خالد فضل يحتفل العالم اليوم باليوم العالمي لحرية الصحافة 3مايو ذكرى عصيبة على معشر الصحفيين السودانيين ورفاق لهم آخرين في منظومة بلدان تحكمها أساطير القرون الأولى من حياة البشرية حيث الظلم طبيعة الأشياء والاستبداد منهج الحكم، والقمع سمة السلطة وعنوان وجودها.

في تلك العصور البائدة من حياة البشرية لم تطرق المسامع ذكرى حقوق الانسان , ولم تبدع البشرية سبط الحقوق الانسانية , كان العقل البشري طفلا لا يميز معظم الأشياء , أما أن تسود ذات المفاهيم وتتغول على انسانية الانسان وحقوقه الطبعية في القرن الحادي والعشرين فتلك هي القضية ! يمر اليوم والصحافة السودانية في أعلى مراتب الاستبداد الحاكم , الصحافيون ينظر اليهم من جهتين , إمّا أوغاد تابعين منساقين وراء مصلحتهم الذاتية على حساب الحقيقة والحق والمهنة , هولاء يحظون بالتقدير الشكلي والاحتقار الفعلي لدى المستبدين , إذ يعرفون سقوفهم بل يحددونها لهم في أحيان كثيرة ويدفعون لهم المعلوم لأداء الدور المرسوم , هذه فئة منافقة , حطّمت أدبيات الصحافة السودانية , وعطلت مسيرتها التي كان يفترض أن تكون متصاعدة , مع الأسف ربائب هذه الفئة يسيطرون على مقود المواقع القيادية في معظم الصحف والمؤسسات الصحفية وتنظيمهم النقابي , الفئة الأخرى , وهي تضم خليطا نوعيا مميزا ممن يرفضون الواقع المزري بكل تجلياته , يقاومون في فاجعة القهر والاستبداد بحدود ما يملكون من قوة أخلاقية ودوافع نبيلة  ومهنية, هولاء منبوذون من الحظوة السلطانية , ينظر اليهم شذرا عند كل محفل , تراقب سطورهم وتحركهم , يساقون للتحقيق والاعتقال والحبس والاستجواب والسجن , بل يحرمون من العمل وتصادر صحفهم وتغلق دورهم وتكمم أفواههم التي عجز الاستبداد عن حشوها بالرشاوي كما فعل مع الفئة الأولى , ومع ذلك يشعر المستبدون أنّ الفئة الثانية هي الأنظف , والأنبل , فلا يملكون ازاء هذه المفارقة الّا كيل مزيد من القيود والتكبيل والقمع والقهر , فأكثر ما يؤذي الجلّاد هو نبل ضحيته وترفعه عن صغائره , يود الظالم دوما أن يشيع الظلم حتى يشعر بتبرير لما يفعله . هذا واقع صحافة اليوم الذي يحتفل فيه العالم والأمم المتحدة بحرية الصحافة , وقد احصيت على عجالة أكثر من ثلاثين واقعة انتهاك لحرية الصحافة في السودان منذ بداية هذا العام وحتى الآن , وهي الوقائع التي تمكنت شبكة (صحفيون من أجل حقوق الانسان من رصدها) وجهر إذ تضطلع بمهمة الرصد والتوثيق إنما تؤدي دورا مهما لصالح الصحافة السودانية تستحق عليه التقدير والتشجيع . ومن أكبر ما تم رصده ما عرف بمجزرة الصحافة السودانية إذ تم مصادرة بضعة عشر صحيفة يومية عقب طباعتها في يوم واحد , وهو الحدث الذي استنكره الجميع الّا رئيس عصابة الطغيان وزعيم فئة المستبدين , أوجد العذر مباشرة لجهاز حماية سطوته الأمنية , متهما تلك الصحف بالتجاوز لذلك صحّ عنده معاقبتها , وهي عادة متبعة عنده في كثير من المواقف , فعندما ضج العالم بمرأى شريط مصور لتعذيب فتاة على أيدي الشرطة وفي ساحة مكشوفة أمام المارة , رضخت قيادة الشرطة للواقع وأعلنت فتح تحقيق في الواقعة , وبدون أن يطرف له جفن جاء طاغية السودان ليعلن في لقاء جماهيري أنّ الشرطة كانت تنفذ في حد من حدود الله ! وألغى بكلمات حماسية لجنة التحقيق , قبل أن يعود سنده في القهر ومساعده على الطغيان نافع علي نافع حينها للقول إن الفتاة كانت تستحق القتل , أفرأيت كيف يدار السودان وكيف يدير الطغيان والفساد أمره؟ ورئيس عصابة الفساد يعلن بكل وقاحة أنّهم كانوا بصدد تطبيق الخطة (ب) لمواجهة عنفوان هبة سبتمبر المجيدة 2013م, لم يكفه مذبحة أكثر من مائتي متظاهر سلمي من بينهم أطفال وجلّهم في ريعان الشباب , لتجئ سلطاته معلنة أن القتلى 85 كأنّما في تقليل العدد تخفيف من هول الفاجعة ! وليأتي وزير عدل الظالمين مصرخا بأنّه لا يوجد في أضابير عدله ما يسمى ملف ضحايا سبتمبر , إنّهم عنده كما عند بوقهم الاعلامي الكرنكي مجرد مخربين , فقد صدرت جريدة الكرنكي (الصحافة في ذلك الصباح الحزين المضرج بدماء الشهداء ليعلن على الملأ أن ( تبت يدا المخربين) فتأمل .

     هذه نتف من سيرة الوجع السوداني , والمستبدون يرقصون بلا نفس وفي ابتهاج مصطنع بفوزهم في انتخابات 2015م المطبوخة , وليعلن الأصم رئيس مفوضية التمثيلية السمجة عما أسماه الأرقام الصحيحة , وهو يعلم يقينا أنّه يكذب ويتحرى الكذب عن نسبة مشاركة فاقت ال40%من عدد المسجلين وعن نسبة 94%وأكثر لرئيس الطغاة الفاسدين , في أكذوبة ضحك من جهالتها الصم والبكم , إذ كيف لشعب أصيل مثل الشعب السوداني أن ينتخب جلاديه ؟ أما وقد بلغ الاستبداد ذروته التي ليس بعدها ذروة , وانكشفت المصالح الانانية والذاتية لزمر المستيفيدين من الاستبداد والفساد وانقسمت البلاد الى طريقين  طريق القمع والقهر لحماية الانهيار والفساد وطريق الخلاص والتغيير , وقد اكتمات العتمة تماما , وصار الفرد فرعونا جبارا متجبرا , وبعد أن علم تماما أنّه غير مرغوب فيه شعبيا وحتى داخل عضوية الكرتون المسمى حزبه, بعد هذا كان لابد أن يواصل مسيرة الخوض في الدم السوداني , وما نتابعه الآن من شواهد استشراء العنف والترويع داخل الجامعات , وملاحقة منظمات المجتمع المدني والناشطين السياسيين , مقرونا مع التصريحات الفارغة عن وقف التفاوض وحسم التمرد عسكريا بوساطة شراذم الجنجويد , غير آبهين بالأوضاع المعيشية الخانقة وسلسلة الأزمات المتواصلة والانهيار المستمر كأنهم قد ملكوا أمر الشعب بما ليس بعده معقب , ناسين أو متناسين أن ما من دور تم الّا وانقلب وهو ما يبشر بصبح الخلاص , فتمام الاستبداد والقهر والقمع هو مؤشر النهاية لمن يقرأ حركة التاريخ وسيرة الانسانية ومسيرة الشعوب .