رشا عوض "كل مسلم يتساءل في حيرة من أين جاء هؤلاء؟ عليه بقراءة "صحيح البخاري" و"البداية والنهاية" لابن كثير، و"فتاوى ابن تيمية" كعينات من كتب التراث التي تبرر لهم كل مايفعلون!"

المسلم المتدين البسيط يفهم ان دينه يأمر بكل ما هو خيِّر وجميل ورحيم وينهى عن كل ما هو شرِّير وقبيح وقاسي، لذلك عندما يرى بشرا تقطع رؤوسهم، او يرجمون بالحجارة حتى الموت، ونساء يتم بيعهن في اسواق النخاسة ويتم توزيعهن مثل اي غنائم على الجنود، وبشر يُقتلون او يُضطهدون لمجرد انهم على دين آخر او حتى مسلمين لهم آراء مخالفة، وبشرا يجلدون بالسياط وآخرين تقطع أيديهم وأرجلهم في الساحات العامة وآخرين يحرقون أحياء، أو عندما يسمع شيخا يسمونه عالما وفقيها يأمر الناس بطاعة حاكم فاسد وظالم أهلك شعبه تعذيبا وقتلا وتجويعا وإفقارا ويتوعدهم بغضب الله ان هم خرجوا عليه! ويقول لهم تعبدوا الله بالسمع والطاعة له حتى وان سلب أموالكم وجلد ظهوركم لأن طاعة ولي الامر عبادة لله! أو عندما يرى طفلة تزوج في سن التاسعة! أو عندما يرى فؤوسا تهوي على المتاحف مدمرة ما فيها من تماثيل وقطع أثرية باعتبارها أصناما!عندما يرى شيئا من هذه الأفعال التي يشمئز منها وجدانه تلقائيا دونما حاجة لأي تحريض، يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ويقول بوثوقية إيمانية فطرية: ديننا الحنيف لم يأمر بذلك!!

ولكن بكل أسف يا أخي المسلم الحيران من هول ما ترى، من يفعلون كل ما تنفر منه فطرتك السوية من تلك الأفعال وغيرها، يقولون بذات الوثوقية الإيمانية: ديننا أمر بذلك!! ويأتون بأدلة من القرآن ومن صحيح البخاري ومسلم وغيرهما من كتب الأحاديث الموصوفة ب”الصحاح” مستدلين بها على شرعية أفعالهم وفق مناهج فقهية وتفاسير للقرآن هي جزء لا يتجزأ من “تراثك الإسلامي” الذي تقدسه أنت مثلهم تماما، ولكن نظرا لأنك تعلمت في مدارس مدنية حديثة ولم تقرأ ذلك التراث قراءة شاملة ومحيطة وتسبر أغواره، ولم تنتظم في صفوف جماعة سلفية تجرعك جرعات مكثفة من ذلك التراث “الكارثة”، نظرا لذلك انحصرت معارفك الدينية في اركان الاسلام الخمسة وكيفية اداء العبادات وعرفت من خلال بيئتك الثقافية والاجتماعية المحيطة بك والمتدينة تدينا شعبيا بسيطا ما هي الفضائل والسلوكيات الاسلامية.

ولكنك أيضا ورغم عدم تبحرك في دراسة التراث الإسلامي فأنت أسير له بصورة لا واعية! لأن  هناك “نمط تفكير إسلامي” تسلل الى عقلك من خطاب أئمة المساجد والوعاظ ومما تسمع وتقرأ عن الإسلام عموما، ذلك النمط من التفكير هو ما اصطلح على تسميته في الدراسات الإسلامية الحديثة “العقل الإسلامي”، ذلك العقل هو عقل النقل والتقليد والاتباع الذي ظل مهيمنا على المسلمين لعشرة قرون تقريبا، ولا يتسع المقام هنا للتفصيل في الملابسات التاريخية التي أدت إلى انحسار التوجهات العقلانية في الامة الاسلامية، وهزيمتها بشكل كبير، وتسيُّد العقل السلفي، المهم ان هذه حقيقة تاريخية ماثلة،  نتيجتها أن المسلمين اليوم تحت سيطرة عقل خصائصه هي: تعطيل الحس التاريخي بشكل كامل في التعامل مع نصوص القرآن، التسليم والإذعان التام لروايات بعينها للحديث النبوي، والسيرة النبوية، والتاريخ الإسلامي واستنكار مجرد التساؤل حول صحتها ومصداقيتها لدرجة انها أضحت مماثلة للقرآن في القدسية ان لم تكن أكثر منه قدسية!، الاعتقاد الجازم بأن إخلاص المسلم لعقيدته وتجسيده لتعاليم الإسلام لا يتحقق إلا بتقليد أعمى لما فعله قوم عاشوا قبل أكثر من أربعة عشر قرنا “الصحابة” أو “السلف الصالح”! (تقليدهم في كل شيء حتى ان كان ظرفيا يخص بيئتهم ومستوى معارف عصرهم، على سبيل المثال هناك دول تطبق الحدود، ومن ضمنها حد السرقة “قطع اليد”، يقطعون اليد بالسيف، وبعد القطع مباشرة تغمس اليد المقطوعة في زيت حار في درجة الغليان لكي تغلق الاوعية الدموية بهذه الطريقة!! رغم ان في عصرنا هذا وسائل طبية متطورة للبتر ولربط الاوعية الدموية بعده إلا ان “العقل السلفي” يعتقد ان الاسلام يحتم علينا ان نفعل كل شيء بذات طريقة “الصحابة” أو “السلف الصالح”)! وطبعا مثل هذا العقل الذي يرفض النقاش حتى في “معالجة اليد المقطوعة بالزيت الحار” يستحيل ان يقبل اي نقاش حول عقوبة قطع اليد من أساسها وما إذا كانت صالحة للاستمرار الى يومنا هذا أم لا! وأخطر خصائص هذا “العقل الإسلامي” هي “الماضوية”، فنموذج الصلاح والفلاح في الماضي وليس في المستقبل!

وما دامت هذه هي خصائص العقل الذي يفهم به المسلمون دينهم فلا داعي لرفع حاجب الدهشة تجاه ما تفعله داعش أو ما فعلته قبلها طالبان والقاعدة، وكل مسلم يتساءل في حيرة من أين جاء هؤلاء؟ عليه بقراءة “صحيح البخاري” و”البداية والنهاية” لابن كثير، و”فتاوى ابن تيمية” كعينات من كتب التراث التي تبرر لهم كل مايفعلون!

أخي المسلم الحيران:

أنت على حق!! ديننا لم يأمر بكل ما نراه من شر وقبح وقسوة وتعصب وتخلف!

ولكن إثباتك لهذه الحقيقة رهين لان تجيب بشجاعة وبمنهجية على هذه الأسئلة:

هل يجب علينا ان نؤمن بكل ما ورد في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما من كتب الحديث؟

هل نصوص القرآن التي امرت بقتال المشركين واهل الكتاب، واباحت ملك اليمين تخاطب واقعا تاريخيا مخصوصا أم انها عابرة للأزمان ويمكن تطبيقها حرفيا في عصرنا هذا؟

عندما يستدل الدواعش على صحة حرقهم للكساسبة مثلا ، بأن أبا بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وخالد بن الوليد فعلوا ذلك وينفضون الغبار عن كتب التراث التي وردت فيها تفاصيل هذه الروايات، ماذا ستفعل؟ هل ستستنجد بفقهاء ومشائخ ليدحضوا لك هذه الروايات بروايات أخرى تنفي عن ابي بكر وعلي وخالد ما نسب إليهم من حرق؟

أم أنك سوف تقول لهم دونما وجل أو خوف ان كل ما فعله أبو بكر او علي أو خالد وكل “الصحابة” ليس مرجعية ملزمة للمسلمين على مر العصور، وان هؤلاء بشر فهموا الإسلام وطبقوه وفق معطيات واقعهم التاريخي، وانهم في إدارة شؤونهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية جسدوا خبرات ومعارف عصرهم ولم يجسدوا الإسلام إلا ممزوجا بتلك الخبرات والمعارف التي تخصهم ولا تخصنا! ولذلك فيما يتعلق بالمعاملات السياسية والاجتماعية والاقتصادية لهم إسلامهم ولنا إسلامنا؟

 

ان التهرب من إجابات منهجية على مثل هذه التساؤلات سبب أساسي في كل ما تراه أخي المسلم من أهوال تنتسب لدينك، وبدون إجابة جريئة وشجاعة لن يكون من حقك ان تقول: ديننا لم يأمر بذلك!! عبارتك الصحيحة والنبيلة هذه لو تعلم هي مجرد بداية ل”جهاد” شاق وطويل في سبيل تأسيس”نمط تفكير” جديد يتعاطى به المسلمون مع دينهم ومع تاريخهم، وتأسيس “فلسفة تدين” جديدة تجعل عقل المسلم المتدين مشغولا على الدوام  باستكشاف المعاني والقيم الكلية للإسلام، بالبحث عن الغايات والمقاصد النهائية للإسلام، باستخلاص المضامين الأخلاقية للإسلام، بدلا من الغرق في الأحكام الفقهية الجزئية والتوهان بين أقاويل الفقهاء والمفسرين والمحدثين.

لقد كانت “هزيمة الفلسفة” و”هزيمة العقلانية” أكبر كارثة في تاريخ المسلمين الحضاري، ولا سبيل لنهضة في المجتمعات المسلمة دون رد الاعتبار للفلسفة وللعقلانية، وهذا بدوره لا يتحقق دون مخاض استنارة “مقدامة غير هيَابة” تواجه مأزق المسلم الحيران مواجهة منهجية بدلا من القفز عليه أو التهرب منه.