خالد فضل ،، مشاهد العزوف الشعبي هذه تدل على وعي من جانب الشعب وتعبّر عن تصويته المبكر للتغيير , وربما تستكمل الصورة غدا عندما تبدأ عمليات التصويت فلا تجد زبائنا يتحلقون حول الصناديق , الا من بعض منتسبيهم والمنتفعين مباشرة من سلطتهم .،،

بعد مواعيد نشر مقالي هذا بيوم واحد تبدأ في السودان عمليات ما يسمى بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية في ذات الوقت, وعندما نقول (ما يسمى) نقصد بذلك التفريق بين ما يحدث في السودان من عمليات اجرائية للعملية الانتخابية وبين اجراء انتخابات وفق المعايير والتقاليد الدولية الراسخة في العملية الانتخابية والبيئة السياسية والاجتماعية التي تتم فيها تلك العملية الديمقراطية للتداول السلمي الديمقراطي للسلطة , هذه البيئة تكاد تكون منعدمة تماما في السودان عشية بدء عمليات الاقتراع مما يجعل المسألة برمتها لا تتجاوز سقف التمديد لذات النظام السياسي الحاكم منذ أكثر من ربع القرن , ودون أي بارقة أمل في حدوث تغيير حقيقي وناجع لمواجهة المعضلات الوطنية المتفاقمة والتي لن يحلها اجراءات شكلانية كالعملية الانتخابية المزعومة . الملاحظ أنّ معظم الذين يخوضون الانتخابات الرئاسية كمستقلين وبعض الحزبيين المغمورين , ورغم التشكيك في دوافعهم الاّ أنّ معظمهم على الأقل يتحدث في حملته الدعائية عن تغيير نظام الحكم الى نظام ديمقراطي تعددي يتيح الحريات العامة ويفكك دولة الطغيان والاستبداد ومن ثمّ الشروع في اعادة بناء السودان على أسس مغايرة لما هو سائد الآن تحت حكم فئة الطغيان الاسلامي الحالية , الجانب الوحيد الذي لم ترد في مفرداته وأدبياته مسألة التغيير والحريات هو جانب المؤتمر الوطني , وهذه الملاحظة يمكن أنْ تفيد مباشرة في زعمنا بأنّ مشاهد ما قبل الانتخابات وما بعدها ربما تكون متطابقة على أحسن الفروض, إذ التوقعات بأنّ الأسوأ قادم واردة بنسبة عالية , ففي الحملات الدعائية الانتخابية عادة ما تبذل أجمل الوعود ويشطح الخيال الى المثال والنماذج الرفيعة , وهي السمة التي قصّر عن ادراكها والتحدث بها خطاب الانقاذيين في حملتهم الانتخابية , ليس لديهم وعود باحداث تغيير , وليس ضمن ادبياتهم حريات عامة وصون حقوق الانسان , بل على العكس , يضج خطابهم بالوعيد بمزيد من الدم والقتل والنزوح والمعاناة لشعبهم الذي يزعمون أنّهم يخطبون ودّه التصويتي , كما تتبارى جهات ومؤسسات وأفراد وطوائف وأحزاب في اعلان تأييدها لمرشح المؤتمر الوطني عمر البشير باعتباره أملا للاستقرار والنهضة والتقدم , وفي ذلك عدة مفارقات محزنة بحق .

  قرأت مثلا ضمن لافتات التأييد تلك لافتات لشركة سيارات على ما أظن  تؤيد ترشيح البشير , مثلما قرأت لافتة لكلية السلامة للتكنولوجيا تحذو حذو تلك الشركة , بل هنالك لافتة تأييد ضخمة باسم نادي المريخ السوداني تؤيد ترشيح البشير , لا أدري ان كان أرباب وزبائن تلك الشركة جميعهم من منسوبي الحزب المهيمن ؟ وهل الكلية تلك بسلامتها مما يؤيد الطغيان ؟ ثم ما بال نادي المريخ بجماهيره ولاعبيه ومشجعيه يؤيد الاستبداد , أم أنّ الموضوع انتهازية وسرقة لسان بعد أن تم سرقة كل الوطن !!ثم والريف وسكانه يعطونك دوما المؤشرات الأقرب للصحة في الأحداث العامة باعتبارات لهاث المدن وضجيجها الذي قد يصم الآذان , في ريف الجزيرة حيث الاهتمامات بالشأن السياسي العام مرتفعة نسبيا لحظت خلال مكوثي هناك لأكثر من اسبوعين خفوت صدى الانتخابات , الناس في معظمهم يمتهنون الزراعة والمشروع آل الى خراب , إنّهم فقدوا الأمل في اصلاحه ولذلك يقولون لا شأن لنا بما يحدث , ولا نتوقع خيرا من زمرة المفسدين هولاء والذين دمروا حياتنا ولا يصلحون لعلاج ما دمروه وكل وعودهم اكاذيب لا تنطلي على غر يافع , الذين يتحمسون لهم أرزقية ومنتفعون ذاتيا . هذه اللغة والعزوف شبه التام أميّز ما يميز فترة انتخاباتهم هذه والتي لا تجد من يجادل في أنّ أمر نتائجها محسوم قبل بدايتها , هي شيء أقرب للاستفتاءات التي يجريها أي نظام شمولي ديكتاتوري للتمديد لاستبداده وطغيانه وحكم الفرد فيه , وللسودانيين خبرة طويلة في معرفة الاستفتاءات والتفريق بينها والانتخابات , ومع ذلك لم تخل الاجراءات من مفارقات فقد تم حرق عربة أمجاد يقتات منها ويعول أسرته أحد الذين قرروا تجريب المجرب والخوض مع الخائضين فنزل مستقلا ونسّق مع حملة مرشح آخر غير البشير , تم حرق سيارة الشيخ ادريس (ابن خالي) أمام منزل سائقها بودمدني , عندما سألته عن مؤشرات سبقت تلك الجريمة البشعة , أجاب بأنّ ثمة احاديث وصلته من أنّ هنالك بعض الغاضبين على اختياره مساندة مرشح آخر غير البشير , بالطبع لا يمكن الجزم بمرتكب الجريمة ولكن الدلائل 

تشير اليه , خاصة مع طول تجربة الشعب السوداني مع المستبدين وممارسات أجهزتهم القمعية التي تستهين بأرواح البشر وتزهقها ناهيك عن الممتلكات , مشاهد العزوف الشعبي هذه تدل على وعي من جانب الشعب وتعبّر عن تصويته المبكر للتغيير , وربما تستكمل الصورة غدا عندما تبدأ عمليات التصويت فلا تجد زبائنا يتحلقون حول الصناديق , الا من بعض منتسبيهم والمنتفعين مباشرة من سلطتهم .

   من مشاهد المفارقات كما اسلفت تأييد بعض الأحزاب لترشيح البشير , أشير تحديدا الى الموقف المخزي للاتحادي الديمقراطي الميرغني , كيف تسنى لحزب موسوم في الأدبيات السياسية السودانية برائد الديمقراطية وصاحب انجاز تاريخي في نيل الاستقلال الوطني و يتردى لحضيض لا يجد فيه حرجا في مؤازرة التمديد لرمز الفساد والطغيان الوطني؟ كيف يؤيد حزب عريق مثله حكم الفرد واستبداده , وهل خلاص السودان في احتكار السلطة والغاء الدستور واطلاق يد جهاز الأمن؟ بل في حرمان جمهور الولايات من حقها في انتخاب ولاتها , ولماذا تجرى انتخابات مجالس تشريعية في الولايات ما قيمة هذه المجالس أساسا وما هو دورها ؟ آليس من مهامها مراقبة وسن التشريعات لحكومة الولاية , فإذا كان الوالي يتم تعيينه من الرئيس فمن يقدر على مساءلته , إنّ سلطته فوق أي سلطة في الولاية فلماذا لم ينتبه الناس لمثل هذه الأحابيل , أمّا تأييد طائفة الأقباط لترشيح البشير فهذا كوم آخر , وانتهازية مفضوحة من بعض قياداتهم فما من عهد ذاقت فيه هذه الطائفة الأمرين مثلما ذاقته في عهد المتأسلمين هؤلاء , لقد تفتت النسيج الاجتماعي , وسادت العصبيات والتشدد والارهاب الديني في هذا العهد كما لم تسد من قبل فأي فلاح ترجو هذه الطائفة المهمة والمؤثرة والعزيزة لدى غالبية السودانيين من هؤلاء الانتهازيين الفاسدين تجار الدين !

  عموما غدا موعدهم المضروب للاجراءات الصورية , وغدا تتضح صورة اخرى من صور عزلتهم وسط غالبية الشعب , الفقراء والنازحين والمفصولين تعسفيا والعطالى واللاجئين والمنفيين والمهجرين والمقتولين والمغبونين والمضطهدين . والشعب وإن بدا ساكنا ساكتا فإن لحظة الانفجار لا تبدو بعيدة ولعل في مهزلة التمديد تكون نهاية الاستبداد وانهيار بنيان الزيف .  والتحية مجددا لرمزي الصمود والبطولة الاستاذين فاروق أبو عيسى وأمين مكي مدني فحريتهما ليست منّة من طاغية بل هم الأحرارحتى وهما  داخل المعتقلات والطاغية سجين .