عبد الله الشيخ لولا المكنون والمُشاع من فضائح واختلاسات، ولولا ما شهدته أروقة المحاكم من تجاوزات داخل مؤسسة الحج السودانية، ولولا معاناة الحجاج والمُعتمرين المتطاولة على مر السنين،

 لولا هذا وذاك، لقلنا إن هيئة الحج والعمرة غير موجودة أصلاً، وأنها مثل أي شركة وهمية في هذه البلاد، المُبتلاة في دينها ودنياها..!

لكن لا، فالهيئة موجودة كـ «عاقة رفيق» لكل من أستطاع الى الحرمين سبيلاً ، وللأسف، هي الأصل في معاناة من يريد قضاء تفثه الوفاء بنذره والتطواف بالبيت العتيق، والتنعّم ببركة الوصول الى قبر نبي الرّحمة.. كل من عبر هذا الطريق لابد أن يجد عوارض وعوائق الهيئة بانتظاره، حتى يصل قاصد الثواب مرحلة الضّجر التي تُنقِص الوزن والحسنات،، حتى تُشارف روحه نفسها على النزوع ..!ما يعرفه قاصد الحجاز في زمان السودانيين هذا، أن مناسكه أصبحت موسماً لمتاجرة واسترباح الهيئة ووكالات السفر، والوكالات ــ في الغالب-  هي ملكية خاصة للمتوالين، وأجرك على الله..! فالمُعتمر السوداني يدفع على الأقل، مايعادل ستمائة دولار، نكاية في عشقه للجناب المُحمّدي ،إن أراد الوصول إليه عاجلاً عن طريق الجّو..أما الذين يسافرون براً وبحراً عبر سواكن، فهُم يدفعون أكثر من ذلك في رحلة مُرِهقة كأنها الأساطير في عهد القوافل، حين كان الترحال عن طريق الجِمال والبِغال.. ولو حسبها البسطاء بعناية لما سافروا عبر سواكن، لأنهم يدفعون لمدينة مالِحة ما لا تستحق، ولو أضطرته ذات اليد أن يضطر ، فعليه أن يحمل زاده وماءه مع تلك الأشواق، وإلا فإنه سيشرب مقالب لا تُحصى، ولن يرتوي..! ستمائة دولار عدا التحويل، تمرُق من جيب العدو، لتبتلعها الوكالات بالتعاون مع الهيئة دون أن تُقدَّم للمُعتمر أية خدمات تُذكر، غير ركوب الظّلط وقرفصاء فنادق بعيدة عن الحرم، ليست هي مقصد الزائر على كل حال، بينما المُعتمِر من بلاد البنغال أو الباكستان، على سبيل المثال، يدفع نصف هذا المبلغ للتنعُّم في تلك البِقاع الطاهرة.

أول ما يُلفِت النّظر هناك، أن روّاد البيت الحرام غالبيتهم من بلدان آسيا البعيدة و إيران، وما تفكك من جمهوريات البلشفيك، وجلّهم من الشّباب.. هناك يُسائل السوداني روحه عشرات المرّات، أين كنتَ يا زول، طيلة هذا الوقت، لتأتي زائراً بعد هلاك المفاصِل وتساقط الشيب..!؟ هناك يحتسب السوداني بلواه كمحسوب دولة «تلولي» المِحن، ولا تتخذ من الإجراءات إلا تلك العينة التي تبعث على الضيق، وتسُد النفس والمنافذ..! السوداني يضطر أولاً الى استخراج جواز الإنقاذ الجديد، وهو بالشيء الفلاني، بل ليس له رسم مُحدد يعرفه العامة، وبينك وبين جواز الأخوان وسطاء يأخذون أجر المناولة، ولكأنّك من رعايا مملكة طشقند، حين تقف في بلاط جلالة العسكر بدبابيرهم..! قل لي يا وزير، يا أيها الذي تستطيع احصاء أنفاس المعارضين و«تشبيحهم» صباح مساء.. أليس حراماً، أن يدفع رعايا دولتك «المؤمنة» آلافاً مؤلّفة من أجل جواز سفر الكتروني..!؟ وأنا سوداني، مثلي مثل علي كرتي، ومثلي مثل موظفيه في الوزارة وفي الحزب، لماذا أدفع ثمانمائة ألف من أجل جواز، وانتظر شهراً وأكثر عند دوائركم الرسمية المُغلقة، التي تتحجج كل يوم بـ «الشبكة طاشة»..! طشيش الشبكة، هو القاعدة الأساسية في تعاملات أفرُع حزب الدولة، مع أن الموضوع، بالنسبة لمختطفها، أن يتكفّل بشراء حِزمة من خدمة النت السريع.. كلهّا ببضع جُنيهات أيها المُختطِف..! لكن ماذا تقول عن هؤلاء المختطفين، غير أنهم جاءوا بنوع غريب من قِلّة الحياء..!