فتحي الضَّـو ،، رأى خيمة منصوبة في إحدى الدوائر الانتخابية، وكان يجلس بداخلها رهطٌ من لجنة الانتخابات في انتظار ناخبين عزَّ وصالهم. .. وما أن وصل الجالسين حتى رفع يديه وبسط كفيه وقال بصوت جهور الفاتحة يا جماعة!،،

لم اهتم كثيراً بمسرحية الانتخابات، ولكنني انشغلت بالمُلَح والطرائف التي سمعتها من الأصدقاء أو قرأتها في وسائل التواصل الاجتماعي المتعددة، وذلك امتثالاً لوصية الرئيس «الضرورة» الذي تحدث عقله الباطن وقال إنه يخشى على شعبه من الموت كمداً وحسرةً لولا وجود «الواتس أب» وهو لا يعلم أنه سيكون وبالاً عليه ونظامه. ولا شك أنكم مثلي قد سمعتم ورأيتم وقرأتم الكثير، سواء بدوافع حب الاستطلاع أو من باب ترويح القلوب ساعةً خشية الكلالة والملالة من نظام جثم ربع قرن على صدورنا ويطمح في المزيد. ومع ذلك سأزيدكم بهذه القصة التي جعلت لضحكي رنيناً وصليلاً أشبه بصليل سيوف عنترة بن شداد وهو يقاتل بها أعداء الله والوطن ممن ينافسونه حب عبلة بنت مالك، ويريدون الفوز بقلبها!

قال محدثي إن مواطناً بسيطاً ممن طحنتهم الحياة ويعيش في غيبوبتها المُهلِكة. كان مثلي لم يشَغِل نفسه بتلك المسرحية البائسة، أي لا هو في عير الانتخابات ولا نفير العصبة. رأى خيمة منصوبة في إحدى الدوائر الانتخابية، وكان يجلس بداخلها رهطٌ من لجنة الانتخابات في انتظار ناخبين عزَّ وصالهم. صاحبنا هذا اعتقد أن الخيمة منصوبة – كما هو الحال – لمناسبات الفرح والترح التي يعرفها، وقد كانت الثانية أقرب إلى خلده بحكم صمت القبور المطبق على المكان. وما أن وصل الجالسين حتى رفع يديه وبسط كفيه وقال بصوت جهور الفاتحة يا جماعة! الأغرب قيل إن بعض الجالسين – سواء جراء عنصر المفاجأة والمباغتة أو بظنهم أن القادم يعزي فعلاً في فقيد ما – انتصبوا وقوفاً بتلك الحركة اللا إرادية التي نعرفها في مثل هذه المواقف، وبسطوا أيديهم وبدأوا في تحريك شفاهم لقراءة الفاتحة!

تلك واقعة حقيقية تبدو أقرب للخيال، ولكنها حتى لو بدت كذلك، لم أجد ما هو أصدق منها تعبيراً عن تلك المسرحية السمجة، فقد أصبحت البلاد كلها – على مدى أيام العرض – عبارة عن سرادق كبير لعزاء الوطن في حريته المسلوبة وديمقراطيته المفقودة. مسرحية اختلطت فيها المأساة بالملهاة، والسخرية بالشماتة. أغمضت العصبة عينيها لكي لا تراها، وصمت أذنيها كي لا تسمع لحنها الجنائزي. ذلك درس بليغ قدمه الشعب السوداني بما يمكن أن يضاف لأدبيات قاموسه السياسي. ويمكن القول إنها ملحمة التطبيق المُلهِم للانتفاضة الشعبية الثالثة!

لعل السؤال الحاضر في (مولد) صاحبه غائب، هل كانت السلطة الغاشمة في حاجة لأن تفضح نفسها على الملأ – محلياً وإقليمياً ودولياً – بتلك الصورة التي تدعو للرثاء؟ فالانتخابات التي تجري في الدول المحترمة تقوم في أجواء مفعمة بمناخ الحرية والشفافية والديمقراطية، وفي تنافس نزيه وشريف ليفوز بها من بذل جهداً، سواء من الحكومة أو المعارضة واقتنع ناخبوه ببرنامجه الذي يزمع تنفيذه. وبرغم أن العصبة الحاكمة كلها شرور في شرور، لكنني لم أجد فعلاً من احتقر العقل السوداني، وداس على كرامة مواطنيه، أكثر من رئيس وأزلامه ينثرون الوعود وكأنهم تسنموا السلطة للتو، وليس بعد ستة وعشرين عاماً أهلكوا فيها الزرع والضرع، وطغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد!

بيد أن الذي نعلمه ويعلمه غيرنا هو أن الإصرار على الانتخابات يأتي من زاوية البحث عن شرعية مفقودة ظلوا يلهثون وراءها سنين عددا. وقد حاولت السلطة المستبدة طيلة سنوات التيه والضياع هذه، التحايل على تلك الشرعية المفقودة بشتى السبل، بدءاً بالإجماع السكوتي ومروراً بالتوالي السياسي وانتهاءً بانتخابات (الخج) التي يعاد تكرارها الآن لمن فاتته المتابعة الأولى. لكن ذلك لم يغير ما رسخ في عقل ووجدان الشعب الصابر. ولهذا ظلَّ على الدوام يُنعت بأنه نظام انقلابي تزيأ بهوية دينية استغلها وتاجر بها. ونسبة لأنهم تمرسوا على الخداع، فهم يعتبرون الانتخابات عملية شكلية طالما أن نتائجها مضمونة بالتزوير، وستنطلي حيلتها على المجتمع الدولي! 

ذلك ما حدث بالفعل، فالتزوير بدأ قبل أن تبدأ الانتخابات، ثمَّ أخذ مداه بصورة سافرة – يندى لها جبين النزهاء – في الأيام الثلاث التي حددوها للاقتراع، وقد جاء تمديد اليوم الرابع دليلاً على ضعف الاقبال، ولمزيد من التزوير لبلوغ نسبة معدة سلفاً تتطابق فيها حسابات الحقل والبيدر. وقد رصد المواطنون ممارسات التزوير بالصوت والصورة، ثمّ جرى تداولها بين السودانيين في الداخل والخارج عبر الوسائل التي ظنّ الرئيس «الراحل» إنها بمنجيته من عذاب واقع. نحن نسرد في كل ذلك ونعلم خطل سلطة لا يعنيها أمر الناس في كبير شيء، ولا أعتقد أن أكثرهم تفاؤلاً في الكون ينتظر مفاجأة كتلك التي قام بها الرئيس النيجيري (جودلاك جوناثان) الذي رضخ لفوز غريمه المعارض (محمد بخاري) وهنأه في تزامن فاضح بين الحدثين!

إن للمأساة جوانب مستترة أيضاً، فقد كشفت المسرحية عن مزيد من الذمم المشتراة، وجاء في طليعتها سياسيون انتهازيون كانوا بالأمس معارضين وبصقوا على الإناء الذي ولغوا فيه، وكُتَّاب أفاكون وصحافيون منافقون تغولوا على المهنة بكل عراقتها، وتبوأوا في أزمنة القحط والجفاف مناصب صحفية بهويات أمنية. تراهم وقد ضربت عليهم الذلَّةُ والمسكنة، وهم يذعنون لجهاز الأمن يملي عليهم الممنوع والمرغوب وهم صاغرون. ولما كانت قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان هي ثوابت هذه المهنة النبيلة، عجبت لمن يراها تُذبح أمام عينيه ولا يخرج للناس شاهراً قلمه؟

بل عجبت أكثر لمن يتمتعون بالحرية في مهاجرهم، وينعمون بالديمقراطية ويرفلون في حضن قوانين تمجد الإنسان وحقوقه، وفي الوقت نفسه يغمضون عيونهم عن الانتهاكات التي تحدث داخل أسوار الوطن، حيث تسلب الحريات نهاراً جهاراً، وتحرَّم الديمقراطية باعتبارها رجس من عمل الشيطان، وتنتهك الحقوق مع سبق الإصرار والترصد. ويصبح الشعب الرازح تحت نير الديكتاتورية محض سقط متاع. ولا أدري كيف يهنأ هؤلاء بطعامهم وهناك من يتضور جوعاً ويقتات من خشاش الأرض، كيف ينامون قريري الأعين وهناك من يسكن الكهوف ويقبع في معسكرات الذل والهوان. ولن أجد ما هو أشد مضاضةً على نفسي، سوى تبرير هؤلاء لمواقفهم بضعف المعارضة، وكأن تلك حجة تعصمهم عن نطق كلمة الحق في وجه سلطان جائر. ألا رعى الله مارتن لوثر كنج الذي أغنانا عن التنبوء بمالآتهم: «إن أسوأ مكان في الجحيم محجوز لهؤلاء الذين يقفون في الحياد»!

صفوة القول يا كرام، ليست العبرة في الانتخابات فهذا (شهر ليس لنا فيه نفقة) كما يقولون، ولكن ماذا نحن فاعلون بعد أن أصبح الطريق ممهداً لانتفاضة ثالثة؟ هل نستمرأ الظلم ونذعن له؟ هل نتعايش مع هذه المهازل التي قزَّمت الشخصية السودانية ومرمطت كرامتها؟ هل نصمت أمام موبقات النظام التي تطاولت وتناسلت وتضخمت؟ وعلى الضفة الأخرى نتساءل أيضاً: هل سعت العصبة لحتفها بظلفها؟ هل حفرت قبرها بيديها؟ هل نشهد قريباً تدافع سدنتها في الهروب الكبير من المركب الغارقة كما الجرذان؟

تلك استفهامات أنتم أحق بحلها، أما أنا فأعلم يقيناً أن العصبة قد دنا عذابها!

آخر الكلام: لابد من الديمقراطية ولو طال السفر!

faldaw@hotmail.com