د.عمر القراي "لو كان السيد الصادق، قد قال للجمهوريين: لماذا أيدتم مايو وهي نظام دكتاتوري وأنتم تدعون لحقوق الانسان؟؟ لأخبروه بأن السبب هو أن البديل عن مايو، كان هو الطائفية والاخوان المسلمين، وهؤلاء كانوا أسوأ من مايو"

   من منفاه الاختياري، خارج السودان، ارسل السيد الصادق المهدي، كلمة في ذكرى انتفاضة مارس/ ابريل، تليت على جموع المحتفلين بهذه المناسبة، في دار حزب الأمة، كما نشرها شباب الحزب، وفرحوا بها، وقرأوها، وطمأنت بعضهم، على أن السيد الصادق، ما زال في صفوف المعارضة، ولم يخذلها بعد، ويلحق بالأخوان المسلمين في مصالحة ما، تحت أي مسمى، يضمن بها سلامة عودته، وادخال نفسه أو المزيد من افراد اسرته، في الحكومة. ولو كان السيد الصادق يريد تصعيد المعارضة للنظام، ولو كان يحتمل تبعاتها، لرجع بعد اعتقال د. أمين مكي وفاروق ابو عيسى، حتى يضمن الاعتقال، ويصعد المواجهة .. ولما ترك المناضلين الشريفين، في السجن لعدة شهور، يواجهان الحرمان، والقهر، ومصادرة الحرية، بينما ينعم هو بالاحتفال بعيد ميلاده في مصر، مع أنه  يتزعم العمل الذي اعتقلا بسببه !! إن الصفقة التي تحدث عنها مسؤولو الحكومة، في الوثيقة التي تسربت، هي ارسال ابن الصادق، ليقوم باقناعه بالعودة، والمشاركة في الحوار، الذي ستقيمه الحكومة بعد الانتخابات. ولا يمكن ان يحضر السيد الصادق، ويتم التصالح معه، بينما مكي وابو عيسى معتقلان، بسبب نفس الاتفاقية، التي وقع هو أيضاً عليها، ومن هنا جاء اطلاق سراحهما !!

 فالصادق المهدي، قد خذل الشرفاء من اعضاء حزبه كثيراً، وبمواقف عديدة، تابعنا كثيرا منها من قبل، وكانت المحصلة النهائية، هي أنه لا يستطيع تحمل مسؤولية النضال، ولا يتنازل عن المكتسبات التي تحدث بنضالات الآخرين، بل ينسبها دون حياء لنفسه!!

ولقد حرق السيد الصادق المهدي، نفسه، سياسياً، عند كثير من مؤيديه، حين قال في اعتراض على محاكمة البشير أمام المحكمة الجنائية الدولية (البشير جلدنا وما بنجرو بالشوك) !!  مع أن البشير قد جر دارفور كلها في الشوك، والنيران، والحروب، والقتل، والاغتصاب، ومعسكرات اللجوء، والنزوح .. ومع أن ودارفور هي موقع السند التقليدي للمهدية، والسند السياسي المتصل لحزب الامة عبر العصور.

 لقد نقدت السيد الصادق كثيراً، ثم توقفت عن نقده، لأنني رأيت أن أمره افتضح لكثير من المثقفين. وما كنت سأعلق على خطابه هذا، لولا أنه تعرض فيه للجمهوريين، في محاولة كاذبة، لتطفيف موقفهم، حتى يوهم شباب حزبه، أنه صاحب الدور الاساسي في انتفاضة مارس/ ابريل، فيأملون فيه ليصنع انتفاضة جديدة، ويحفز هذا التعلق به، حكومة الاخوان المسلمين ان تعطيه وزناً، وتشركه في حكومتها، بعد ان خدعته بالمنصب مراراً، ولم تعطه له .. خاصة وان المنصب الآن، قريب من خصمه التقليدي ابن السيد محمد عثمان الميرغني. فبعد ان قامت حكومة البشير الدكتاتورية الاخوانية، بتكريم السيدين، بالأوسمة، فإنها تكرم ابناءهما بالمناصب!! وهكذا يطوي الاخوان المسلمون الطائفية، التي تشبههم، ويشبهونها في جناحهم والشعب السوداني الذي يعاني ويلات نظامهم بمعزل عن كل هذا العبث.

يقول السيد الصادق المهدي ( كذا أصدر النظام قوانين سبتمبر سيئة الصيت في سبتمبر 1983م. كنا أوضح وأقوى من عارض هذا التلاعب بالدين فاعتقلنا النظام بالعشرات لمدة 18 شهراً من سبتمبر 1983 إلى ديسمبر 1984م، اعتقل النظام كذلك كل من عارض قوانين سبتمبر مثل قيادة الحزب الجمهوري، وفي السجن دخلنا في حوار مع الجمهوريين. قلنا لهم: أنتم دعاة حقوق الإنسان ولكن منذ قيام نظام نميري ما برحتم تؤيدون طاغية وتؤيدون بطشه ضدنا بحجة القضاء على الطائفية! هل حقوق الإنسان تتجزأ؟ ها هو الطاغية لم يعبأ بتأييدكم له وجمعنا معاً في القهر. اعترفوا بأنهم ينبغي أن يراعوا حقوق الإنسان لكافة الناس)(حريات 11/4/2015م). أول ما تجدر الإشارة اليه، هو ان الجمهوريين هم الذين بادروا، بزيارة السيد الصادق المهدي، في موقعه من السجن، وابتدروا النقاش معه .. وكان ذلك بتوجيه من الاستاذ محمود، الذي كان معتقلاً يمنزل تابع للأمن، قرب مسجد القوات المسلحة في الخرطوم شرق. وقد كلف بمقابلته اثنان من الأخوان الجمهوريين، الموجودين في كوبر، هما الأخ جلال الدين الهادي رحمه الله، والأخ جبريل محمد الحسن. وكان موضوع الحوار هو عدم معرفة السيد الصادق للفكرة الجمهورية، ثم تعرضه لها بالنقد.. وكان توجيه الاستاذ، ان يوضح له تطوير التشريع الإسلامي، ومفارقة الشريعة لأصل الدين، ولواقع العصر. ولو كان السيد الصادق، قد قال للجمهوريين: لماذا أيدتم مايو وهي نظام دكتاتوري وانتم تدعون لحقوق الانسان؟؟ لأخبروه بأن السبب هو أن البديل عن مايو، كان هو الطائفية والاخوان المسلمين، وهؤلاء كانوا أسوأ من مايو، الى أن صالحتهم مايو، وتبنت طرحهم لتطبيق الشريعة، وبذلك صارت مثلهم وأسوأ لأنها تملك السلطة ، وعند ذلك عارضها الجمهوريون وألقت بهم في السجون. لو قال لهم الصادق، ما قال، لقالوا له لماذا عارضت أنت مايو، ورفعت في وجهها السلاح، وحاولت ازالتها بغزو أجنبي، ثم صالحتها في عام 1977م، ودماء اتباعك، الذين قتلوا في الغزو في عام 1976م، لم تجف بعد .. ثم دخلت الاتحاد الاشتراكي، وأديت القسم لثورة مايو الظافرة ؟! والجمهوريون الذين تنعى عليهم تأييد مايو عين النميري منهم أثنين هما : اسماء محمود وعوض الكريم موسى في مجلس الشعب فرفضا الدخول فيه !!

يقول السيد الصادق ( تابعنا أن النظام قد ضاق ذرعاً بموقفنا، ودبر لنا فخاً عن طريق ترتيبات معينة في محكمة أم درمان الجنائية، وقرر إطلاق سراحنا لنعلن مرة أخرى معارضة القوانين المسماة إسلامية، وقوانينه تساوي بين معارضتها والردة، وفي أحكامه الردة تعاقب بالإعدام قبل الخروج من السجن قلت لزملائي التزام الصمت بعد الإفراج في ديسمبر 1984م لكيلا نقع في فخ النظام ونكتفي بما قلناه قبل ذلك، واجتمعت بأعضاء الحزب الجمهوري الذين زاملناهم في السجن وقلت لهم: سيطلق سراحكم كما أطلق سراحنا لنواجه فخاً نصبه النظام فلا تعطوا النظام فرصة بتصريحات جديدة، قالوا لنا: لا نحن نعتقد أن النظام قد اكتشف خطأه بالتحالف مع الأخوان المسلمين وسوف يطلق سراحنا لنقوم بحملة ضدهم وضد نظرتهم للإسلام، فخرجوا من السجن وأصدروا تصريحات أوقعتهم في فخ النظام ما أدى لمحاكمات جائرة أعدم نتيجة لها الأستاذ محمود محمد طه. كانت المحاكمة مطبوخة وكان الإعدام جائراً وهو ما قلناه في وقته وما زلنا نقول إنه شنق مظلوماً.

وبعد إطلاق سراحنا استؤنفت التعبئة المضادة للنظام واحتد سوء الحالة الاقتصادية واشتدت المعارضة لقوانين سبتمبر الجائرة واستطاعت اتحادات طلابية أن تتكون ديمقراطياً، وكذلك تكونت نقابات مهنيين ديمقراطياً في أوساط الأطباء، والمهندسين، والقضاة، والصيارفة، والمحاسبين، والأساتذة، وغيرهم فتكون من هؤلاء التجمع النقابي)(المصدر السابق).

وهذه الرواية تنضح بالكذب، وتتسم بعدم المسؤولية وعدم التردد في تزييف التاريخ !! إذ لم يحدث ان قابل الجمهوريون السيد الصادق بعد تلك المقابلة. كما ان الجمهوريين، كانوا يعلمون انهم سيطلق سراحهم، لأن السلطة اطلقت سراح الأستاذ من معتقله قبل عدة شهور، لكنه رفض الخروج، وقال أنه لن يخرج إلا بعد خروج آخر جمهوري من المعتقل !! وحين خرج الأستاذ والجمهوريون في 19 ديسمبر 1984م، عقدت جلسة بمنزل الاستاذ بالثورة الحارة الأولى، وهي موجودة الآن مسجلة ومكتوبة. ولقد ذكر الأستاذ في تلك الجلسة، أن اطلاق السراح كان بغرض ان يقوم الجمهوريون بالمعارضة، فيحاكموا بموجب قوانين سبتمبر .. وذكر أن الجمهوريين لن يخذلوا الشعب، وان واجبهم المباشر، هو المواجهة، بغض النظر عن النتائج !! وتساءل الاستاذ محمود: هل الشعب السوداني ما جدير بأن يضحي الجمهوريون من أجله بأرواحهم ؟! ثم بدأت المعارضة تتصعد في أركان النقاش في جامعة الخرطوم، ولم يتحدث الجمهوريون في تلك الفترة إلا عن النظام وضرورة ذهابه. فالأستاذ محمود كان يعلم ان النظام يخطط لاغتياله، ولكنه فضل مواجهته، وكسر هيبته، لتشتعل الثورة ضده. والسيد الصادق كان يظن ان النظام يريد ان يوقع به، تحت طائلة قوانين سبتمبر، فنكص عن المواجهة، وآثر السلامة، كما يفعل دائماً، ولكنه يريد ان يتخذ من خوفه، وعجزه، فضيلة، فينسبه الى الذكاء، والحنكة السياسية، وتفويت الفرصة على النظام !! والشعب السوداني الذي غمر الشوارع في الانتفاضة، وأطاح بنظام نميري، لم يلهمه موقف السيد الصادق المتخاذل، عن المواجهة وإنما ألهمه موقف الأستاذ محمود، الذي واجه باسمه، قضاة سبتمبر، ووصفهم داخل محكمتهم، بأنهم “غير مؤهلين فنياً وضعفوا أخلاقياً” ثم حين حكم عليه بالإعدام، واجه الموت، بالابتسامة التي زلزلت الطغيان. والسيد الصادق المهدي، لم يدن اغتيال الأستاذ محمود في ذلك الوقت، كما ذكر هنا،  فلقد رصد الجمهوريون في كتيب، موقف كل من اعترض على محاكمة الاستاذ محمود، أو تنفيذ الحكم عليه، نثراً أو شعراً، وليس من بينها بيان لحزب الأمة، أو خطاب للسيد الصادق المهدي!!

وحين يقول السيد الصادق (وبعد إطلاق سراحنا استؤنفت التعبئة المضادة للنظام) من الذي استأنفها ما دام هو وحزبه قد صمتوا كما اخبرنا ؟! فإذا كان غيره من الطلاب، أو النقابيين، هم الذي إستأنفوا التعبئة، وإذا كانت قوانين سبتمبر نفسها، وتقطيعها لأيادي الجوعى، هو من اكبر اسباب التعبئة ضد النظام، فلماذا يريد السيد الصادق، ان ينسب الإنتفاضة لنفسه، مع أنه لاذ بالصمت، بعد اطلاق سراحه، ثم حين حكم بعد الانتفاضة، لم يقم بالغاء قوانين سبتمبر، التي كان يقول في دعايته الانتخابية أنها ( لا تساوي المداد الذي كتبت به) ؟!

هل تريدون الحق ؟؟ إن السيد الصادق المهدي، من أهم اسباب استمرار حكم الاخوان المسلمين!! فلقد كان حليفهم على طول المدى، فقد اتفق معهم في مؤامرة حل الحزب الشيوعي عام 1965م. واتفق معهم في مقاومة نظام مايو في حركة شعبان عام 1973م، وفي الجبهة الوطنية وغزوها عام 1976م، واتفق معهم على مصالحة نميري، والدخول في الاتحاد الاشتراكي عام 1977م. وحين فاز في الإنتخابات عام 1986م، نفض يده عن الحزب الإتحادي الديمقراطي، وإئتلف معهم عام 1987م ورفض بسببهم اتفاقية السلام، التي وقعها قرنق والميرغني عام 1988م .. ثم حين اطاحوا به في انقلابهم عام 1989م، ظل يحاول أكثر من مرة الرجوع الى سابق عهده معهم، بالتراضي، والتوالي، والتداني، وكل صور التقرب .. فهل ينتظر منه موقف قوي، ضد حكومة الاخوان المسلمين الحاضرة، يستعيد به شيئاً من مكانته عند الشعب السوداني ؟! اللهم لا !!