د.ناهد محمد الحسن ،،عزة كانت اقرب الى تصديق زوجها الذي يعمل بجهاز الأمن وهي تراه زوجا محبا وأبا عطوفا ان التعذيب الذي يجري في بلادنا قد لا يكون حقيقة.. كإمرأة لم يكن بمقدورها ان تفهم هذا الفصام..!،،

إنّ السرد النسائي هو فرصة للإستماع لحكايات النساء ..فبدون الحكايات تظل تجاربنا مغمورة وأعماقنا عصيّة على الكشف..ونضالنا غير معترف به وفاقد للقيمة..

فبالحكايات تكتسي المعاناة بالمعنى وتضاء الدروب للذين يسلكون ذات المجاهل..وأنا أقلّب صفحات (الجدران القاسية) لملكة الفاضل عمر…شعرت بعمق ورطة الوطن..الذي انتقل من أحلام ملكة الدار الواعدة والمليئة بالثقة في المستقبل  في روايتها الفراغ العريض..مرورا بوطن الإختيار لزينب بليل حيث الأمل معقود بناصية التعليم المجاني الذي سيصهر الطبقات..الى ان تحوّل الوطن الى سجن كبير في الجدران القاسية…رواية من (204 ) صفحة رصدتها ملكة للحديث عن المعتقلات وفنون التعذيب..واستخدام السلطة في تصفية الحسابات الشخصية..لم تستطع ملكة ان تفهم قدرة اي شخص على ايذاء شخص آخر..كأنثى تدرّبت على العطاء ومنح الحياة..لم يكن بمقدورها استيعاب القدرة على سلب الحياة وسحقها في عيون الناس..لذلك قدّمت زبانية التعذيب كأشخاص منبتين..اختبروا الإساءة في حياتهم ألوانا..لهذا فإنّهم يتقبلون الألم بوصفه النظام الطبيعي..إنّهم لا يتساءلون..والحقيقة انهم يتشاركون مع ضحاياهم ذات السجون فعليا ومعنويا حيث يعيشون في عزلة من ضميرهم وانسانهم..وعزلة من عالم الناس الطبيعيين..كما لم يغب عن فطنة ملكة الفاضل ان تذكر أثر الأيدولوجيا على تبرير الشر..حين سألت عزة زوجها الذي جزع وهو يرى ظفرها الذي اقتلع حين جرحت: ترى كيف يحتمل الناس قلع أظافرهم في التعذيب؟ ده ألم فظيع ..عزة كانت اقرب الى تصديق زوجها الذي يعمل بجهاز الأمن وهي تراه زوجا محبا وأبا عطوفا ان التعذيب الذي يجري في بلادنا قد لا يكون حقيقة.. كإمرأة لم يكن بمقدورها ان تفهم هذا الفصام..!وهو ما حاولت ادريان ريتش تصويره..تقول كارول بي كريست(تجاور ريتش من عمل الرجال وتكثفه لتعبر عن المشاعر في علاقات النساء مع افتقار الرجال الظاهر للمشاعر تجاه الحيوات التي دمروها في الحرب ( أرى العالم فجأة/ كما لم يحدث من قبل/ انت هنالك في الخارج تحرق المحاصيل/ بمادة ما جديدة حارقة/ في هذا الصباح انت غادرت الفراش/ الذي مازلنا نشترك فيه)..لم تستطع عزة ، ملكة، ادريان ريتش ولا كارول..ان يفهمن هذه القدرة الباردة على الإيذاء متجاورة مع الحب والعطف العلائقي.. مما يضع فرضية أخرى..ان هذا العطف الظاهري ليس حبا حقيقيا هو شيء آخر لذا تقول كارول ان ريتش ( حينما تكتشف الطبيعة التشريحية لعلاقتها مع الرجال: الحب الوحيد الحقيقي الذي شعرت به أبدا هو حب الأطفال والنساء الأخريات وفيما عدا هذا فكل شيء كان شبقا، شفقة، كرها للذات )..في هذه الرواية الحالكة في دهاليز المعتقلات..يشع الوجه الإنساني لمعدن الشعب السوداني الأصيل في الذكريات.. تقدم ملكة الفاضل معرفة عميقة بشعبها ورؤية مستبصرة لمقدراته ..الطيبة الموجودة في كل مكان..البيوت التي تفتح ابوابها لكل وافد..والتضامن الإجتماعي العابر للطبقات والإثنيات..السودان الصالح كما تعرفه وتسميه…والذي سيهزم جدران الحكم القاسية بطريقته (الناس هنا وفي أي مكان لا يخططون ولا يتحركون او بالأصح هم ليسوا من يقومون بمحاولات لقلب النظام. انهم فقط يزيحوننا جانبا- بكل بساطة- عندما يريدون….. بلا تخطيط ولا تآمر..فقط يجمعون على إبعادنا – وبكل عفوية- كالشيء الطالح..سيجمعون على أمر واحد ويقولون لنا: إلى الثكنات- لم نعد نريدكم. وسنذهب)..