صلاح جلال "إننى أكتب رسالة الإعتذار هذه للنجاشى و أحفاده ، لا تؤاخذونا بما فعل السفهاء منا ، فنحن لا نقر ولا نعترف بما يفعلون ، نعزيكم فى فقدنا و فقدكم ونرفع صحائفكم وجميل صنيعكم للإسلام والمسلمين"

لقد تنصرت الحبشة فى وقت باكر من التاريخ ، و إلتزمت الكنيسة الأرثوذكسية ، رغم محاولات وضغوط متعددة لصدها للكنيسة الكاثوليكية إلا أنها تأبت وانضمت للكنيسة القبطية فى مصر بطريركية الإسكندرية ، التى إنفصلت عنها فى الفترة من 1952- 1959 فى عهد البابا كرلس ، حيث أعلنت إستقلالها بكنيستها الوطنية وعُمّد بطريارك مستقل لها .

الأحباش و الأتيوبيان هم من شعوب السودان القديم ، الذى كان يقع جنوب مصر ويمتد من المحيط شرقاً إلى المحيط غرباً ، هذة المنطقة هى مهد الحضارة الإنسانية حيث إنطلقت الحضارة الأفريقية الفرعونية قبل أكثر من سبعة آلاف عام لقد وثق لهذة المرحلة المؤرخ السنغالى المقتدر أحمد أنتا ديوب فى مجلداتة العظيمة ( أصل الحضارة الأفريقية ) The Origin Of African Civilization  .

عندما ظهر الإسلام فى الجزيرة العربية ورفضته  قبائل العرب العاكفة على عبادة الأصنام وحاربت رسوله ومعتنقيه وضيقت عليهم عيشهم وعذبتهم معنوياً ومادياً ، همس نبى الإنسانية محمد صلى الله  عليه وسلم فى أذن بعض أنصاره أن فٍروا بدينكم حتى لا تقضى عليكم العرب ، و إنى أدُلكم على ملكِ عادل لا يُظّلم عنده أحد فأركبوا البحر إلية ستنجوا من عذاب قريش و تأمنوا على دينكم من الفتنة  فكانت وجهتهم الحبشة النصرانية للإستجارة و الأمان.

 كانت الهجرة الإسلامية الأولى فى العام الخامس من البعثة  إلى أرض الحبشة التى كان على رأسها سيدنا عثمان بن عفان و الزبير بن العوام من الرجال وكريمة رسول الله رقية بنت محمد وأم سلمة بنت المغيرة من النساء و آخرين  حيث إستقبلهم نجاشى الحبشة (صمّحة) و أحسن وفادتهم و أكرمهم و استأمنوه على دينهم و أرواحهم .

وكانت الهجرة الإسلامية الثانية إلى الحبشة اكبر حجماً و أكثر عدداً بعد أن بلغهم عدل النصراني  نجاشى الحبوش وكرمه وحسن معاملتة للمسلمين فعندما علمت قبائل قريش بنبأ هذة الهجرة الثانية  أرسلوا أمامهم  رسولاً ليوغر صدر النجاشى ضد المسلمين ، فوقع إختيارهم على أحد أفصح العرب و أكثرهم دهاءاً وهو عمرو بن العاص الذى أسلم بعد صلح الحديبية ، فوافى النجاشى النصرانى  فى الحبشة قبل وصول سيدنا جعفر بن أبى طالب ، فطلب منة عدم إستضافة وتأمين المسلمين لأنهم يسيئون فى دينهم لسيدنا عيسى بن مريم  فقال له النجاشى لن أحكم حتى ألتقيهم  و أسمع منهم  ، وقد كان حيث تلى علية جعفر بن أبى طالب سورة مريم فهز رأسة ، وقال لهم مرحباً بكم لقد بلغتم مأمنكم فى دينكم وحياتكم ، فسيحوا فى أرض الحبشة آمنين .

لقد عاد من أصحاب رسول الله الى المدينة  بعض من هاجروا إلى  الحبشة بعد موقعة بدر الكبرى حيث سمعوا بعزة المسلمين فى جزيرة العرب بعد ضعف  وذُل ، فكان لسانهم يلهج بشكر وعرفان للنجاشى النصراني فى الحبشة ، حيث قالت أم سلمة لقد أحببناه و أحبنا ، وكنا يوم واقعة ضده قلوبنا واجفة علية  خوفاً من هزيمتة على يد غريم له حتى نصره الله عليه .

لقد بقى سيدنا  جعفر إبن أبى طالب فى الحبشة تحت رعاية وحماية النجاشى النصراني حتى عودته إلى المدينة بعد فتح خيبر ، فى رفقة الأشاعرة الذين عصفت بهم ريح هيفاء إلى شواطئها  وهم فى طريقهم لمكة  ، فقد ذكر بعض المؤرخين أن الرسول  أبقى جعفر فى الحبشة كل هذه المدة حتى يكون ملجئأ للمسلمين إذا حدثت لهم هزيمة أو نكبة بجزيرة العرب ، فقد كان النجاشى الحبشى  معُتصماً لحماية الإسلام والمسلمين .

لقد كانت الحبشة موئلاً للحرية الدينية والمثاقفة المفتوحة فى عهد النجاشى النصراني،  لم يقهر أحد ولم يسفك دم  فقد دخل خلق كثير فى دين الإسلام من الأحباش فى هذه الفترة للهجرة ، كما تنصر أحد المسلمين وهو عُبيدالله بن جحش زوج السيدة أم حبيب التى بقيت على  إسلامها و اعتصمت بدينها فأكرمها الله بتزويجها من رسول الله (ص) و أصبحت من أمهات المؤمنين هذا يوضح مناخ الحرية  والتحاور الذى منحه النجاشى للمهاجرين من المسلمين فقد أخلى بينهم وبين الناس ، يقولون رسالتهم وعلى الناس الإختيار  وهذا هو أصل دين الإسلام القائل (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) {يونس:99} ، الدين الذى حرّفتة الجهالات و اجتاحتة الخُرافات ومشى به الزعانف .

فقد جاء قولة تعالى (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83)سورة المائدة ، قال بن إسحاق فى سبب نزول هذه الآية فيما رواه إبن هشام كاتب السيرة، أن هذه الآيات  أُنزلن فى حق النجاشى و أصحابة ، كما ورد فى السيرة القول بان النجاشى قد أسلم وأن النبى (ص) علية وسلم عده فى الصحابة والتابعين ، وصلى عليه عند وصول نبأ وفاتة صلاة الغائب ، التى صارت سنةً بعده .

هذة هى سيرة نجاشى الحبشة النصراني الذى أعز الإسلام والمسلمين عندما كانوا ضعافا أذلة فى جزيرة العرب ، وللعلم أن للنجاشى مسجد جامع  نواحى مقلى مازال يذكر فيه إسم الله صباح مساء.

يأتى اليوم من يعتدى على أحفادة بسفك دمائهم من دون  وجه حق إلا أنهم نصارى ، هذا هو الحيف والسفة وعدم العلم بالدين ، إننى أكتب رسالة الإعتذار هذه للنجاشى و أحفاده ، لا تؤاخذونا بما فعل السفهاء منا ، فنحن لا نقر ولا نعترف بمايفعلون ، نعزيكم فى فقدنا و فقدكم ونرفع صحائفكم وجميل صنيعكم للإسلام والمسلمين.

2442015