أمل هباني "كيف يواكب طالب عصر المعلوماتية وهو لا يستطيع قراءة جملة انجليزية صحيحة ولا كتابة أخرى عربية؟ وماذا يستفيد الطالب في الصف الرابع من خياطة "لباس" أوعمل "مترار"؟

*وفي خاتمة المطاف تجد المعضلة الكبرى وهي أن منهج  التعليم في السودان لا يلبي احتياجات سوق العمل العالمي ولا المحلي  بسبب مناهجه المتخلفة والمهوسة؛ فماذا يستفيد طالب في حياته العملية من حفظ سورة يس وفصلت وغيرها ؟وهو لا يستطيع أن يستوعب معاني آياتها ولا لغتها؟وكيف يواكب طالب مايحدث في العالم ويجاري عصر المعلوماتية وهو لا يستطيع قراءة جملة انجليزية صحيحة ولا كتابة أخرى عربية(سنعود لموضوع لغة التعليم قريبا باذن الله ) … .وماذا يستفيد الطالب في الصف الرابع من خياطة (لباس ) أوعمل (مترار)؟

*والتعليم في السودان  لا يخرج فردا مؤهلا وقادرا على فهم الحياة وادراكها عقليا ونفسيا، ولا يخرج انسانا موهوبا أو مصقول الموهبة،ولا يخرج انسانا مكتمل الانسانية والوعي بحقوق الانسان والمواطنة ولا يفهم ماذا يعني وطن ولا مواطنة ولا تنوع ولا احترام لآخر …… بل بالعكس يحشو الطالب منذ طفولته (باللاعلمية) و(اللامنطقية ) ..وشئ من الخرافة والصور الذهنية الخاطئة عن نفسه وانتمائه فهو عربي مسلم شجاع مجاهد ،والبنت هي ربة البيت وام الولد ….(التي تنبذ عادة التبرج نبذا) …لأنه (ليس للبنت في السعادة حظ…..أن تناهى الحياء عنها وولى) ….وغيرها من القيم التقليدية وهي قيم لا تختلف كثيرا عن ما يغرز فيه من مجتمعه التقليدي الذي يحيا فيه ،لو كان هذا الطفل مسلما شماليا عربيا ،فقيم هذه المجموعة التقليدية هي ما يغذيها التعليم في السودان ويؤصل لسيادتها عبر مناهجه …بكل بساطة ودون أي عمق أوفلسفة معرفية أو تنويرية أو حث للعقل على التفكير الحر المستقل …..ببساطة منهج التعليم في السودان هو مفرخ للأزمة السودانية ولاعلاقة له بحلولها وهو ابعد مايكون عن رسائل التحضر والتمدن ومواكبة العصر …..فطوال سنين التعليم الاحد عشر لا يتعلم الطالب في مرحلتي الاساس والثانوي أي شئ يدعو للتمدن من النظام والالتزام وحتى    احترام التنوع ونبذ الروح العنصرية القبلية والجهوية ،ولا يتعلم طالب نشأ في دنقلا كيف يحترم آخر يشاركه ذات الوطن ومختلف عنه دينيا وثقافيا في جنوب كردفان أو همشكوريب أو الجنينة ….

* ولربما كانت محنة السودان الآن نتاج لنظام تعليمي متدهور منذ بداية الدولة السودانية الحديثة ووصل الى القاع بسيطرة هذا النظام على امور البلاد والمواطنين ….وهذا مااثبته بحث عميق وجرئ في امر التعليم نشره مركز الخاتم عدلان عام 2012 و نالت به الباحثة هالة ابراهيم قوتة درجة الماجستير من مركز االدراسات الدولية عام 2006 …وخلصت هالة في بحثها  أن عملية التعليم في السودان تتحول في نهاية الأمر الى محفز للنزاع بدلا على أن يكون عاملا من عوامل تماسك الامة السودانية ؛فهو مصمم بحيث يهمش الاقليات السودانية ويعترف بفئة متسيدة ويوطد تلك الفئة ،كما أن التعليم استغل لاستلاب فئة سودانية من الآخرين ؛وهو يحرم قطاعا سكانيا كبيرا من هويتهم وثقافتهم ويغسل ادمغتهم بثقافة متسيدة تنعكس في النظام التعليمي …..

* فلنتنادى جميعنا أولياء أمور ،معلمات ،معلمين ،طلاب يشعرون بوجعتهم في التعليم ،خبراء ،سياسيين ،مدافعين عن الحقوق وباحثين عن المواطنة والاصلاح والتغيير ..من أجل انقاذ التعليم فالأمر لا يحتمل السكوت ولا التأجيل ….ولننتظم جميعنا في حملة كبرى من أجل تعليم افضل …ينقذ انسان السودان وينتشله من بركة الجهل والتخلف والضياع  .