* سيستخدم"رجال الرئيس" الفوز المؤكد للبشير لاحتواء نفوذ الحرس القديم بالحركة الإسلامية * من المتوقع أن يتجه البشير بعد الانتخابات إلى الحل العسكري والأمني لأزمات البلاد * من المتوقع أن تستمر بضع شخصيات فقط من "المؤتمر الوطني" عقب التعديل الوزاري بعد الانتخابات

 

 

 اعتبرت المجموعة السودانية للديمقراطية أولا، في تحليل للاوضاع في السودان ،  قيام الانتخابات السودانية فيما أسمته “البيئة غير المواتية لاقامة انتخابات حرة ونزيهة” تراجعا لفرصة “الحوار الوطني الحقيقي” وانتقدت موقف الاتحاد الأفريقي الذي قبل مراقبة الانتخابات متجاوزا توصيات لجنته الفنية، وأكدت ان الأزمة السياسية الراهنة تضع البلاد على حافة الهاوية، وفيما يلي نص التحليل:

 

 

يوم الاقتراع في السودان: تراجع احتمالات الحوار الوطني

 

شهدت العاصمة السودانية الخرطوم استعراضاً للقوة يوم الخميس الماضي، حيث ازدحمت الشوارع الرئيسية بمئات من عناصر الأمن، الذين كان يرتدي بعضهم زياً رسمياً وبعضهم الآخر ملابس مدنية، فيما كان الرئيس عمر البشير بصدد المشاركة في آخر مخاطبة جماهيرية له في ختام حملته الانتخابية. وتعهد البشير في ختام كلمته لمؤيديه بتحقيق السلام من خلال سحق التمرد المسلح مؤكداً أن الحوار الوطني سيكون السبيل الوحيد لحل النزاعات في البلاد. وكان البشير قد تعهد مراراً خلال حملته الانتخابية في كافة الولايات الاتحادية الـ17 بإطلاق عملية الحوار الوطني فور الانتهاء من الانتخابات. ووفقاً لتصريحات النظام، فإن إعادة انتخاب البشير ستكون بمثابة منحه تفويضاً جديداً لقيادة الإصلاح واستكمال “نهضة نظام الإنقاذ”، الذي سيطر على الحكم 26 عاماً، من خلال إرساء الاستقرار السياسي اللازم لبدء حوار وطني سوداني.    

تأكيداً لفكرة سودانية الحوار الوطني، التي ظل النظام يروج لها في الآونة الأخيرة، تعهد البشير بأن تكون عملية الحوار وطنية، وصرّح علناً بأنه لن يسمح لمن أطلق عليهم “الاستعماريين” بالتدخل في العملية. كما قال إبراهيم غندور، نائب رئيس حزب المؤتمر الوطني الحاكم ومستشار الرئيس، إن الحوار الوطني هو في الأصل مبادرة من حزب المؤتمر الوطني وحكومة السودان، وإنه سيبدأ فور الانتهاء من الانتخابات، مؤكداً إنه سيكون في السودان فقط. ويأتي هذا التصريح كإشارة مباشرة إلى اجتماع ما قبل الحوار الوطني، الذي كان من المقرر أن يتم عقده في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا ورفضت حكومة السودان المشاركة فيه، الأمر الذي يكشف بدوره النقاب عن حقيقة نوايا النظام وموقفه الحقيقي من الحوار الوطني على الرغم من التزاماته السابقة التي اعترف فيها بالتفويض الذي منحته لجنة السلام والأمن، التابعة للاتحاد الأفريقي، للجنة الاتحاد الأفريقي التنفيذية عالية المستوى للقيام بدور الوسيط في عقد هذا الاجتماع بين حكومة السودان وائتلاف المعارضة المسلحة المنضوي تحت لواء قوى نداء السودان للاتفاق حول خارطة طريق وجوانب إجرائية حول عملية الحوار قبل انطلاقه.     

وكانت أحزاب المعارضة الرئيسية وأطراف قوى نداء السودان، وعلى وجه التحديد حزب الأمة القومي وقوى الإجماع الوطني ومبادرة المجتمع المدني والمعارضة المسلحة، قد أعلنت بوضوح أنها لن تشارك إلا في عملية حوار شامل، وليس في حوار تهيمن عليه حكومة السودان بهدف الانتهاء إلى النتائج التي يرغب النظام في التوصل إليها، مثلما هو الحال في الحوار الذي أطلقته حكومة السودان في يناير 2014 وفشلت في إقامته حتى الآن.

 

قمع المعارضة

على الرغم من منعها من ممارسة حقها في التعبير والتنظيم بواسطة جهاز الأمن والمخابرات الوطني، فإن قوى نداء السودان أطلقت حملة قوية لمقاطعة الانتخابات في مختلف أنحاء السودان، حيث استهدفت شرطة مكافحة الشغب ندوات سلمية في كل من دنقلا وأبو نعامة وسنار وبورتسودان وكسلا وعطبرة والأُبيّض. كما أن جهاز الأمن والمخابرات الوطني قام باعتقال ناشطين شباب شاركوا في حملة “قاطع انتخابات الدم”. وفي الأسابيع الأخيرة واصلت سلطات الأمن إغلاق ومصادرة الصحف التي تنشر مقالات تتضمن انتقادات للعملية الانتخابية، كما شنت أيضاً حملات دهم على مقرات عدد من منظمات المجتمع المدني، فضلاً عن مصادرة ممتلكاتها ووثائقها.

قاطع الانتخابات أيضاً عدد من الأحزاب والجماعات الإسلامية المعارضة التي وافقت في بادئ الأمر على المشاركة في الحوار الذي تقوده الحكومة لكنها أحجمت عن المشاركة بسبب ممارسات حزب المؤتمر الوطني خلال الفترة التي سبقت الانتخابات وقررت النأي بنفسها عن المشاركة في الاقتراع. وتشتمل هذه الأحزاب والمجموعات على شخصيات سابقة في النظام الحاكم ومؤسسين مثل الدكتور حسن الترابي، زعيم حزب المؤتمر الشعبي، ومنبر السلام العادل، بقيادة خال الرئيس، الطيب مصطفى، وحركة الإصلاح الآن، التي أسسها القيادي الإسلامي غازي صلاح الدين العتباني.

لذا، ليس من المستغرب أن تأتي المخاطبة الأخيرة للبشير في حملته الانتخابية على خلفية إدانة محلية ودولية للانتخابات بسبب افتقارها للحرية والنزاهة وتوجيهها بهدف الخروج بنتائج حددتها سلفاً عناصر النظام الحاكم.

 

التودد إلى المراقبين الأجانب

أشاد البشير في خطابه لمؤيديه في استاد الخرطوم بقرار الاتحاد الأفريقي إرسال بعثة مراقبة على مستوى عال للوقوف على الانتخابات. وقال البشير في معرض خطابه إن علاقات السودان مع حلفائه العرب والأفارقة في أحسن حالاتها. وبإشارته إلى “الأبطال” السودانيين الذين يقاتلون في اليمن، استغل الرئيس البشير مشاركة السودان في التحالف الذي تقوده السعودية ضد المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران كفرصة ذهبية لخروج نظامه من العزلة السياسية والاقتصادية المفروضة عليه بفعل العقوبات التي تقودها الولايات المتحدة. ويشعر النظام الحاكم بارتياح حالياً، إذ يتوقع أن تساعد بلايين الدولارات التي من المتوقع أن يتلقاها من دول الخليج المؤيدة في مساعدته على تخفيف حدة الضغوط التي دفعت الجماهير في المدن إلى الخروج إلى الشوارع احتجاجاً على النقص الحاد في مياه الشرب والكهرباء وغاز الطبخ.

وعلى النقيض، تشعر المعارضة السودانية، بما في ذلك المجتمع المدني، ومراقبون إقليميون ودوليون باستياء تجاه اتخاذ الاتحاد الأفريقي خطوة تتعارض مع توصيات اللجنة الفنية التي أرسلها الاتحاد الأفريقي إلى السودان بغرض تقييم الأوضاع قبل إجراء الانتخابات. إذ أوصت هذه اللجنة بأن لا جدوى من مراقبة الانتخابات بسبب غياب المناخ المناسب لإجراء انتخابات حرة ونزيهة. وكانت القوى التي قررت مقاطعة الانتخابات، وهي قوى نداء السودان وأحزاب المعارضة وحركات شبابية، قد أدانت قرار الاتحاد الأفريقي.

وعلى الرغم من هذه المناشدات، التي دعمها الاتحاد الأوروبي وساندتها الترويكا، فقد حصلت الانتخابات على شرعية، ليس فقط من الاتحاد الأفريقي، بل من أطراف أخرى أيضاً، مثل منظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية والهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا بالإضافة إلى ما يزيد على 20 بعثة مراقبة عربية وأفريقية ودولية قررت مراقبة الانتخابات.

 

سيناريوهات الوضع المقبل      

يبدو أن حزب المؤتمر الوطني الحاكم كان على يقين خلال الفترة التي سبقت الانتخابات من أنه سيكسب كافة مقاعد المجلس الوطني البالغ عددها 213 مقعداً، بالإضافة إلى مقاعد مجالس الولايات، البالغ عددها 468 مقعداً، إذ خصص المؤتمر الوطني نسبة 30% من المقاعد للأحزاب الحليفة التي توافق على المشاركة في الانتخابات، وقبل 44 من هذه الأحزاب العرض المقدم من الحزب الحاكم ودخل في مفاوضات معه.

سيستخدم “رجال الرئيس” الفوز المؤكد للبشير لاحتواء نفوذ الحرس القديم بالحركة الإسلامية بهدف تعزيز قبضة الرئيس مجدداً على السلطة اعتماداً على تفويضه “الديمقراطي”. ومن المتوقع أن تستمر بضع شخصيات فقط من حزب المؤتمر الوطني عقب التعديل الوزاري المتوقع إجراؤه بعد الانتخابات، ويعتبر ذلك جزءاً من خطة “الإصلاح” التي أعلنها البشير. وفي واقع الأمر، فإن الرئيس كان قد ألمح إلى تعزيز حكمه الفردي في الخطاب الذي ألقاه في المؤتمر العام لحزب المؤتمر الوطني الحاكم في أكتوبر 2014، حيث وعد بتفكيك “مراكز القوى” داخل الحزب. وللوفاء بالوعد الذي قطعه، أدخل البشير تعديلات دستورية أواخر العام 2014 حصل بموجبها على تفويض بتعيين حكام الولايات الذين كانوا في السابق يتولون مناصبهم من خلال انتخابات في دوائرهم، كما تعهد بتقديم وجوه جديدة لمناصب حكام الولايات.

وفيما من المتوقع أن يستغل النظام توزيع المناصب بعناية على “المعارضة” الموالية له على نحو يضمن السيطرة المطلقة للرئيس، فإن الطريقة التي أدار بها النظام الانتخابات وعملية الحوار الوطني ستورد السودان بالتأكيد مساراً محفوفاً بالمخاطر.

منذ السنة التي أعلن فيها الحوار، فشل النظام في تطبيق المتطلبات اللازمة لتهيئة أجواء الحوار، كما فشل كذلك في إطلاق عملية الحوار نفسها. إذ بتركيزه على الانتخابات فحسب، فشل حزب المؤتمر الوطني في التوصل إلى إبرام اتفاقيات لوقف الأعمال العدائية مع المعارضة المسلحة، كما فشل أيضاً في ضمان حد أدنى من الحقوق للمعارضة السياسية ومنظمات المجتمع المدني، التي تنادي بالتحول الديمقراطي والحل السلمي للكثير من الحروب من خلال الحوار. وبرفضها حضور الاجتماع التمهيدي للحوار تلبية لدعوة لجنة الاتحاد الأفريقي التنفيذية عالية المستوى الشهر الماضي، بموجب البيان الختامي للجنة السلام والأمن التابعة للاتحاد الأفريقي، فإن حكومة السودان تكون قد قوّضت إطار الوساطة الوحيد الذي من المفترض أن يساعد على حل نزعات البلاد.

توالي هذه النكسات ساعد على تهيئة المناخ لزيادة حدة الأزمة السياسية المزمنة في السودان والتصعيد العسكري في مناطق النزاع، حيث من المتوقع أن يتجه الرئيس، المتوقع فوزه في الانتخابات، إلى مواصلة الحل العسكري لأزمات السودان، مدعوماً بمؤسسة أمنية متنفذه. تأييد الاتحاد الأفريقي للانتخابات ومشاركة الخرطوم في التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن سيساعد على تعزيز موقف البشير وحزب المؤتمر الوطني في عدم الرضوخ للضغوط المحلية والإقليمية والدولية الرامية إلى حمل النظام على المشاركة في عملية حوار وطني شاملة. وفي القريب، ربما لا يكون النظام هو الذي يواجه عزلة، بل القوى التي تنادي بالتغيير، بما في ذلك المجتمع المدني وأحزاب المعارضة غير المتحالفة مع حزب المؤتمر الوطني، والحركات المسلحة. وبعد أن أصبحت الانتخابات الآن أمراً واقعاً وتراجعت احتمالات إجراء حوار وطني حقيقي، يجد السودان نفسه مجدداً على حافة الهاوية.