رشا عوض إن ضعف الإقبال على التصويت في أية انتخابات تجرى في ظل نظام شمولي كنظام البشير، استولى على السلطة بانقلاب عسكري وحافظ عليها لربع قرن بالقوة ليس خبرا! 

فمن المعلوم من المنطق بالضرورة، أن صندوق الاقتراع في نظام كهذا لا يقدم ولا يؤخر قيد أنملة فيما يتعلق بمنح السلطة السياسية لهذا أو نزعها من ذاك! فأمر السلطة حسمه سلفا “صندوق الذخيرة”   ووظيفة أية “انتخابات مزعومة” هي مباركة السلطة التي جاء بها الانقلاب، وفي ذات الوقت تجميلها بمسوح مدني.

  فأي مواطن مهما تواضعت نسبة ذكائه يعلم استحالة التخلص من البشير او من السيطرة الكاملة لحزب المؤتمر الوطني على السلطة، عبر انتخابات فُصِّلت وصُمِّمت لخدمة هدف واحد هو استدامة احتكار السلطة للذين استولوا عليها بالدبابات وحافظوا عليها ببيوت الأشباح ومجازر”الصالح العام” وصولا للإبادات الجماعية.

ولذلك، فإن الشعب السوداني، تعامل مع كل المسرحيات الانتخابية في عهد الإنقاذ كشأن إنقاذي داخلي بحت، ينفعل به”الإنقاذيون” وحدهم لانه يعيد تقسيم الكعكة فيما بينهم فقط،  فلم يحبس الشعب السوداني أنفاسه عام 1996 في انتظار نتيجة السباق الانتخابي بين عمر البشير وسبعين مرشحا رئاسيا كان  أشهرهم السباح كيجاب! كما لم يشغل باله بانتخابات عام 2000 والتي كان دور “الكمبارس” فيها من نصيب الرئيس الراحل جعفر نميري والاستاذ محمود جحا ود السموأل حسين والاستاذ مالك حسين، وحتى انتخابات 2010  التي تمخضت عن اتفاقية السلام الشامل”نيفاشا”، وكان من المفترض ان تكون  مختلفة ولو نسبيا عن المسرحيتين السابقتين، إلا ان ذلك لم يتحقق، لأن صفقة “نيفاشا” انتهت بمقايضة التحول الديمقراطي بانفصال الجنوب،   فنجح “المؤتمر الوطني” في تحويل انتخابات 2010 لعملية “تجديد بيعة”!  فانسحبت منها كل القوى السياسية ذات الوزن تاركة المؤتمر الوطني ورئيسه ينافسون أنفسهم كالمعتاد!

فالشعب السوداني كله بمن فيه ما يسمى بالمرشحين الرئاسيين، في كل “انتخابات الإنقاذ” كان يعلم ان البشير سيبقى رئيسا، وأن المؤتمر الوطني سيبقى حزبا مهيمنا، وأن  الأمر برمته مسرحيات عبثية، يصر البشير وحزبه على تمثيلها كل اربعة سنوات، لا يفعلون ذلك ظنا منهم بان هناك مغفلون ستنطلي عليهم مثل هذه الألاعيب ولا إدمانا منهم لمسرح العبث لا سمح الله، وإنما بسبب ان  الأنظمة الشمولية مهما تمكنت ومهما طال بقاءها في الحكم تظل مصابة ب”عقدة الشرعية” وتظل طوال عمرها في لهاث يائس لحل هذه “العقدة” وبالتالي فإن “الهوس الانتخابي” الذي يصيب الدكتاتوريات منذ نعومة أظافرها ثم يتفاقم في خريف عمرها، ما هو إلا تأكيد لحقيقة افتقارها للشرعية، وفي حالة هروب مستمر من “شبح الانقلاب” الذي يظل يطاردها مثل شبح الخطيئة! فرغم كل الاموال التي تهدر فيما يسمى بالانتخابات، ورغم صياح الأبواق الإعلامية صباح مساء بالانتقال من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية والشرعية الانتخابية، ورغم كل مجهودات الخداع والكذب، ستظل الحقيقة المرة كما هي! فكلما سئل مواطن سوداني كيف جاء البشير الى الحكم سوف يجيب بلا تردد:  جاء بانقلاب 30 يونيو 1989 م! لن تجد مطلقا من يقول لك صعد البشير الى السلطة عقب فوزه المجيد على كيجاب عام 1996 او عقب فوزه الظافر على جحا عام 2000 او عقب فوزه المفاجئ على فاطمة عبد المحمود عام 2010م! فهذه الاحداث الكاركاتيرية رغم ما تهدره من مال وجهد لا تلبث كثيرا في ذاكرة احد وسرعان ما تتبخر حتى من ذاكرة البشير نفسه!.

إذن ما هو الجديد في انتخابات 13 أبريل 2015 الذي يجعلنا نتوقف عندها؟ أليست مثل سابقاتها مجرد عملية تحصيل حاصل وتكريس لما هو مكرَّس أصلا؟

نعم هي كذلك، ولكنها تختلف عن سابقاتها في درجة تعقيد الأزمة السياسية التي ستعقبها وهي أزمة تستوجب تحضير الاجابات الشافية عن سؤال: ثم ماذا بعد؟

إن  أخطر خفايا هذه “الفضيحة الانتخابية” هو حدة الانقسام الداخلي للنظام، فبات واضحا ان البشير ومجموعته في خندق الانتخابات، وبقية المؤتمر الوطني “بتياراته المختلفة” يقف ضدها!

حيث لم تبلغ كل الانتخابات السابقة مثل هذا المستوى المخجل من العزلة وضعف المشاركة، فرغم مقاطعة الشعب السوداني، كانت تجد الدعم من القاعدة الموالية للإنقاذ، حيث تجتهد هذه القاعدة في صناعة الحشود باستخدام إمكانيات الدولة، وكانت تجتهد في  افتعال الضجيج الانتخابي وبعد ذلك تجتهد في التزوير والتزييف والبروباغاندا، والتستر على النقائص، أما في انتخابات 2015 فقد اتضح جليا عمق الانقسام في حزب المؤتمر الوطني، ومدى عزلة البشير ومجموعته داخل المؤتمر الوطني نفسه، فالمقاطعة هذه المرة لم تقتصر على الأغلبية المعارضة، بل شملت جزءا كبيرا من الأقلية الموالية! حتى عضوية الحركة الإسلامية كانت بحاجة لمن يستنفرها ببيان ويستجديها للتوجه الى صناديق الاقتراع لحفظ ماء وجه النظام من التدني الشنيع في نسبة التصويت، ففي بيان صادر بتاريخ 15 أبريل حثت الحركة الإسلامية بولاية الخرطوم عضويتها على التصويت باستخدام الآية القرآنية “انفروا خفافا وثقالا” وأضاف البيان” لا يجرمنكم شنآن حال على ان لا تنفروا” وهذه إشارة صريحة إلى ان عضوية الحركة الاسلامية قاطعت التصويت بسبب “شنآن الحال” وترجمتها السخط السياسي على البشير ومجموعته!

ومن دلائل وجود تيار داخل المؤتمر الوطني وقف ضد هذه الانتخابات ذلك السيل من الصور الفضائحية لمراكز الاقتراع وهي خاوية على عروشها إلا من موظفي المفوضية النائمين! وتلك المخالفات التي تصل الاعلام حال وقوعها، بكل تأكيد الانتخابات السابقة كانت مليئة بالمخالفات والمشاكل ولكنها لم تجد توثيقا وفضحا سريعا كهذا، لأن البيئة السياسية والقانونية في البلاد مضادة تماما للشفافية،  بل وجدت كل الانتهاكات  من يجمل صورتها ويتستر عليها، ولكن “انتخابات الوداع” هذه لم تجد من ينعم عليها بالستر.

أضف إلى ذلك ان بعض النتائج الأولية التي رشحت تفيد بأن من ترشحوا من عضوية المؤتمر الوطني كمستقلين أسقطوا مرشحي الحزب المدعومين من البشير، وهذه ايضا خميرة معارك وشيكة بعد إعلان النتائج بصورة رسمية.

هذا الانقسام الحاد داخل النظام الحاكم، مقروءا مع صلف البشير وإعراضه عن أية حلول سياسية لأزمة البلاد المتفاقمة، واتجاهه لإحكام قبضته على مفاصل السلطة التي مهد لها ب”التعديلات الدستورية” الأخيرة، كل ذلك يضع سؤال “التغيير” في السودان على المحك مجددا: ما موقف قوى”نداء السودان” من الحوار مع حكومة البشير الجديدة؟ هل ثمت تغيير سوف يطرأ على أساليب العمل المعارض في اتجاه ممارسة ضغوط محسوسة على النظام في الداخل بدلا من الاعتماد على الضغوط الدولية؟ هل هناك اتجاه لاستيعاب المعارضة الإسلامية للبشير ضمن قوى “نداء السودان”؟

ماهي خطة الوسطاء الإقليميين والدوليين في عملية السلام السودانية في مرحلة ما بعد “الانتخابات” هل سيحاولون مجددا نفخ الروح في “الحوار الوطني” وينظمون الاجتماعات بين حكومة البشير والمعارضة المدنية والمسلحة في أديس ابابا وغيرها؟  

ربما ينفجر الشارع السوداني ويفرض معادلة جديدة في أي لحظة، ولكن ذلك لا يلغي الحاجة الماسة لأن تجتمع قوى التغيير للاتفاق على كيفية إدارة انتقال البلاد إلى نظام جديد وكيفية حمايتها من الانزلاق إلى الفوضى.