د.ناهد محمد الحسن ،،فعلت إستيلا كلّ ما بوسعها لنرى أنفسنا في مرآة ضخمة ..تعكس أعماق أفعالنا المنكرة..تفعل ذلك مع كلّ صرير فكرة ودفقة حبر..وتعود كملاك وادع تشيح بعينيها الجميلتين وترتب وردة..،،

أوّل مرّة التقيت استيلا قايتانو كانت في مركز الدراسات السودانية وهي بعد طالبة في سنينها الأولى في كليّة الصيدلة..كنت قد قرأت لها قصّة نشرتها كتابات سودانية ..وقد فسّر لي هذا وقتها لماذا بدت تلكم الصبية الصغيرة كبيرة!..وبعد أن تزامل قلمانا على صفحات أجراس الحريّة وتشاركنا الأحلام بالوطن المختلف..لازلت أستغرب قدرة هذه البديعة على أن تكون جسرا للسلام..! فكما قيل  (الذي يسكن اورشليم لا يبني بيتا في السامرة)! ..يكتب بعض النّاس بالأقلام..وتكتب استيللا بالمشارط الحادّة ..القاسي والعذب!..وتجلس بعد هذا الفعل الضروس تسامر فيما كتبت كبحيرة وادعة. حين قرأت (كلّ شيء هاهنا يغلي) و(زهور ذابلة) وغيرها من القصص والمجموعات القصصية ..كنت دائما احتاج إلى وقت لأتعافى…لهذا ظللت استغرب دائما هذه القدرة النبيّة عند استيللا على المغفرة، القادرة على الفعل والتغيير لإنسانة واعية بدورها الطليعي الإنساني في تغيير أقدارها وأقدار من حولها..بعيدا عن الموت..بقلم ووريقات بيضاء..!

حين تطلّعت لقراءة مجموعتها القصصية الجديدة والتي صدرت في الوطن..من مطبعة رفيقي التي يشرف عليها الصديق الجميل دينق قوج..كنت أعرف إنّني موعودة بالحقيقة العارية..يا الله على هذه القدرة المستبصرة على سبر أغوار الناس..أحلامهم وأمانيهم..تأخذنا إستيللا بعد أن تلبسنا طاقية إخفاء..تجعلنا نبصر كل شيء عن قرب..نتحسسه ونشتم رائحته…نتذوقه..أكثر من ذلك ..تذوبنا في شرايينهم لنزور أفكارهم وأحلامهم…فعلت إستيلا كلّ ما بوسعها لنرى أنفسنا في مرآة ضخمة ..تعكس أعماق أفعالنا المنكرة..تفعل ذلك مع كلّ صرير فكرة ودفقة حبر..وتعود كملاك وادع تشيح بعينيها الجميلتين وترتب وردة..

ما شعرت به وأنا أختم آخر نصوص العودة..كان الغضب..والحزن..الكثير من هذا وذاك..لدرجة أنّني فكّرت بطريقة إحدى بطلاتها التي لم تجد شيئا تشرعه في وجه الذين خطفوا أحلام ابنائها غير أمومتها..أن أشتري (بندقيّة)..! من الصعب أن تقرأ هذا وتسامح..فما بالك بأن تعيش هذا كل ثانية وتحس هذا وتكتب هذا..وتظل تأخذ الناس بإستمرار في جولات من نوع هذا ..وتسامح!..

وهذه بالضبط هي قيمة الحكايات..طقس إستيللا قاتيانو الخاص في إعادة ترتيب لا وعيها الشخصي والجمعي عبر النص السّردي لتشفى من وطأة التجربة..وتجلس في وداعة الملائكة ك(نجمة الصباح) ترشد الأرواح الضالّة إلى طريق البيت..! بدون الحكايات لا يمكن أن يفهم المهمشون معاناتهم..وبدون الحكايات لا يفهم الذين شاركوا في الجرم عمق جريمتهم..وبدون الحكايات ..لا يحتقر الصامتون والعاجزون صمتهم وعجزهم…وبدون الحكايات ..لا نقيّم تجاربنا ولا نضالنا ولا نشفى…إذا كنت لم تقرأ (العودة) لإستيللا قاتيانو..فعليك/ي أن تفعل/ي..إن لم تكن تهتم بنضال الأمم..فعلى الأقل لتفهم شيئا عن نفسك..في مرآة إستيللا التي فضحت سوءات الجميع.. الذين شاركوا وتآمروا على شطر الوطن الأم طوليا (نصف جثّة كاملة)!.

حين تكتب إستيللا..فهي تكتب ..نضال المرأة الجنوبية..والرجل الجنوبي..تكتب من تحت أغلال التهميش المركّب حتى داخل ثقافتها وهي ابنة قبائل اللاتوكا..التي ترى قصر قامتها يجعل منها رغم فصاحتها وعلمها وإبداعها (لا تساوي بقرة واحدة!)..

وأنا أحتفي بصوت إستيللا ..الجنوبية.. وقدرتها على بعث الحياة في بنات جنسها وشعبها عبر الحكايات..قصّة بعث أخرى تراود ذاكرتي..أتذكر (نتوزاك شانج)..التي تشاركنا حكايات البنات الملونات ( غنّي أغنية البنت السوداء/ آتي بها أحضريها/ لكي تعرف نفسها / لكي تعرفك/ لكن غنّي إيقاعاتها/ جوانح/ نضال / أوقات عصيبة/ غنّي أغنيتها للحياة/ فهي ميّتة منذ أمد بعيد/أطبق عليها الصمت طويلا/ هي لا تعرف صوتها/ لا تعرف جمالها اللا نهائي)!