صلاح شعيب لقد كان من الطبيعي في هذا الوضع المزري أن تتضارب الأقوال حول ما حدث في سماء غربي أمدرمان ليلة الاثنين الماضية. 

فالصوارمي استخدم مواهبه في إخفاء الحقائق بينما بعض المعلومات المنشورة في صحف أجنبية تقول إن مصنعا للصواريخ بعيدة المدى قد تلقى ضربة.

ولكن في وسط هذا الضجيج يخرج علينا معتمد القطينة ليصرح في الصحف بأن الأمر هو ربما أمر ذات النجمة “الأم ضنب” التي كانت في رحلة نشوقها الموازي لرحلة أهل البادية. أكثر من ذلك انشغل الناس لفترة بشائعات تشير إلى وجود انقلاب، أو محاولات لضرب سد مروي. وكل هذا الضجيج ينم عن قمة آيات تدهور الدولة، وتآكل أجهزتها التي تركت أجواء البلاد مسرحا لهجوم لا تدري أهو لصورايخ، أم طائرات أجنبية، أم نجمة القطينة. وقد سخر رواد أدوات التواصل الاليكتروني من منظر شباب ضباط يبحثون في خلاء أمدرمان بصورة متخلفة عن ما يعتقدون أنها شظايا للجسم الذي قال الصورامي إن مدفعية الجيش قد ضربته.

وهكذا أصبح المواطنون يعايشون عند كل صباح جديد تدهورا لموروث الدولة السودانية التي يسيطر عليها نظام الإخون المسلمين. فإذا تابعنا الأخبار اليومية المتعلقة بحياة الناس لراعنا سوء حالهم، وانفلات الحاضر الهانئ، والمستقبل الضبابي. هناك مشاكل مستعصية حول أبسط مقومات الحياة يواجهها المواطنون المغلوبون على أمرهم. إنها تتعلق بالأدوية المغشوشة التي قال وزير الصحة الولائي إنها تتمركز في ثلاثين صيدلية، على الأقل في الخرطوم، وليس في الأقاليم. هناك مشاكل أمنية يومية، إذ أصبح القتل أمرا عاديا دون أن تتحرك الأجهزة النظامية لتقصي أبعاد الجريمة، وتحقيق المحاسبة التي تمنع حدوثها مرة أخرى. ولكن المألوف أن الحكومة لا تسعى إلى التحقيق، والمحاسبة للجرائم المرتكبة إلا إذا ارتبطت بشخص له علاقة بالنظام كما حدث في أمر الطالب الذي اغتيل في جامعة شرق النيل. ونذكر أنه قبل ذلك اغتيل عدد من طلاب دارفور الدارسين في جامعات الجزيرة، والخرطوم، ولم يضع المسؤولون، والصحافيون الموالون، الأمر محمل الجد بذات الطريق التي اهتموا بها في متابعة البحث عن الجناة الذين قتلوا الطالب الإسلاموي.

هكذا يعاني الناس من العدالة الانتقائية التي لا تولد إلا الغبن، أو ردة الفعل التي تتجاوز الفعل. وكذا الناس يعانون في التحضير للزراعة، وبذل الرعي، وفي أداء عملهم في الخدمة المدنية. ليس هناك عملا واحدا في السودان يتعلق بحياة المواطنين يسير بإتقان. حتى توفر الخبز، والمياه النقية، في العاصمة صار من الصعوبة بمكان. أما مناطق الحرب فحدث ولا حرج. هناك اصبحت جرائم القتل، والاغتصاب، والقصف الجوي، والنهب، والسرقة، من الأشياء المألوفة في حياة الناس. وفي الشمال الأقصى يعاني المواطنون في السنوات الأخيرة من حرائق منتظمة لنخيلهم دون إيجاد وسيلة إطفاء فاعلة، او إيقاف هذا المسلسل الإجرامي الذي يستهدف المنطقة. أما في الشرق فعصابات الاتجار بالبشر تنشط بلا هوادة حتى إن المسؤولين الإثيوبيين حثوا الحكومة بالتعاون على محاصرة الظاهرة التي صار السودان يعرف بها. وهنا لن نتحدث عن هجرات الملايين التي ضمت آلاف العقول المدربة، والمؤهلة علميا، ولا نتحدث عن تدني الإنتاج في كل مجالات الحياة. وكل هذا أمر معروف للقارئ الكريم ويدرك أكثر مما يعرف الكاتب.

التفسيرات الجاهزة لكل هذه القضايا لدى الإسلاميين هي أن البلاد تواجه حصارا اقتصاديا، وذلك أمر صحيح، ولكنه يمثل شطر البيت. أما عجزه فهو أن سياسة قادة الدولة الذين قالوا بأسلمة ممارسة الشعب لم تجز بناء على قدرات البلاد الذاتية، وإنما بناء على طموحات فئة ترغب في تنفيذ أيديولوجيها فحسب في وطن متعدد. أما السبب الذاتي الذي يتغاضى الإسلاميون الحديث عنه فهو يتعلق بالفساد الذي برعوا فيه، بالإضافة إلى عجز قدراتهم الإبداعية عن معرفة ومعالجة المشاكل الموروثة. ضف إلى هذا قيام دولتهم الإسلامية – النموذج على قاعدة الاستبداد، لا قاعدة الحرية التي عبرها يتم الإصلاح، وتحدث المراجعة، وتدرك اتجاهات الرأي الأخرى.

إذا كان هناك مفكرون حقا للحركة الإسلامية لكانوا قد وضعوا في الحسبان أن مشروع الأسلمة، والذي يتم بالديكتاتورية، لا بد أن يثمر الحامض السياسي الذي يستطعمه الآن المواطن، وليس المسؤول النافذ. وإن كان هؤلاء المفكرون المفترضون داخل الحركة الإسلامية يعلمون آنذاك برد الفعل إزاء أسلمتهم الجبرية فتلك كارثة أخلاقية، وإن لم يكن يدركوا فإن هذا يعني قمة الخوار، والخواء، الفكري، لرموز الحركة الإسلامية. فنحن نعلم أن مشاكل بلدان العالم الثالث مهما عولجت بنظريات أيديولوجية فإن هناك أسبابا عضوية تهزمها لا محالة، وهو بعبع التخلف المجتمعي، خصوصا الذي يتجسد عيانا بيانا في دولتنا. وأرجو ألا يغضب الوطنيون من القول إن دولتنا متخلفة بامتياز. والحقيقة أنه إذا لم نقنع بهذه الحقيقة المرة فإننا سنكرر وجود ذات الحكومات على مدار القرن القادم. وهذا التخلف متجسد في المفاهيم السياسية، والاجتماعية، وفي أدوات العمل السياسي، وفي التصورات التي يقدمها القادة الحزبيين، وفي البيئة، وفي طريقة الزراعة، وتوزيع منتجاتنا، أو تعليبها، أو حتى في طريقة تخلصنا من مخلفاتنا الاستهلاكية. وهو ذات التخلف الذي يكمن في الطرق، والمصانع، إلخ. أما التطور الذي حدث في السودان فهو قد ارتبط بتطور الأفراد القليلين، وبعض المؤسسات، سواء في مجالات العلم، أو الإبداع، أو الصناعة. والحقيقة أن ذلك التطور لم ينعكس على المستوى الجمعي، بل إنه آخذ الآن في الارتداد. ومثالنا اليوم جامعة الخرطوم التي تعتبر أكبر صرح متطور في فترة من الفترات.

الآن تدهور مستواها إقليميا، وصارت مرتعا لعصابات العصي والسيخ. فضلا عن ذلك فإن خمسة من بروفيسيراتها الكبار صاروا شهود زور لانتخابات الشمولية. هم مختار الأصم، وجلال محمد أحمد، وعبدالله أحمد عبدالله، ومحاسن حاج الصافي، وصفوت فانوس. أما الآخرون من خريجيها الذين عملوا في خلق توطين الشمولية فيعدون بالمئات، إن لم يكونوا بالآلاف. إذا لم يكن هذا تخلفا في مفاهيم النخبة فماذا نسميه؟. وأيضا أرجو ألا يغضب خريجو الخرطوم الآخرون الذين أضافوا الكثير في مجالات تخصصهم، وظلوا من المقاومين للشمولية، وتعلمنا منهم الكثير. وهناك من قدم روحه فداء للأمة، وهناك من أنجز الإضافات العلمية على المستوى الإنساني. ولكن الموضوع هو أن تخلف بلادنا الذي وصل به قادة النظام إلى أعلى السقوف قد دمر جامعة الخرطوم التي خرجتهم، وآوتهم، وأطعمتهم، وبعثتهم لنيل الشهادات العليا، وهم أنفسهم القادة الذين دمروا أيضا كل معطيات الحياة بصروحها العلمية، والاجتماعية، وما يزالوا يبحثون عن كل شئ ليبقيهم مستبدين، ومفسدين، ومنافقين.

المشكلة الأساسية التي لا يفطن لها النظام ـ أو يفطن ـ أن أجهزة المخابرات العالمية، والإقليمية، اخترقته بواسطة نفر يعملون في أجهزة الدولة. وما الضربات الجوية التي بدأت بضرب مصنع الشفاء إلا بداية الاختراق الذي استمر ليضرب مصنع اليرموك، وبورتسودان أكثر من مرة، ومناطق أخرى. اعتقد أن البحث عن الشطايا في غرب أمدرمان لا يفيد أكثر عن البحث عن الاختراق الاستخباري الذي حدث في صفوف النظام في وقت تآكل الدولة، والحكومة معا.