د.ناهد محمد الحسن "...إذا كنت لم تقرأ (العودة) لإستيللا قاتيانو..فعليك/ي أن تفعل/ي..إن لم تكن تهتم بنضال الأمم..فعلى الأقل لتفهم شيئا عن نفسك..في مرآة إستيللا التي فضحت سوءات الجميع.. الذين شاركوا وتآمروا على شطر الوطن الأم طوليا (نصف جثّة كاملة)!"

في حفل أنيق رتب له منتدى دال الثقافي بالتعاون مع دار رفيقي للنشر بجوبا..تم تدشين المجموعة القصصية المسماة “العودة” لإستيللا قايتانو. وما يلي ما قدمته في تلك الأمسية التي ادار فيها الجلسة بحضوره الجميل الشاعر والقانوني كمال الجزولي.. وقدّم الناقد الكبير مصطفى الصاوي تعقيبا تفصيليا على المجموعة كما عقب على الجميع الاستاذ القاص والناقد عيسى الحلو.

 يرى عفيفي إسماعيل أن( استيللا تغترف من واقع سوداني ملموس يرى حتى بعين الكفيف، لكنه العمى الجماعي السياسي والإجتماعي الذي لا يراه أو يغض الطرف عنه عامداً يخرجه من صفة المأساة إلى صفة العادية والتعايش معه بقلب من رماد، ويلطف من اسطورة الخراب والبؤس والموات بإطلاق الأسماء المتعددة بقصد التقليل من الشأن الإجتماعي ودرجات المواطنة وتخفيف وطاة المسؤلية : “سكان الأحياء العشوائية/ معسكرات النازحين/ سكان الأطراف البعيدة/ عفن المدن/ احياء الصفيح/ الكرتون/ تتعدد الأسماء والبؤس واحد لتلك الاحياء الطرفية في عاصمة السودان او مدنه الكبرى او في الارياف البعيدة). كتبت استيللا عن (عبق مهن)..مصوّرة احلام المسحوقين الذين كان موت قرنق بالنسبة لهم بمثابة انتهاء الحلم..فنقلتهم استيللا عبر العربة المرتجلة من اشخاص يحيون في الحلم ويرجون تحقق الأحلام..الى اشخاص فقدوا مبررات عيشهم بإنتهاء الحلم..حين اقتادتهم الى تلك الحادثة ودلقتهم بقوة قلمها في البحيرة كانت تريد ان تؤكد موت احلامهم..الموت الحقيقي لمثل هؤلاء (في اليوم التالي تجمهر المتفرجون على الجسر، ودائما لابد من متفرجين. الأنظار مثبتة على صفحة الماء . قفة حاجة آمنة منكفئة وأواني الطعام..منديل رأس نافوني يسبح وحيدا دون أجنحة. قبعة رامبو الصغير. وعلبة مسحوق سميرة التي لم يمهلها الموت لمزيد من تشويه وجهها. إبريق الدرويش ومسبحته. قلم الأفندي ورسالته غير المكتملة. كانت اشياءهم جميعا تسبح متراقصة، وتبتعد عن الجسر رويدا رويدا. بفعل الموجات الخجولة الناعمة التي بدت وكأنها تزفهم إلى العدم. الشمس ساطعة بقوة تضرب سطح الماء ليتبخر ويصنع طبقة رقيقة من الضباب. فيبدو النيل كأنه طبق حساء ضخم..ساخن ينذر بالغليان، وقد أعدته الأقدار على نار هادئة وقودها وطن بأكمله، مكوناته آمال شعب وعبق مهن)..مارست استيللا في هذه القصة طقسها المعتاد للفهم كجنوبية فهي تربت على العقيدة الأرواحية..لا شيء يموت أبدا..فالطفلين يعودان ليبعثا في شجرة العرديب الضخمة وهو ما علق عليه ايضا عفيفي اسماعيل حين قال( ففي “نحو الموت والسجون ونحو الجنون” يموت الاب وفي” وليمة ما قبل المطر” موت”أولير” الفاجع وسط النهر بين غضب الطبيعة وسطوة الأسطورة التي بذرتها جدته ، وفي “خرائط لعوالم مجهولة” الأب الشحاذ الأعمي الذي تدهسه سيارة اثناء رحلة بحثه اليومية عما يسد الرمق، وفي “رحيل” موت الشجرة الجزئي بحريقها المحير، وفي “زهور ذابلة” انتظار الشخصية الرئيسة لموتها الوراثي، وفي بحيرة بحجم ثمرة الباباي تبدا بوفاة الأم في لحظة الميلاد، الأب الذي سحقه جاموس هائج، والجد الذي اغتاله الانجليز وهو فرحاً يركض إلى تنفيذ الحكم الذي يحمل رسالته من غير ان يدري فحواها في إشارة واضحة إلي اين يمكن ان يصل الجهل بصاحبه. وتضع بذور الحياة والأمل بحيدة ماكرة في ذاك الغصن الأخضر الصغير الذي لم يحترق في قصة “في ليلة قمرية” أو الزهور اليانعة التي سوف تذبل بعد ايام في قصة ” زهور ذابلة”.)..تفعل استيللا الحياة والموت..تنزهنا في ما يدانا أوكتا وما نفخنا فيه من روحنا..الوطن المشطور طوليا بلا رحمة والجنين الموءود في رحم المستقبل..لقد فهمت استيللا ان الجهل بالآخر هو الذي راكم الشكوك..وعمق الخلافات بين ابناء الوطن الواحد..كتبت استيللا مرة عن آليات أمها في دق العرب: (موقفان جعلاني أتأكد بان أمي انانياً بت انانيا، الموقف الأول هو عندما اتت جارة كانت (مغتربة) وهي لا تعرف الجيران الجدد جاءت لما شافت الناس جنوبيين جات دقت الباب وعلى التعترها لاقتها أمي تبادلا السلام وبعد داك المرة قالت لأمي: عند غسيل ما في واحدة هنا بتغسل؟

وقبال ما تتم ابتسامتها المحرجة ما كان من أمي إلا وجلدتها جلد شديد وقامت مشكلة كبيرة ومع تدخل الجيران الباقين وطلعوا الجارة الجديدة غلطانه وحنسوا أمي التي كانت بين الكلمة والأخرة تقول: والله انتو عرب ديل حقارين! تحليلي لهذا الموقف إنو أمي غلطانه ومرت جيرانها دي ما قصدت الحقارة ما أصلوا البخدموا في البيوت ديل كلهم المهمشات إذا كان جنوبيين ولا غرابه عشان لقمة العيش كان ممكن يعني تشاكله بخشمها ساي أو تستنكر الموقف أو تقول معليش النمرة غلط ولكن داخل أمي هناك غضب متراكم ولا يستطيع أحد اقناعها ان تتخلى عن نظريتها بان: العرب ديل بس دق ياهو يجيب رأس تومن)..

ان التهديد الذاتي الذي يشعر به الآخر في ظل ثقافة تهمشه وتتعالى عليه قد تدفعه الى ان يكون رافضا ودفاعيا..وهو أمر مفهوم ومبرر كرد فعل نفسي..وما كتبته استيللا بحياد وموضوعية يعني أنّها عبرت مع ذاتها الى حيث فهمت ان التعالي مشكلة الآخر..وقيمنا هي ما تعيد ترتيب الطبقات..وهي في نيرفانا عرفانية..لا تطمع في شيء، لا تخاف او تخجل من شيء وقد حققت حريتها)..حين اقارن استيللا بكاتبات برجوازيات..اندهش من قدرتها الجميلة على التصالح مع ذاتها وتقديم الواقع كما هو دون رغبة منها في ان تقول شيئا عن نفسها . ففي واقع البطلات المدللات واللواتي يسحبن الخادمات خلفهن..وفي كرنفال ..الكاتبات اللواتي يصيفن في اوروبا..تجلب استيللا بطلاتها اللواتي بالكاد يسترن اجسادهن برقاع الجلد…ولا تنسى في غمرة انشغالها بوصف القبح التلقائي لجدتها ان تذكر قملة!..والإحتفاء وتقرير الواقع هو تعبير أكثر من مجرد التصالح..هو محاولة للإنتصار للطبيعة والتعريف بجماليات الآخر..فإبنة العقائد الأرواحية..تتحدث جداتها مع الطبيعة يهادنها ويسكتن زعيقها..يلتقون الأجداد الذين يعودون يزحفون كالتماسيح..ويلفقون التعاويذ ليحموا الأحفاد ..حين تبكي الجنوبية طفلها الميت..تدق على صدرها الذي ارضعه ورحمها الذي حمل…تبكي الحنين المهدر في بطن الأرض..استيللا ..لا تخاف الجسد..كجنوبية.. قليل الثياب هو  تعبير النساء العفيفات والمعتدات بأجسادهن..والأسماء في الجنوب هي امتداد للطبيعة..فاولير هو العراء..واستيللا هي نجمة الصباح..تعايش استيللا واقع العرب الحقارين احيانا والجنوبيين الغاضبين..وتختار ان تكون المترجمة..التي تشرح بأناة وصبر للجميع كيف حدث ما حدث..تفعل ذلك مع كلّ صرير فكرة ودفقة حبر..وتعود كملاك وادع تشيح بعينيها الجميلتين وترتب وردة..

وهذه بالضبط هي قيمة الحكايات..طقس إستيللا قاتيانو الخاص في إعادة ترتيب لا وعيها الشخصي والجمعي عبر النص السّردي لتشفى من وطأة التجربة..وتجلس في وداعة الملائكة ك(نجمة الصباح) ترشد الأرواح الضالّة إلى طريق البيت..! بدون الحكايات لا يمكن أن يفهم المهمشون معاناتهم..وبدون الحكايات لا يفهم الذين شاركوا في الجرم عمق جريمتهم..وبدون الحكايات ..لا يحتقر الصامتون والعاجزون صمتهم وعجزهم…وبدون الحكايات ..لا نقيّم تجاربنا ولا نضالنا ولا نشفى…إذا كنت لم تقرأ (العودة) لإستيللا قاتيانو..فعليك/ي أن تفعل/ي..إن لم تكن تهتم بنضال الأمم..فعلى الأقل لتفهم شيئا عن نفسك..في مرآة إستيللا التي فضحت سوءات الجميع.. الذين شاركوا وتآمروا على شطر الوطن الأم طوليا (نصف جثّة كاملة)!.

استيللا..اسماك والدك على نجمة الصباح ربما لتكوني بالأفق الجنوبي تنيرين طريق العودة لأبناء وطنك..وأنا أتحسس ما زرعته كلماتك في قلبي وما بذرته في عقلي.. اسميك (ونجي) والتي تعني باللغة النوبية في الشمال (النجمة) لتجلسين بكل الإتجاهات..تماما في المنتصف..ترأبين صدع الذاكرة..وتطهرين جروح التجربة وتعمديها بالضوء....