خالد فضل " إحدى السيدات تم تقديمها باعتبارها والدة مجندين ضمن تلك القوات , قالت ضمن ما قالت انّ أولادها لا يرضعون الزبادي البارد بل اللمي الحار حتى يكتسبون الشجاعة" 

  الأوضاع الاقتصادية آخذة في التأّزّم والاسعار متصاعدة , والشح في السلع الأساسية صار سمة يومية , كنت في الجزيرة منذ بداية الاسبوع , لاحظت سعر أنبوبة غاز المنازل بلغت 100جنيه سوداني رغم أنّ سعرها الرسمي 25جنيه, والسبب الندرة والشح في هذه السلعة الحيوية ’ الخبز دخل دائرة العدم وتقليص الوزن ورداءة النوع , الجازولين ينقطع عن محطات الوقود في ريف الجزيرة في هذه الأيام التي يفترض نظريا أنّ الجرارات والتراكتورات تحرث في الأرض تحضيرا لموسم زراعي، يتثاقل المزارعون في الذهاب الى الحواشات , يتوجسون من اخطبوط تدخل ادارة المشروع وأذرعها الانتهازية وصراعات مراكز القوى ولهاثها وراء مصالحها الذاتية , الموسم المنصرم حقق القطن المحوّر وراثيا نجاحا طيبا لمعظم المزارعين , وكانت اسعاره معقولة نوعا ما , سمعت من أحد المهندسين الزراعيين من أبناء قريتنا أنّ سعر التركيز للقنطار للموسم الجديد القادم 400جنيه فقط بفارق 350جنيها عن سعر الموسم الحالي , هذه صدمة تقعد المزارعين أكثر وتزيد من تباطؤهم للقيام بالعمليات التحضيرية , هنالك ملامح عودة لنظام الدورة الزراعية القديمة في مشروع الجزيرة , قطن _ فول _ ذرة _ بور _ قمح , بالطبع العودة تتم على استحياء , هولاء القوم مكابرون , لا يعترفون بالخطأ بتاتا وإن بان . المهم أنّ العودة للدورة الزراعية وحدها لن يفك الأزمة ولن يعمّر بنيان المشروع المنهار , البنية التحتية الأساسية مدمرة تدميرا تاما والناظر لحال مشروع الجزيرة الآن يستعيد مباشرة ما قرّ في ذاكرته من أفلام ومشاهد ما حدث في الحرب العالمية الثانية ومجازر هيروشيما وناجازاكي النووية !

   الناس في مختلف أنحاء السودان  يواجهون صنوفا متعددة من الكوارث والأزمات الماحقة , بعض المجموعات السودانية الأصيلة تواجه مخاطر التفتيت والتطهير العرقي والابادات الجماعية , شئ مخجل جدا أن يكون أكثر من 3ملايين مواطن يعيشون منذ عقد وبضع سنوات في معسكرات النازحين التي تطوق المدن والبلدات في اقليم دارفور , لينضم اليهم رفاق لهم في جبال النوبة والنيل الأزرق منذ 4سنوات والحبل على الجرّار , ملّ العالم مناظر القتل والترويع اليومية وتقارير الاغتصابات المتكررة للنساء والصبايا , وفرغت خزائن المتبرعين وذوي الضمائر اليقظة من البشر في مختلف انحاء المعمورة , أمّا سادة حكمنا فلا تهتز لهم قصبة , تبلدت أحاسيسهم الانسانية منذ زمن , صاروا مثل نار جهنّهم كلما قيل لها هل امتلأت قالت هل من مزيد , يلتهمون الموارد بالفساد شئ طبيعي , ولكن الأمرّ من ذلك انفتاح شهيتهم للقتل والترويع كل يوم جديد , رعب في الجامعات بسيناريو واحد يتم تطبيقه في الدويم ودنقلا والفاشر والدلنج والخرطوم وسنار ومدني وكسلا وبورتسودان وعطبرة ونيالا والدمازين …إلخ , ما من مناسبة طلابية الاّ وتحولت لمهرجان من الدماء والملتوف والسيخ , أبطال العنف الدائمين , ربّاطة السلطة المدعومين والمحميين من جهازي الأمن والشرطة المسيسين على مستوى قيادتهما على الأقل , في مقابل مجموعات الطلبة العزّل الاّ من سلاح مطالبهم المشروعة وحقوقهم المقموعة التي يناضلون ويستميتون في الدفاع عنها , وهي مطالب وحقوق لا تنفصل عن مطالب وحقوق أهلهم المهدرة والمضيّعة بالقوة والسلاح والترويع والارهاب السلطوي . ومن أسوأ ممارسات سلطة الاستبداد الرائجة بقوة خلال هذه الفترة الممارسات والاستهداف العنصري الموجه ضد طلبة دارفور من العناصر الافريقية ورصفائهم من ذوي الاصول الافريقية الاصيلة من أبناء النوبة وجنوب النيل الأزرق , وتتواتر الافادات من الطلبة والمعتقلين عند كل حادثة عن الألفاظ العنصرية والاساءات العرقية التي تطال أولئك الأشقياء في وطنهم .

   كنت أشاهد في تقرير على قناة الشروق السودانية المرتبطة بسلطة الاستبداد والفساد , عن احتفالات المرأة في نيالا بما تروّج له السلطة بانتصارها على الجبهة الثورية فصيل العدل والمساواة في معركة بجنوب دارفور , يلحظ المرء أنّ وتيرة الاحتفالات والمهرجانات التي صاحبت تلك المعركة الوحيدة ضمن حرب طويلة , تعيد للأذهان ذكريات الاحتفالات والمهرجانات التي كانت سمة بارزة طيلة حرب الاستبداد ضمن المواطنين السودانيين في جنوب السودان حتى نالوا استقلالهم وهم مكرهين ! ثمة ملاحظة أخرى ترتبط بموجة الاحتفالات تلك , تزامنها مع أوجه الضيق والتبرم الشعبية الواسعة واستفحال الأزمات المعيشية , وعزوف الشعب عن مسرحية اطالة أمد الطغيان تحت غطاء الانتخابات , يهدف جهاز الأمن عبر هذه الفرقعات الاعلامية الى صرف الناس عن همومهم تارة باحتفالات مصطنعة ومهرجانات بائسة وتارة عبر اشاعة أخبار عن أجسام غريبة وتصدي لها , والقاصي والداني يعلم أنّ الأجواء السودانية ظلت مستباحة لعقود طويلة , وأنّ اسرائيل تفعل ما تشاء وقت ما تشاء وأينما تريد ووزير الدفاع يتصدى لها بالنظر ووالي الخرطوم بماكينة اللحام !! في هذه الظروف يبتهج جهاز الأمن فرع الجنجويد بمهرجان الانتصار على الجبهة الثورية , تخرج صحف الخرطوم بعضها بمانشيت متطابق تماما عن تحطيم العدل والمساواة فتأمل , ولعقود ظلّ تحطيم الجيش الشعبي خبرا تقام له الكرنفالات ويخاطبها ذات عمر البشير وذات الوجوه الرتيبة بذات الكلمات الممجوجة والتحريض العرقي والقبلي والعنصري والجهوي , وهي السمات التي لحظتها في احتفالات المرأة بنيالا عبر قناة الشروق , فالنساء المحتفلات يحتفلن باللهجة والغناء القبلي المعروف لبعض قبائل أهلنا في دارفور , والحديث كله عن قوات الجنجويد المسماة تدليسا ب( الدعم السريع) وعلى استحياء يتم اضافة لافتة القوات المسلحة على ديباجة التقرير على شاشة الشروق بينما الفعالية كلها عبارة عن تحريض قبلي مكشوف وتمجيد قبلي واضح يفضح أول ما يفضح طبيعة تكوين هذه القوات وغلبة عنصر قبلي محدد عليها وهيمنته عليها , لدرجة أنّ المتحدث الرئيس الذي أوردت الشروق كلماته كان هو حميدتي باعتباره قائد قوات الدعم السريع كما يقول الكابشن المصاحب لصورته وصوته , بينما إحدى السيدات تم تقديمها باعتبارها والدة مجندين ضمن تلك القوات , قالت ضمن ما قالت انّ أولادها لا يرضعون الزبادي البارد بل اللمي الحار حتى يكتسبون الشجاعة . مسكينة تلك السيدة لأنّها لم تعرف ( الهوت دوق) ولم تشاهد عشر سيارات تخرج من منزل جيران الرئيس لمناسبة واحدة , ولم تعلم شيئا عن أبقار هولندا المنقولة بالهيلكوبتر خشية السيول التي اجتاحت ( حواشات السليت ) ذات الدخل السنوي الملياري , سعيدة تلك السيدة بأنّ ابنيها يستخدمان للقتل والترويع والترهيب العنصري والقبلي في اطار سياسة فرّق تسد الناجعة في هدم النسيج الاجتماعي وتشليع ما تبقى من أشلاء الوطن , ليستمر الطغيان موشحا بالدم والقتل ولتستمر المأساة للشعب السوداني , ولكن حتما من تحت الركام سينبلج الضوء ليبدد العتمة حتما حتما .