د.ناهد محمد الحسن حين وقف عامر النور على مسرح قاعة الشارقة للفنون يتحدث عن تقليد جديد في النحت استلهمه من ماضي أجداده التليد في شمال السودان..

حيث تاريخ الأهرام القديمة المنسي في السودان يقف شامخا في قلب عامر النور ووعيه..ذلك التاريخ الذي لم يدرسه او يستشعره عامر في مدرسة الفنون بالجامعات السودانية حيث تلقّى تعليمه الأولي في الرسم..حيث الفن الدخيل على الثقافة يقف مدرسة وحيدة تخرّج أجيال من الفنانين الشباب وتضاعف غربتهم عن ذواتهم..وحين قرر عامر الهجرة عن دياره..طالبته أسرته بأن يتجه نحو الشرق ويخطو خمسة خطوات..جمعوا بعدها أثار أقدامه وقذفوا بها الى داخل الدار لتطمئن القلوب المكلومة على عودة فلذة كبدها من جحيم المنافي…حين استمعنا الى هذا في البداية ضحكنا سذاجة منّا على لا جدوى الطقس حيث لازال عامر وبعد خمسين عاما من تلك الحادثة حبيس المهاجر حيث تلقى تعليمه في الفنون من مدارس مرموقة في لندن وامريكا..لكن كما يبدو ..كانت تلك الخطوات هي الضمان الوحيد لتلك الرحلة الروحيّة المستبصرة التي قطعها عامر مع تاريخه على ضوء تجارب جديدة…حيث ووجه عامر ورفاقه من العرب ذوي المزاج المختلف بتهديد الهوية في بلدان تضج متاحفها ومعارضها بتاريخ شرس من الخلق والإبتكار..تلك اللحظات المليئة بالعدم وتجارب العزلة المريرة ما جعل لتلك الحفنات معنى…حيث اضاءت تلك اللحظات عتمة أحاسيس الرجل العامرة بالنور وكأنها تميمة ضد الليل..الطريق الى البيت ..ظلت تلك الرمال تتوهج في بيت على الطراز النوبي ..جزء من مدينة يشارف سوقها عهدا في الحضارة تليد..اضاءت تلكم الرمال لعامر حتى لا تضل روحه طريقها الى البيت..وعبر ما اسماه عامر بتجربة التيقظ..تلك اللحظة المتوهجة بالبصيرة والتي لم تمنح عامر كشفا جديدا بقدر ما جعلته يستشعر بعيني فنه وشعوره ما كان  موجودا أصلا في كل شيء من حوله..على ضوء تجربته ومعاناة غربته..منح الحنين الى الوطن كما أسماه ..عامر النور كشفا جديدا..جعلته ينقل ما اختزنته الذاكرة من عمارة بلده وشوارعها مدرسة جديدة في الفن..والتبسيطية..التي اسهم عامر النور في التنظير لها مع آخرين ..مدرسة تحمل بصمة سودانية جديدة تعبر بجدارة عن وعي وروح سودانية قوية..

حين تحدّث إزميل عامر النور بلغة سودانية فصيحة..منح أجيالا من الشباب شيئا يعرّفون أنفسهم به..حيث اختبرت تلك الرحلة المستبصرة عبر العدم والتيقظ..ميلاد وتسمية جديدة.. فمنحوتات عامر النور التي بصرت بأثر الرسول..لم تنجب عجلا له خوار..ولن تنسف وتلقى في اليم..بل ستظل معلما بارزا في تاريخ الحضارة السودانية يظل عليها اجيال الشباب القادمين عاكفين…وعبر الالام التي اختبرها في صلابة الرسل في عزلته في المهاجر وحيدا في الجلجلة..ما صلبوه ولكن شبّه لهم هذا الذي انسربت روحه تطلب نشأتها..حيث عمّد عامر النور بآهاته الطريق الى الذات الضائعة..وضمّد جرح الهويّة الغائر..ومنحنا جميعا شيئا نفخر به..انّما بمثل هذه التجارب تنضج البصائر وتتقوى..والذين سيجدون انفسهم على ذات التخوم سيسمعون صدى خبراته ويصيرون أقوى وأكثر اعتدادا بالذات..فعلى عامر النور حيث حل السلام..وعلى شعبنا في اي ارض كان المسرّة..! ولسمو الشيخة حور القاسم..ومعهد الشارقة للفنون وجامعة كورنيل ..ولصلاح حسن..كل الشكر..ان جعلوا فرصة معايشة هكذا ميلاد وبعث ممكنا..حيث ما انكروه ثلاثا قبل ان يصيح الديك ولكن اشهدونا قيامته ذلك الذي انبتته الأرض البتول..!