مهندس / محمد فاروق سلمان "إن أى حزب يمكن أن ينحدر من ذرى البطولة إلى سفوح الإنحطاط ، ويمكن أن يتحول قادته من مناضلين يقتحمون السماء ، إلى حفنة من الأشرار" الخاتم عدلان: "آن أوان التغيير"

كثيرون يلومون الأحزاب السياسية ويرجعون تعثر عملية التغيير في السودان لضعفها، وذهب هذا النقد لحد أصبح الكثيرون يرددون أن بقاء النظام وإستمراره قد كشف ضعف الأحزاب وبين للناس سوأتها، والأدهي أن الأحزاب نفسها صدقت هذا وأخذت تدفع عن نفسها هذا الضعف وترد الصاع صاعين للنظام مرددة الحديث عن فشل النظام البائن وإنهيار الدولة كدليل على تفوقها عليه، ومرددة أيضا أن سقوطه بات مسألة وقت وإجراء شكلي كون فشل النظام يعني سقوطه، مطمئنة إلى تفوقها المجاني وإن ظلت في حيرة من عدم وصول الأمور لنهايتها المنطقية وفق رغباتها وما تراه إجراء شكلي!! 

الأحزاب ليست أدوات تغيير أو منابر إستنارة، و إن كانت تقتات من كل هذا وتتأثر به سلباً أو إيجابا، ولكنها في الأصل أدوات وصول للسلطة. ومناط تأثير قوتها ومعيار قوتها وضعفها يجب أن يأخذ هذا كمعيار موضوعي وحيد لتحديد قوتها أو ضعفها: مدى قربها أو بعدها من السلطة، ومن الوصول إليها، والأحزاب أدوات وصول للسلطة ديمقراطياً، بمعني أنها مفردة من مفردات النظام الديمقراطي وجزء من هذا النظام، حتى و إن إنعدمت الديمقراطية داخل أروقتها، والتعريف الأوضح للحزب السياسي الآن يعيد تعريف الحزب السياسي كحملة إنتخابية political party is defined now largely as election campaign  وأظنه الأشمل في تعريف الحزب من خلال توصيف كل أجهزة الحزب وقطاعاته في قمة نشاطها وفاعليتها، ومن خلال إعادة تعريف الهدف النهائي للحزب  في ظل نظام ديمقراطي فوزه في الانتخابات  the ultimate goal for political party is to win election ودون ذلك يظل دور الحزب الأوضح هو الإعداد لحملة قادمة والفوز من خلال ممارسة السلطة سواء من خلال الحكم او المعارضة، وتعكس حالة الإستقرار السياسي التوظيف الأفضل للحزب الذي في السلطة لحملته ونجاحه الانتخابي، بينما يصير فشل سلطة الحكومة و الإضطراب السياسي معزِّي جيد لأحزاب المعارضة وفرصة لإعادة تسويق نفسها، وبين هذا وذاك تجد المصالح المباشرة للجماهير حظها الموضوعي في النظم الديمقراطية، وتعبر عن ذلك ليس من خلال منابر الأحزاب وحدها ولكن كل أدوات صنع الرأي العام من إعلام وصحافة تلعب دورها والذي يتناسب دوره وأهميته عكسياً بشكل متشابك مع دور الحزب السياسي وحسب موقعه، ففي حين يكون المحرك الأساسي للمشهد أثناء الإنتخابات هو الأحزاب وحملاتها ينعكس هذا الدور ويعود لأصحاب الرأي العام والباحثين ومراكز الدراسات فور إنفضاض مولد التنافس، وتصبح العلاقة بين “صناع” الرأي هؤلاء والحزب السياسي في حالة إستقطاب حذر ممن بيده السلطة ومتحمس ومندفع من غيره.

هذه العلاقات تسود في ظل النظام الديمقراطي وهي التي تشكل أركانه ومزاجه تكفلها الحرية والقوانين التي تحكم الدولة ولا تترك لمزاج القوى السياسية المتصارعة ومصالحها المتقلبة حسب قربها وبعدها من السلطة، وبنفس الدرجة تأتي مسالة الحقوق التي يجب ان تحكمها الدساتير وليست رغبات الأغلبيات وتصوراتها. ولإدارة كل هذه التشابكات تصبح الدولة الحديثة دولة مؤسسات علمانية الطابع، ويجب أن تتطبع بالقانون والذي يكفل الحريات ويحفظ الحقوق.

ليس من المعيب النظر للحزب كأداة للوصول للسلطة بل من المهم الوعي بهذا، والوعي بأن الفضاء الذي يتيح لها ذلك هو الديمقراطية، ومحاكمة الأحزاب خارج فضاءها الطبيعي مضلل جداً ولا يمكن الركون اليه سواء أن خلص التقييم لضعفها كما هو وصف أحزاب المعارضة او قوتها كما يدعي حزب السلطة، ففي ظل نظام غير ديمقراطي لا حزب السلطة حزب سياسي يستمد قوته من خارج عنفوان السلطة، ولا الحزب المعارض حزب سياسي خيارات الوصول للسطة لديه قائمة يعززها فشل من في السلطة. وعلّ التضليل الأكبر في هذا التقييم من نصيب حزب السلطة، فقوته البائنة تصبح مواتاً مع إنهيار النظام الشمولي الذي يرعاه، وتجربة الاتحاد الاشتراكي بعد ثورة أبريل والحزب الوطني في مصر بعد ثورة ٢٥ يناير ماثلة للأذهان.

في التجربة السياسية الحديثة إستمدت كثير من الشموليات قدرة علي الإستمرار من خلال تقديم أحزاب سياسية مشلولة القدرة على المنافسة في السلطة، إما من خلال ضعفها الذاتي أو بتكبيل مسيرتها من خلال قوانين النظام الشمولي والقيود التي يضعها على حرية العمل السياسي، وعلَ الفخ الأكبر الذي وقعت فيه هذه الأحزاب هو إعادة تصوير عجزها هذا كزهد في السلطة. وتبنيها لقضايا الإصلاح القانوني والتغيير السياسي من خارج إطار ممارسة السلطة كهدف أساسي لها، محولة بذلك بنيتها السلطوية اذا صح التعبير ” أو الباحثة عن السلطة لنكون أكثر دقةً”  إلي بنية تغيير وفعل تراكمي يحتاج قاعدة اكثر تهديدا للسلطة نفسها، من خلال استقلاله الحقيقي عنها واستقلالية وجوده عن السلطة والصراع حولها.

من دلالات تمدن المجتمع الان وتطور الدولة وحداثتها فعالية مجموعات القضايا في الدولة وقدرتها على التأثير على صناعة الرأي السياسي وصناعة القرار، وبدءاً بالمجموعات التي تبدأ بحماية المستهلك وحماية البيئة وانتهاءاً بالمراكز البحثية ومراكز الدراسات المهنية والاكاديمية الطابع والتي تفرض على الدولة إستراتيجياتها وتشريعاتها، أصبحت عملية التغيير وتطور المجتمعات عملية مستقلة عن الأحزاب ودورها في ممارسة السلطة، والذي تكون لمخرجات هذه المجموعات المدنية الفاعلة سلطة شبيهة بسلطة القانون في تحديد أسس ممارسة السلطة وضامن لرشدها وصلاحيتها.

بعيدا  عن هذا السيناريو المتطور للدولة تبقى المسالة عندنا في حالة ما قبل الدولة الحديثة التي نعيشها في وطننا مسالة اكثر تعقيداً، ومع تفكيك مؤسسات الدولة ذات الفعالية المهنية والبنيان المدني لمجتمعنا لصالح أمن وإستمرار النظام الشمولي يصبح الدور الأكبر لتفعيل مجموعات أكبر ضد السلطة يتم خارج بنية الأحزاب و إن إستوعبها بالضرورة. يتم تصوير هذه البنية الآن من داخل أطر الأحزاب كتحالف برنامج الحد الأدني، والتسمية لأنها نتاج واقع مقلوب في إطار إستيعاب الأحزاب وقيادتها لهذا التحالف: يصبح هو حد أدنى بتراتبية الأولويات عند الأحزاب السياسية، ولكنه حد أساسي و إستراتيجي لبناء الدولة عند حركة بناء المجتمع والتي تستوعب الأحزاب في إطار تهديد بنية النظام الشمولي لوجودها وتقاطع أهدافه مع هدفها الأساسي في الوصول سلمياً للسلطة، وبغض النظر عن مبدئية الحزب في كيفية الوصول للسلطة تبقي حركة المجتمع هي الضابط والضامن لهذه الكيفية.

عملية التغيير التي نحن بصددها تحتاج لحركة مجتمع بهذه الرسالة، تتواطأ داخلها كل المكونات ذات القدرة للوصول الى السلطة أو تلك التي تؤثر أو تتأثر بها بشكل أكبر من خلال وجودها في الخارطة الوطنية لمجتمعنا بكافة اشكاله، حركة أقدر علي دفع كلفة التغيير والإستمرار، يحدد معايير نجاحها قدرتها على صياغة الرؤى التي تلهم قطاعات جماهيرية “كبيرة”، و إستيعاب هذه الجماهير في حالة فعل يهدد عملياً سلطة النظام الشمولي، وأقدر على إرغامه على التراجع، و استيعاب مترتبات عملية تفكيكه، بشكل يجعل عملية التغيير جاذبة حتي لقطاعات داخل المنظومة الشمولية.

أكبر التراجعات التي شهدها المشهد السياسي في السودان أن بذرة هذه الحركة من خارج القوي السياسية قد انتهت باستيعاب أغلب القوي الاحتجاجية في أفق العمل المقاوم للقوي السياسية، والذي يشهد تراجعا أمام إصرار الأحزاب على صبغة حركة المقاومة بهويتها، الشيء الذي يعيدنا للعمل من برنامج الحد الأدني وبالنفس الأدني لتحقيق أهداف أكثر حيوية وأهمية من برامج الحد الأعلي داخل الأحزاب، هذه الذهنية والمزاج في عقل المقاومة سيكون العائق الأكبر أمام تكوين حركة تغيير مجتمع مبادرة، وسنكون أمام عملية تغيير فطير يفرضه فشل السلطة وتفككها أمام عجزها المتنامي في إدارة الدولة ومخاطبة أساسيات الحياة في ظل التحديات المعيشية الماثلة و أزمة التعايش داخل المنظومة الشمولية نفسها.

أجدني في ختام هذه الخاطرة أقرب للتبشير بنداء السودان كأساس لخلق حركة المجتمع هذه، ورغم التحديات التي تواجهه من القوي المكونة له أولاً، إلا أنه وباستيعابه للمجتمع المدني يفتح أفق العمل من منصة غير منصة الأحزاب السياسية، و إن كانت الأحزاب والقوى السياسية شريك في هذه المنصة، لكن يبقي التحدي أمام الجميع في تسويقه كحركة مجتمع هدفها التغيير ووضع أسس بناء الدولة، من خلال قدرته علي إستيعاب ليس القوي السياسية وحدها ولكن كل القدرات الوطنية التي لديها الإمكانيات المطلوبة لوضع هذه الأسس. وما أودّ  أن أشير إليه صراحة أننا بحاجة لمعارضة جديدة وأسس جديدة للعمل المعارض حتى و إن إستوعبت بعض قوى المعارضة القديمة، ولكن ليست إسلوبها في مواجهة النظام ومواجهة جماهيرها أيضاً .