أ.د. الطيب زين العابدين "حُق للمؤتمر الوطني بعد هذه النتيجة المتواضعة أن يكوّن لجنة عالية المستوى برئاسة عبد الملك البرير (من خارج آل البيت) تبحث عن أداء أجهزته المتعددة في العملية الانتخابية، وإلى أي مدى كانت كفاءتها وإنجازها؟"

جرت الانتخابات الرئاسية والتشريعية في منتصف أبريل الماضي في جوٍ مشحون بالجدل السياسي بين أحزاب الحكومة والمعارضة، دافعت عنها الحكومة بحجة أنها استحقاق دستوري يجب عليها القيام به تريد بذلك تمديد عمرها في الحكم لخمس سنوات أخرى إضافة لربع قرن مضى دون أن تأبه خلاله كثيراً بالمشروعية الانتخابية. ووقفت أحزاب المعارضة مع تأجيلها لحين اكتمال مشروع الحوار الوطني الذي ابتدره رئيس الجمهورية حتى يتم التوافق بين القوى السياسية حول القضايا الرئيسة التي تحدد كيف يحكم السودان في المستقبل، ويتحقق السلام في كل أنحاء البلاد، ويتعافى المناخ السياسي من القبضة وتنفرج الحريات العامة للمنافسة العادلة الشريفة. وامتنعت جل أحزاب المعارضة من المشاركة في العملية الانتخابية ودعت المواطنين لمقاطعتها لأن نتيجتها محسومة سلفاً، ومع ذلك تمت الانتخابات في جوٍ سلمي إلى حدٍ كبير دون أن تقع اشتباكات بين أنصار الحكومة والمعارضة، ولكنها كانت باردة ومسيخة خلت من المنافسة والحماسة والمفاجآت عدا دوائر قليلة تحسب على أصابع اليد لأسباب محلية بحتة..

كان خوف الحزب الحاكم الأساس هو ضعف الإقبال على التصويت، ولكن مفوضية الانتخابات اجتهدت في إتاحة فرصة أكبر للمقترعين بزيادة ساعة إضافية لكل يوم وبزيادة يوم كامل لأيام الاقتراع المحددة سلفاً، والتي قالت في البداية إنها غير قابلة للتغيير. وكانت النتيجة الرسمية المعلنة من المفوضية أن المشاركة في التصويت بلغت 46,4% من سجل الناخبين البالغ “13 مليون و127 ألف شخصاً”، وكرر رئيس المفوضية أكثر من مرة في مؤتمره الصحافي بقاعة الصداقة أن هذه هي الأرقام الحقيقية ولا ينبغي أن يُلتفت لغيرها من أرقام وكأنه يتوقع التشكيك فيها!وقد لاحظت أن حوالي 19 دائرة للمجلس الوطني فاز فيها المرشحون بنسبة أقل من 10% من أصوات الناخبين،

أما في المجالس التشريعية الولائية فهناك عدد مقدر من المرشحين فاز بأقل من 5%  من أصوات الناخبين في دائرته، هذا بالاضافة إلى 8 مرشحين فازوا بالتزكية في مقاعد المجلس الوطني 5 منهم في ولاية كسلا وحدها والتي جاءت الأولى في نسبة الاقتراع مقارنةً ببقية الولايات! أما ولاية الخرطوم عاصمة البلاد بكل ما تمثله من ثقل ووعي فقد جاءت في مؤخرة الولايات؛ رغم الوجود المركز لأجهزة السلطة بعدتها وعتادها، ومؤسسات الحزب الحاكم بفروعها الموجودة في كل حي وبطرقها الصوفية وقبائلها الموالية ومنظماتها المجتمعية، وبتنظيمات نسائها وشبابها وطلابها التي تغترف من المال العام لعقد المؤتمرات وإرسال الوفود وإقامة الأنشطة الصيفية والتدريبية والخيرية والتي من المفترض أن تجوب الولاية من أقصاها إلى أقصاها لتبلغ رسالة الحزب في وعده الجازم باستكمال النهضة هذه المرة. وحُق للحزب بعد هذه النتيجة المتواضعة أن يكوّن لجنة عالية المستوى برئاسة عبد الملك البرير (من خارج آل البيت) تبحث عن أداء أجهزة الحزب المتعددة في العملية الانتخابية، وإلى أي مدى كانت كفاءتها وإنجازها؟

وبما أن المفوضية وحدها (وربما الحزب الحاكم!) تمتلك كل الإحصاءات المتعلقة بالانتخابات في نسختها الأصلية يصعب على أية جهة أخرى أن تثبت نتيجة أخرى غير تلك المعلنة، ولذا سنأخذ بالأرقام التي أعلنتها المفوضية والعهدة على الراوي. وأتفق مع بروفسور غندور، في حواره مع ضياء الدين بلال والزبير عثمان الذي نشرته جريدة السوداني (السبت 2 مايو)، الذي وصف نسبة الاقتراع المعلنة بأنها “مناسبة جداً”. ولكن هنالك ملاحظات كثيرة تضعف مصداقية الانتخابات أذكر منها: تكوين المفوضية الحالية التي كان ينبغي أن تكون مستقلة تماماً عن الإنحياز الحزبي وهي ليست كذلك لأن الحزب الحاكم كونها وحده دون التشاور مع أية قوى سياسية على خلاف ما جرى في 2010م حيث تقاسم المؤتمر الوطني ترشيح أعضاء المفوضية مع الحركة الشعبية. وقد جاء في استراتيجية المؤتمر الوطني للانتخابات التي صدرت في مايو 2014 تسمية رئيس المفوضية وأن الحزب بصدد الجلوس معه للتفاهم حول ما هو مطلوب منه، وبعد ثلاثة أشهر تم تعيين ذات الشخص المذكور. ويعلم غندور أن سلطة الإنقاذ بدأت شمولية فظة (مجلس ثورة، نظام المؤتمرات، نظام الحزب الواحد، تعيين البرلمان الأول وبرلمان ما بعد نيفاشا، نظام الأحزاب المتوالية) ولم تقدم على تعددية شبه حقيقية إلا بعد اتفاقية السلام الشامل التي أجبرتها على كثير من المحظورات، ويبدو الآن أنها بصدد التراجع عما أُجبرت عليه!

النقطة الثانية هي موضوع السجل الانتخابي الذي جرت على أساسه انتخابات أبريل 2015، وقالت المفوضية عجباً إن تنقيحه ليس من مسؤوليتها، وقال غندور إن تنقيحه أمر صعب جداً لم نستطع القيام به، وأننا لم نجد سجل الجنوبيين الذين شاركوا في الاستفتاء بالشمال! وهذه مغالطات لا تنطلي على أحد، فأول مهام المفوضية هو “إعداد السجل الانتخابي العام ومراجعته سنوياً”، كما ينص على ذلك الدستور الانتقالي (المادة 141-2)؛ وقد قامت المفوضية بهذه المهمة فعلاً لانتخابات 2015 لأن السجل الحالي يختلف كثيراً عن سجل 2010 لكنها لم تجوّد عملها كما ينبغي! وقد بقيت المفوضية بلا أعباء منذ عام 2010، فلماذا لم تقم بمراجعة السجل حذفاً وإضافة طيلة تلك السنوات بالصورة المطلوبة؟ وقانون الانتخابات يسمح للمفوضية بتعيين “موظفين للمساعدة في عمليات إعداد ومراجعة السجل الانتخابي حسبما تراه لازماً”، (المادة 20-1-ب).

وأعجب أن يقال إن سجل الإستفتاء للجنوبيين في الشمال غير موجود، فقد قال بروفسور محمد إبراهيم خليل لأعضاء اللجنة الإعلامية إن مقر مفوضية الإستفتاء التي يترأسها تم الهجوم عليه بعد ظهور النتيجة وجُمعت كل الأوراق والمعدات والأثاثات التي كانت بها وتركت الدار بلقعاً، فقد كانت الحكومة غير راضية عن خليل لعدم قبوله ببعض مقترحاتها في إدارة الاستفتاء ومرشحيها للتوظيف معه! ولو كانت الحكومة مقتنعة بضعف السجل الانتخابي كما يُفهم من حديث غندور لكان ذلك عُذراً وجيهاً لتأجيل الانتخابات وهو في ذات الوقت مطلب لقوى سياسية ذات حضور مقدر في الساحة، ولكن المؤتمر الوطني كان حريصاً على إقامتها في كل الأحوال مع أنه قبل تأجيل انتخابات 2010 سنة كاملة عن موعدها المحدد في الدستور. أما شهادة “الخبير” ديفيد هويل التي استشهد بها غندور أن نسبة الاقتراع في الانتخابات تعتبر كبيرة مقارنةً بما يحدث في الدول الأوربية، فهي مجروحة عندي لأن الرجل ليس خبيراً في مجال الانتخابات، لكنه صاحب مكتب للعلاقات العامة استأجرته حكومة السودان منذ عدة سنوات ليجمّل وجهها أمام الرأي العام البريطاني، وقد فعل ذلك بدرجة لا بأس بها.

نقطة الضعف الثالثة هي تكوين لجان الانتخابات العليا في كل ولاية والتي تباشر جميع الاختصاصات والسلطات المتعلقة بالانتخابات بما في ذلك تعيين اللجان الفرعية المشرفة على الدوائر الانتخابية الجغرافية ومراكز الاقتراع، والتي يشترط قانون الانتخابات لعضويتها أن يكون الشخص مشهوداً له بالاستقلالية والكفاءة وعدم الإنتماء الحزبي والتجرد، ويتبع ذلك تعيين كبار ضباط الانتخابات للولايات وضباط الدوائر الجغرافية ورؤساء مراكز الاقتراع. هذه الأجهزة هي التي تدير وتشرف على العملية الانتخابية كاملة على المستوى القاعدي، وتتلقى المفوضية الترشيحات لهذه اللجان والضباط ورؤساء المراكز من جهات إدارية تابعة للحكومة بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وبذلك ينتفي لدى معظمهم شرط عدم الإنتماء الحزبي والتجرد المنصوص عليه في الدستور والقانون. وربما لذلك لا تنشر تلك الأسماء في وسائل الإعلام حتى يطلع عليها عامة الناس كما تقتضي بذلك الشفافية الانتخابية.وقد ذكرت لجنة تقييم انتخابات 2010 التي كونتها المفوضية الأولى، وقد كنت أحد أعضائها، على أن تلك الطريقة في تكوين وتعيين الأجهزة المذكورة تشكل نقطة ضعف كبيرة في إدارة العملية الانتخابية.