحذر في قبول الأحكام الصّادرة كيفما كانت وكيفما كان من أصدرها. كما لا ينبغي أن نجعل من هذا المحذور ذريعة لرفض أيّ أحكام من منطلق الهوى، فآفّة الرّأي الهوى.

بعد هذا دعونا نستعرض أدوات التوليد التركيبي، ولكن ليس قبل أن نلفت النّظر إلى حقيقة عدم تأدية الصّوائت الطّويلة، حسبما جرت بذلك تجربة النّظام الكتابي للغة النّوبيّة القديمة، هذا بينما نقوم بتأديتها:

1. an: كما في الكلمة التاليةur-aan ، وتعنيالقائد”، وهي أصلا من ur بمعنى الرأس. ولكنّها لم تكن ترد إلاّ في حالات الجمع مثل ur-aan-guu بمعنى “القادة”.

2. antee: في مثل eil-antee بمعنى “الامتلاء”؛ ومثال آخر tusk-antee بمعنى “الأوّل” أو “البكر”. ويرى براون أنّ هذه الأداة ربّما كانت مكوّنة منan + tee . وعمّا قليل سترد tee هذه كأحد الأدوات.
في الحقيقة العديد من هذه الأدوات مركّب من أداتين بسيطتين. وأشهر هذه الطرق في تكوين الأدوات المركّبة أسلوب نحوي ـ صرفي في اللغة النوبية قديمها وحديثها أشبه بالحالة التي يقومُ فيها اسم الفاعل في اللغة العربية مقام الفعل، كما في المثال التّالي: إنّي آكلٌ طعامَك. ففي حالة اللغة النوبية القديمة والحديثة هناك صيغة أطلق عليها براون مصطلحverbid ، متبنّياً إيّاها من لساني آخر، وهي صيغة أشبه باسم الفاعل وتقوم مقام الفعل أيضاً. وطبعا لا مجال للخوض في هذه الحالة لأنّها بدرجة من التعقيد وقد تصرفُنا عمّا نحن فيه. ولكنّ نُشيرُ إلى أنّها تتكوّن من إضافة علامة الفاعل (li) إمّا للفعل كم في المثال التّالي(الغريق، من جذر الفعل “يغرق”) kidd-o-l  من أغنية وردي المعروفة:kidd-o-l-lee mooj-ka jaag-i   (وهل يخاف الغريقُ من الموج؟). أو أن تُضاف للأداة كما في الأداة رقم (4) أدناه.