أمل هباني *نحن نرزح تحت نير ظروف اقتصادية ضاغطة؛بالكاد نوفر لقمة العيش لأولادنا،ومصاريف المدرسة الخاصة المعقولة بنسبة بقية المدارس ..إذ يعد نحرا لعقول ابناءنا الحاقهم بالتعليم الحكومي الذي تمرغنا نحن في نعيمه 

…وخرجنا بفضله مواطنين /ات متزنين محبين لوطننا وافراد لدينا ملكات ومقدرات لمواجهة الحياة والولوج الى سوق العمل ؛على الرغم من أنه لايمكن أن يطلق عليه تعليما مثاليا ….لكن المقارنة النسبية تصنع من فسيخ التعليم الحكومي منذ الستينات والى نهاية الثمانينات  شربات  رائع المذاق  ……وقمة المأساة في هذا السودان هي أنك لا تنعم بأي خدمات أو حقوق مواطنية ،وتجتهد حد (السكتة القلبية) في القيام بكل تلك الادوار بنفسك ،وعندما تخرج الى الشارع ؛تجد أن مشكلتك تافهة امام معضلات ملايين الناس الذين يشاركونك الحياة في وطن افتراضي لا يمكن أن نطلق عليه أنه يسع الجميع رغم اتساعه …

*اخرج الى الشارع امام بيتنا في احد الاحياء النائية النامية لاجد كل يوم منزلا جديدا مشيدا من ثلاث طوابق على الأقل ….يعمل فيه عدد من العمال ذوو سحنات سودانية متقاربة ،مضاف اليهم بعض العمالة من اسواق العمال العالمية من مصر الى الصين الى بنقلاديش ….ففي بلادنا اصبح هناك من يفاخر بتوظيفه البنقالة والصينين لاكمال قصره المنيف …..وفي ذات بلادنا يسكن في ظل كل قصرأو عمارة تحت التشييد  مالا يقل عن ستة اسر معظمهم من مناطق الحروب ؛بالاضافة الى نازحي الوسط من الجزيرة والنيل الابيض من باعة اللبن واصحاب الكارو وغيرها من الاعمال الهامشية التي تدر دخلا يتخوف صاحبه من صرفه على ايجار منزل او خدمات …

* بالامس استضاف العراء في حلتنا  اسرة جديدة …تمتلك كثيرا من العفش والاثاث كالكراسي والاسرة الجيدة يبدو ان ربة المنزل تمتلك من المعنويات الجيدة ما يجعلها اكثر تفاؤلا وارادة من الاستسلام للواقع المزري فانخرطت تعمل بين خدمة المنازل وبيع الشاي والاطعمة  ل(تجيه) ذاك النزل في الفناء الفسيح الذي لا يستره حائط اسمنتي ولا باب او شباك لغرفة …فقط بعض جوالات (الخيش) المتهالك … وفضية العدة والدولاب بمثابة حواجز خشبية لحدود الراكوبة …..يالله الناس هنا يتعايشون مع الفقر باباء وعزة يجعلهم يحاولون هزيمته بعدم الاستسلام له ،فالنازحات يدخلن في الصناديق من اجل شراء العدة والعفش ،وقد تجد احد الرواكيب في هذا العراء تزدان بالستائر المزركشة .. لكن (الفقر ) بضم القاف وباللهجة السودانية لا (بيتعاشر) لا (بيتألف) واذا غطيت منه وجهك بانت عورة ارجلك واذا غطيت بطنك انكشف (قفاك) …والفقر يتبعه الاهمال المتعمد من الدولة التي تخرج المواطن دوما من كل حساباتها وتخطيطها ….لان كل مسئوليها مهمومون بحساباتهم الخاصة وبمصالحهم الضيقة كخرم الابرة …وليس فيها مكان لوطن او مواطن …

*والخرطوم الآن قرابة ربع سكانها يعيشون في ظلال سكان (الطابق الرابع) ..وكل طن اسمنت يذهب لمنزل تستخدم جوالاته لتشييد راكوبة لاسرة أخرى ….تحيا على حافة هامش الحياة ،وكل طفل يذهب الى مدرسة يقابله اثنان أو ثلاثة من اقرانه التعليم بالنسبة لهم رفاهية لا وقت ولا امكانيات له ؛إذ ينتشر آلاف الاطفال من شتى ولايات السودان بل من اطراف الخرطوم من خلاوي أم ضوا بان حتى النيل الابيض والجزيرة في اشارات المرور والشوارع الرئيسية يبيعون الحلوى والمناديل، يغسلون العربات ،يبيعون في البقالات ،يعملون كصنايعية في البناء ..دون ادنى درجة من الحماية لطفولتهم ولا ادنى التزام بحقهم في التعليم والتمتع بالرعاية الاسرية حسبما تنص وثيقة حقوق الطفل التي وقع عليها السودان منذ العام 1990 ….المشكلة اننا لا نستطيع ان نعيش ولا نستطيع ان نتعايش مع هذه الانتهاكات الجسيمة التي يحيا فيها الانسان السوداني الذي يعتبر اي موضوع في حياته معضلة حقيقية …أن كل مانفعله الآن هو محاولة منع السد من الانهيار بوضع اصبعنا مكان الشقوق حتى لا تتكسر حوائطه ونغرق جميعا ….