عبد الله الشيخ أهداني الصحفي القدير، أحمد علي بقادي نسحة من مذكراته،التى طبعتها دار المصورات للنشر..

يقول الاستاذ  بقادي في مقدمة كتابه، أنه قصد من وراء تدوينه لتلك المُذكّرات “إلقاء بعض الضوء على حياة الصحافيين في هذا البلد”، لأن الصحافيين، على حد قوله، يسلطون الأضواء كل صباح ومساء على الأحداث والأشخاص، وهم أشد الناس حوجة الى من يكتب عنهم، وعن حياتهم ومشاكلهم.. ويقول بقادي مستطرداً:” ليس غريباً ،أن يكون مَثل الصحفيين كمَثل النجّارين، الذين تجد أبواب بيوتهم مخلّعة على الدوام”.. وأشار بقادي الى أن كتابه ، الذي صدّره  تحت عنوان “صحافة بالسياسة” ،هو المحاولة الثانية لتدوين تجربته..وقد حثّ المثقفين السودانيين، على كتابة مذكراتهم و تجاربهم نافياً تكاسلهم عن التدوين، لكونهم  “ضحايا” لواحدة من سلبيات الإرث السوداني، والتي تعد هذا النمط من الكتابة ــ المُذكّرات ــ ضرباً من الزّهو وحب النفس.

 بدأ الاستاذ بقادي، حياته المهنية بصحيفة “السوداني” في مطلع الخمسينيات، بعد أن قطع دراسته الجامعية في القاهرة، لأسباب تتعلّق بنشاطه السياسي اليساري.. و ليقبلني استاذي بقادي ناقداً مُحبّاً، كان ينتظر من قلم جريئ كقلمه ،أن يلتزم إشارته أعلاه ، فيلقي بعض الضوء على “صورة” أبو الصحف السودانية، الاستاذ أحمد يوسف هاشم، بدلاً من أن يكون لقاء الاستاذ بقادي به عابراً، وفي سطور، مثل مرور القطار على “نِمَرْ العتامير”..؟

هناك “فجوات “عديدة  أحسست بها، وأنا أقرا المُذكرات..أين هو عبق الخمسينيات بين السطور..؟ فالخمسينيات هي العِقد الذي شهد الاستقلال وارهاصاته، و شهدت ميلاد ثورة يوليو المصرية،أكثر من ذلك ، لماذا قيّد الاستاذ بقادي روحه بالكثير من ” الحَذَر” عن قول كُل الحِكاية..!؟ فليس معقولاً ابداً، تلخيص تجربة سياسية ومهنية،إمتدّت لنحو 60 عاماً، في 146 صفحة داخل كتاب من القطع الصغير..! وليس معقولاً ، أن يتحدّث استاذ بقادي عن مغادرته القاهرة الى السودان، في شتاء 1952، دون أن يحدِّث القارئ عن 23 يوليو، “نجيبها وناصرها”، لا سيما وأنها مذكرات  “صحافة بالسياسة”..! فكيف به أغفل ذلك الحدث العاصف الذي ضرب المنطقة بأسرها ..؟

هناك ثمة “قيود” يستشعرها القارئ، و يستبطنها الاستاذ بقادي، وإلا  لما “تمنّعت ” أو احتجبت الكثير من التفاصيل ، تفاصيل صغيرة ولكنّها ضروروية ، مثل : كيف ومتى انخرط في الحزب، و من هم رِجال ذلك العهد على المستوى الحزبي والسياسي.. أي نوع من الناس هو رئيس تحرير “الميدان” حين التحق بها ،، و بما أنّه تحدّث عن انغماسهم فى العمل التنظيمي بجانب العمل المهني ، ماذا عن انشقاقات يسار العهد الأول والثاني..؟! فهذه المذكرات لا تُسمِعُنا صوتاً لعبد الخالق وصحبه..! هذا الحذر في الكتابة، وضع مذكرات بقادي في قفص الاتّهام ، عندما قرر صوغها  بـ “الحبر  السري”.. و بتوجُّس القمين على الأسرار،، وأين هو الخفاء، إذا كانت اسارير الوثائق الاستخباراتية  تنفرج كل ثلاثة عقود..!؟  نعطي مثالاً لذلك الحذر غير المُبرر.. يقول الاستاذ ، في صفحة 31  من مذكراته،، إنه عاد الى القاهرة ، لاستئناف دراسته الجامعية، بعد التجربة التي خاضها في مكتب صحيفة السوداني.. ويمضي قائلاً : ما أن علم رفاقي في “تنظيمنا السّري السوداني”، بتجربتي المثيرة في الخرطوم،حتى رشحوني للعمل في مطابع “التنظيم المصري السرية”..!

 أقرأ ما بين الأقواس.. فليس مقصدنا هو التوقف عند “داء السّرية”، الذي أحاط بالتجربة، لكن دعنا ننظر معاً هذه “الفجوات” ، مابين تنظيم سري هنا، وآخر هناك ، في مصر،، وكيف أنّه ـــ في الحالتين ــ قد ضاع إسم التنظيم، “الحركي/ و الحقيقي”..! ألا ترى ــ سيدي ــ أن هذا المستوى من “التشفير”، يهزِم فكرة إعادة كتابة التاريخ مِن أساسها..!؟

 أقرأ  في مذكرات الاستاذ بقادي، ويجُر السؤال السؤال: لماذا يكتب مذكراته، إن كان قد قرر ألا يبوح بأصل الحكاية وفصلها..؟! وكيف  يختار الكاتب أن يكون محايداً تجاه ذكرياته ومواقفه ..!؟ دعك من ملامسة الشجن الخاص، فالقارئ ينتظر من بقادي ، أن يحدّثه عن أزمة حلايب في عهد عبد الله خليل، وعن أجواء الانقلاب الأول، وتكميمه للأفواه ، وكيف أن صحيفة الايام ، على سبيل المثال ،كانت موجعة لنظام عبود،طالما أننا بصدد الحديث عن “صحافة بالسياسة”..يحيل بقادي قارئ مذكراته ، الى الارشيف ، الى دار الوثائق، ويتحدث عن مقال كان موضوعه أزمة حلايب،  وقد كان عنوان المقال: “هذه الحكومة لا تستحي”.. وقد كان الأصوّب أن يضعه هنا، في هذه المذكرات، فحلايب لم تزل حيّة ،حتى في أذهان الاخوان المسلمين..!

 ومرة أخرى، تحاصرك الفجوات ، الفجوات..فالقارئ يجد نفسه  فجأة ، أمام شاب دخل سجن القناطر الخيرية لسبب عام هو النشاط السياسي،دون تحديد واقعة بعينها، ودون ملابسات اعتقال، ثم يخرج ذلك الشاب من السجن،  وقد تعلمّ اللغة الفرنسية الى جانب لغته العربية والانجليزية، ليعود للعمل مرة اخرى في صحيفة الميدان بعد شهور من استقلال  السودان، ليقرر بعد ذلك،  بأن العمل فيها كان “قطعة من جهنم” ، دون تعبير حول “كيف ولماذا”..! و يتحدث عن ارادة الشباب العاملين فيها دون تحديد لشخص بعينه ، مع التأكيد على أن مستواهم الأكاديمي والثقافي كان عالياً.. و الاستاذ بقادي في مذكراته، حريص غاية الحِرص، أن تكون حقبة كاملة في طي الكتمان ، فإن أراد تثنية ،فإنّه يقول ذلك، على هذا النحو :” قال أحد الاصدقاء، أن الميدان كانت ساحة قتال حقيقية”.. ص 43.. أو يقول: “أحد الزملاء، قال بأن المقالات التي نشرت باللغة الانجليزية كانت قنبلة “..ص 48..هكذا، دون إسم، أو عناوين..!

ويفصح بقادي عن أقل القليل حول أجواء العمل الصحفي حينها، فيقول “أن الصفة النضالية الغالبة لصحيفة الميدان، تقيِم بعض الحواجز بين محرريها وبقية الصحافيين  في الصحف السودانية الأخرى، والذين كانوا ينظرون إلينا بوصفنا أعضاء في الحزب الشيوعي ومناضلين أولاً ، ثم تأتي  بعد ذلك صفتنا المهنية”.. ويقدِّم شيئاً أشبه بالنقد حين يقول :” لا اذكر أننى استطعت  طوال الفترة التى قضيتها محرراً في صحيفة الميدان، أن اقيم علاقة حميمة مع بقية زملائي الصحفيين العاملين في نفس المجال.وكانت لذلك أساباب كثيرة ، ولكن يأتي في مقدمتها، شك وإنعدام ثقة متبادل بين الجانبين.وما دمت  لا أملك حق الحديث نيابة عن الزملاء، فإنني أكتفي بإدانة نفسي، وأقول أننى لو عدت اليوم محرراً في مثل صحيفة الميدان، لما سمحت لتلك الحواجز أن تقوم بيني وبين  زملائي الصحفيين، و لبادرت من جانبي، باذلاً  أقصى ما أستطيع من جهد لأتغلب على كل العقبات، وأزيل عوامل الشك والريبة، وأمهد السبيل لاقامة أفضل علاقات يمكن أن تنشأ بين زملاء مهنة واحدة”.. ص 50.. ويشير الاستاذ، إلى أن العمل اليومي يجعل الصحفي بعيدا عن القراءة العميقة، لانه يعتصر الصحفي  ولا يُبقي له جهداً يدّخره لقراءة جادة “..و هذا صحيح.. ربما أعود الى هذه المذكرات، مع ان الاستاذ كان شحيحاً في التداعي، ولم يكن تلقائياً، بل أراد أن يكون في الـ ” سيف سايد” ،فلم يُفرج عن أيّة غبائن حول الصراعات الداخلية، متحاشياً مكائد الغرماء العقائديين، لأنه كيد عظيم ، ربما أعظم من ذاك المذكور في القرآن.. فالعقائدي الإسلاموي،إن اختلفت معه،فأنه يُخرجك من المِلّة، وأبسط حاجة يقولها عنك ،”يا شيوعي”..! أما إن خرجت عن سياق العقائدي الآخر ، فأنت أمنجي وخائن لمبادئ الرفاقية والرجولة معاً..! ولا شك أن شاعر الطير المهاجر، صلاح أحمد ابراهيم ، قد عاني شيئاً من ذلك، فأين هو أصل الحكاية..؟!