صلاح شعيب "ربما فعل السفير السعودي  ذلك تفضلا منه للحفاظ على كرامة حكومة تعلن لمواطنيها، جهارا نهارا، أن ثمن نكوصها التمثيلي عن موالاة إيران سيملأ أرفف البقالات، وسيهبط أسعار العملات!"

حديث د. مصطفى عثمان الأخير حول المال الآتي من الخارج من ما يبكي ويضحك معا. المضحك فيه أن “الإخوان السودانيين” بعد أن بشرونا بوطن مكتف ذاتيا بغذائه صاروا يبشرون المقيمين في الداخل، والذين صاروا مثل “البدون” المظلومين، بأن ثمة ملايين خليجية آتية لفك ضائقة فشل التنظيم في المجال الاقتصادي.

والمبكي في حديث الطبيب السمسار أن مواطني السودان أصبحوا تحت رحمة الخارج أكثر من الداخل. فإن أحسنت الحكومة السمسرة بمواقفها غير المبدئية توقعت لمواطنينا انفراجا مؤقتا لكابوس المعيشة الثقيلة. وإن عجزت عن الدخول في المزادات الإقليمية، والدولية، لبيع معلومات التخابر، والتظاهر بالانقلاب على الحلفاء، أقبل أهلنا على المقسوم حتى يلوح لهم مسؤول آخر بفرج قريب كاذب. مثل ذلك الفرج السعودي الذي أعلن عنه مدير البنك المركزي ولكن نفى سفير المملكة صحة تحققه. ربما فعل السفير ذلك تفضلا منه للحفاظ على كرامة حكومة تعلن لمواطنيها، جهارا نهارا، أن ثمن نكوصها التمثيلي عن موالاة إيران سيملأ أرفف البقالات، وسيهبط أسعار العملات!

ما يبكي أكثر أن السودان يعد من أغني دول القارة في موارده المتعددة. ولذلك كان توصيف الخبراء في المجال بأنه سلة غذاء العالم. لقد حبانا الله بمساحات زراعية واسعة نبتت فيها نوعان من الصنوبر، وأثبتا خيرهما الوفير لسنوات. ويذكر الأستاذ عبد الكريم الكابلي أن واحدا متنطعا من الهلال الخصيب استنكر أن يكتب في قصيدته أن جبل مرة فيه من الصوبر ما يشهي خيال الشعراء. ضحك الفنان مليا وقال له إن السودان لا يملك نوعا واحدا من الصنوبر فحسب، وإنما نوعان في مناخ جبله الذي يمطر طول العام. طبعا لو تفرغ النظام في “عشريته” لاستثمار الجبل فضلا عن رعاية أركويت، والردوم، والدندر، وامتدادات النيل الخلابة في الشمال والوسط، لأثمرت الخزينة.

ولكن بدا أن السياحة ليست من أولويات الإخوان. ولذلك صارت حديقة الدندر مرتعا للدواعش بدلا من أن تكون واحة للاستثمار. أما الجبل فقد أضحى موئلا ينفذ فيه البشير خطته الحربية، وهو لما يهيأ نفسه للقسم صوريا.

يا مصطفى ألا تعلم أن ثرواتنا الحيوانية، والزراعية، هي الأكبر على مستوى القارة، والعالم العربي. فقبل الإنقاذ كان السودان يعيش بمحصول زراعي واحد يكفي لتغطية مال استيراده. ويكفي أيضا مرتبات القطاع العام. أما الفائض فيسهم في بعث طلاب الدراسات العليا إلى أرقى جامعات العالم، مثل أكسفورد، وييل، وكمبدرج، وهارفارد. وليس غريبا أن تكون هذه الجامعات اليوم خالية من طلاب سودانيين. إذ حدثني أكاديمي بارز إنه دعي إلى جامعة أميركية عريقة فلم يجد فيها إلا طالبة سودانية واحدة من اللائي ولدن في أمريكا. وأضاف أن الجامعة تضم ثلاثة آلاف طالبا من دول العالم الثالث.

لو أن النظام وظف مصادر الطاقة لصالح المواطن لصار السوداني من أكثر شعوب العالم رفاهية، ولكن النظام استمرأ، رغم خطابه الإسلاموي، التسول، والدخول، في القروض الربوية لتمويل سدوده الفاشلة، ومشاريعه الإنمائية الخاسرة. فالبترول الذي هرول الإخوان لاستخراجه اتضح أن الهدف من ورائه كان خدمة التمكين، وليس المواطن، أو الوطن. فالمليارات التي ضختها الحقول المنتجة وظفت لتسليح الجنجويد، وتقديم الرشوة لبعض الانتلجنسيا الحزبية، والمستقلة، والجهوية، وتبذيرها خارجيا لإصلاح صورة النظام، وشراء ذمم الخبراء، والانتهازيين المحليين، والقاريين، والدوليين.

لقد دمر إخوة مصطفى إسماعيل أسس الاقتصاد فيما وعدوا الشعب بفك الضائقة عن طريق الذهب. ولكن لاحقا لم تملك الحكومة مصدرا للنقد الأجنبي. فالمشاريع الزراعية توقفت تماما عن الإنتاج، بل إن الحكومة أدخلت المزارعين في السجون، وهذا إجراء لم تفعله حكومة محترمة في العالم. وبالنسبة لمناطق الاقتصادي التقليدي فقد دمرها الإخوان السودانيين عن طريق الانتنوف التي تصدر الأوامر لطياريها بتدمير المحصول. أما الرعي فقد تقلصت مساحاته وقصم ظهر الراعي بالضرائب. ورغم مال البترول فإن الرعاة لم يعثروا على منشآت بيطرية، أو تنمية لمناطقهم، برغم مساهمتهم الكبيرة في در العملات الصعبة. أما التجار فقد ووجهوا بقوانين أفلستهم ثم حل محلهم مستثمرون إخوان. ولاحقا صار المسؤولون هم المستثمرون الكبار، وأصحاب الشركات، بل هم المتعاقدون أنفسهم مع الشركات الدولية والمستوردون، والمصدرون، أمثال كرتي، وقوش والمتعافي وغيرهم. وهكذا استقال الموظفون عن أداء عمل الوظيفة العامة بينما صار توظيف قادة الجيش للزيت الفاسد مدخلا للثراء الحرام.

وحين ذهب بترول الجنوب ركزت الحكومة على إنتاج الذهب. ولكن اتضح أن الذين يشتغلون في هذا المجال هم المسؤولون المستثمرون. ولا ندري حتى هذه اللحظة ما الذي أسهم به إنتاج الحكومة للذهب في حل مشكل الاقتصاد. بل إن الدعاية الكبيرة التي استخدمتها الحكومة إزاء الذهب كانت وبالا على وضع المزارعين، والرعاة، والشباب، والذين سعوا بسبب الدعاية الكثيفة الكاذبة إلى التنقيب في بيئة قاتلة ما أنزل الله بها من سلطان. ونسبة لمطامع مسؤولي المؤتمر الوطني تقاتل الرعاة الذين تركوا رعيهم، وماتوا بالآلاف من أجل حيازة المنجم. وحتى الآن لم يحصل الرعاة، وبقية المنقبين، على شئ يذكر في مسار تقوية اقتصادهم الإقليمي، والمحلي، والشخصي. والأكثر فداحة هو  موت الشباب بالمئات عبر انهيار مناجم التنقيب عليهم، فضلا عن تعرض الآلاف منهم لأشعة الزئبق، والغبار المسرطن. وكانت قناة الشروق الحكومية نفسها قد أوردت خبرا فحواه أن “استشاري الباطنية والجهاز التنفسي ومناظير الرئة في مركز فضيل الطبي بالخرطوم، د. أحمد الطيب زروق، حذر من تفشي تليف الرئة الحاد وسط الشباب الباحثين عن الذهب، وكشف عن 10 حالات خطيرة وصلت للمركز من مناطق التنقيب”

إن الحديث عن تدمير إخوان مصطفى عثمان إسماعيل لكل مورد اقتصادي يحتاج إلى كتاب كبير يقدم حجة دامغة عن فشل النظريات الوضعية، والإسلاموية، والتي خلطتها الإنقاذ للتعامل مع شؤون المال، والاقتصاد، والتجارة، في البلاد. ولكن الشئ الذي ثبت عمليا هو أن مطامع قادة النظام، وفشلهم، في تقديم روشتة حقيقية لتطوير موارد الدولة الاقتصادية هو الذي قادهم إلى الاعتماد على صكوك الخارج كما صرح وزير الاستثمار دون خجل.

هذا الفشل الاقتصادي المترافق مع الفشل في كل المجالات الأخرى، وبامتياز، هو الذي أوصل البلاد إلى حافة انهيار الخدمات التي ينبغي للدولة تقديمها للمواطنين. فلا وجود لأثر صحة، أو تعليم، أو أمن. والحالة التي تبدو عليها هذه المناحي الحياتية تدلنا على عمق الأزمة في علاقتها بشروط تحسين الوضع الاقتصادي.
وللأسف الشديد لا نجد حتى الإمكانية لمناشدة الإخوان السودانيين لفك ضائقة استعمارهم للشعب قبل إسهامهم في حل “شربكة” الاقتصاد الذي فشلوا في أسلمته، وعجزوا من الناحية الأخرى عن ربطه  بـ”السوق العالمي الحر”، تعميقا لتنافس منتجاتنا، وتشجيعا لمستثمرينا، ومساهمة في الناتج الدولي. فالحقيقة أنه من الصعب جدا أن يأمل المرء في أن يعتمد قادة النظام العقلانية في التعاطي مع البلاد، ما دام أنهم أتوا أصلا ليقيموا في السلطة مدى الحياة، قائلين إنهم لن يسلموها إلا لعيسى. وما دام أنهم أكدوا مرارا، وتكرارا، بأن الذي يريد الحكم يتوجب عليه حمل البندقية.

لقد صار السودانيون في ظل هذا الوضع المتدحرج مثل “البدون” الذي يعيشون على هامش الحياة في بعض دول الخليج. إذ لا حق لهم في التوظيف داخل مؤسسات الدولة إلا إذا ساعدوا على تمكين التنظيم. ولا حق تعبير لهم، وإلا فالضرب، أو المضايقة في المعيشة، والاعتقال، والاختطاف، أو القتل، هو مصيرهم المحتوم..ولا حق لهم في أي شئ يستحقه أي عضو في تنظيم المؤتمر الوطني، والذي صار هو المتسيد، والوطني، وسط كل أعضاء التنظيمات الأخرى الذين يصفهم النظام بالمخربين، والمرتزقة!.

وأخيرا يتحدث الوزير المستثمر، وبعض الكتاب الإنقاذيين، عن فشل المعارضة في تقديم البدائل الاقتصادية والسياسية، وأضافوا أنها تستمرأ الشكوى التي يصفونها ممجوجة. ولكن الحقيقة هي أن شكوى المعارضة، أو ضعفها التام، لو افترضنا ذلك، لا يغني عن الحق شيئا. فالقضية الأساسية هي أن الإخوان السودانيين فشلوا بشكل ذريع في قيادة البلاد، وجعلوا كل من لم ينتم إليهم من “البدون”. وفي حال كهذا ينبغي ألا يوجهن أحد اللوم للمعارضين الذين سحقوا أمنيا بآلات الاستبداد، وضاقت مساحة تحركهم، وشقيت أسرهم. وحسب هذه التحركات المعارضة للحكومة أن تواصل معارضتها حتى تحين ساعة الخلاص. فالمعارضة عمل متراكم، ولا بد ان يتبلور عاجلا أم عاجلا ما دام أن هناك قضية عادلة. إن الموضوع الأساس ليس هو فشل المعارضة في تحقيق البدائل الاقتصادية، أو السياسية. إنما الموضوع هو أن الإخوان السودانيين أجرموا بشتى السبل، وشتان ما بين من سفك الدماء وبين من عجز في الإسراع بالمقاومة.