بابكر فيصل في أعقاب ظهور نتائج الإنتخابات البريطانية الأسبوع الماضي والتي اكتسحها حزب المحافظين, قدَّم  رؤساء ثلاثة أحزاب استقالاتهم بعد خسارتهم للانتخابات، وهم  رئيس الحزب الديمقراطي الليبرالي "نيك كلغ"، ورئيس حزب العمال "إيد ميليباند"، وزعيم حزب استقلال المملكة المتحدة "نايغل فرج".

هذا السلوك المُتحضِّر يُشكلُ بُعداً أساسياً من أبعاد عملية تداول السُّلطة في النظم الديموقراطية, فالتداول لا يعني فقط إنتقال السُّلطة من حزبٍ لآخر, ولكنهُ يشملُ كذلك التغيير داخل الأحزاب نفسها, ويُعتبرُ ركناً مُهمِّاً كونهُ يسمحُ بتطوير الأفكار و الرؤى و البرامج, ويضُخُّ دماءاً جديدة في جسد المنظومة السياسية تعطيها مناعة ضد أدواء الجمود و التكلُّس, وتبعثُ فيها حيوية وروحاً تدفعُها نحو التغيير الإيجابي.

و قد أثبتت التجارب أنَّ إستقرار النظم الديموقراطية وقوتها يرتبطان إرتباطاً وثيقاً بهذه العملية المُهِّمة, وأنَّ زعزعة و هزال نظم الحُكم الأخرى يرجعُ في جزءٍ كبير منهُ أيضاً لغياب فكرة التداول في الدولة والحزب.

تبدَّت أهمية هذه العملية بصورة واضحة في ظل الحُكم الشيوعي للإتحاد السوفيتي السابق, وما زلت أذكر وانا طالبٌ بالمرحلة المتوسطة مشاهد مراسيم دفن الرئيس الروسي بريجنيف، سنة 1982، والتي كان أكثر ما يلفت النظر فيها هو منظر خليفته “يوري أندروبوف” الذي كان في حالة صحيَّة يُرثى لها,  وما لبث بعدها أن تولى الحُكم لفترة محدودة ثم توفى.

بدا حينها أنَّ أهل الكرملين قد أدمنوا دفن كل أمرائهم الجُدد الذين يقفون وهم في الحكم والسلطة ليسلموا المركز الأول في الدولة للمرضى وخريجي المستشفيات ابتداءً من لينين و مروراً بستالين وبريجنيف وأندربوبوف وتشيرننكو.

كان مرض هؤلاء القادة وضعفهم ووهنهم يعكس ذات أعراض الداء الخفي الذي أصاب النظام السياسي وكيان الدولة لأسباب عديدة كان من أهمها غياب أحد أركان الحكم الأساسية وهو فكرة “التداول”, وبالتالي لم يكن مستغرباً أن يقع الزلزال الكبير بإنهيار القطب العالمي الكبير وتفتته لدول عديدة.

العالم الغربي (على رأسه أمريكا ) نجح في إجتياز هذا الدرس بإمتياز, وبزَّ نظيره السوفيتي ليس بسبب التفوُّق في إختيار الأهداف والغايات, فقد بدت غايات المُعسكر الشرقي للكثيرين أكثر نبلاً وإنسانية, ولكن بسبب القدرة على إبتداع الوسائل الأكثر فاعلية ونجاعة في الحفاظ على إستمرار نظام الحُكم, ومن بينها فكرة تداول السُّلطة.

صار الفردُ في الديموقراطية الغربية جزءاً من منظومة متكاملة, يؤثر فيها ولكنهُ لا يتحكم في مسارها, وتمَّ تحجيم أفكار “البطل المُلهم” و “القائد الأوحد” ووضعها في حجمها وإطارها الصحيح داخل منظومة الحكم.

 

ولذلك رأينا كيف أنَّ رجلاً مثل “شارل ديغول” بطل المقاومة الفرنسية خلال الحرب العالمية الثانية، وأول من تبوأ منصب الرئيس في الجمهورية الخامسة, يُقدِّم إستقالته وينسحب بهدوء من الحياة السياسية بعد أن فشلت التعديلات الدستورية التي اقترحها في كسب التأييد الشعبي المطلوب في الاستفتاء الذي نُظم في 1969.

بالطبع لم تؤدي إستقالة ديغول من الرئاسة إلى إنهيار نظام الحكم في فرنسا, أو إلى وقوع إنقلاب عسكري أو ثورة دموية, كما هو الحال في العديد من دول العالم, خصوصاً في أفريقيا والعالم العربي, ذلك لأنَّ فكرة “النظام الحاكم” صارت هى السيِّدة على فكرة “القائد الأوحد”.

قد يقول البعض, عن صدقٍ أو جهلٍ أو غرض, أنَّ النظام الديموقراطي – وفكرة التداول بالضرورة – لا يصلحان في بلادنا, فهى ليست جزءاً من تراثنا, وكذلك من الصعب تجذيرها في مُجتمعاتنا التي تعاني من الكثير من أدواء التخلف, ولكن واقع الحال يقول أنَّ مُجتمعاتٍ أخرى ذات طبيعةٍ أكثرُ تعقيداً قد نجحت في تبني هذا الخيار بإمتياز ومن بينها أكبر ديموقراطية في العالم : الهند.

وكنتُ قد ناقشتُ فكرة سيطرة “الفرد” على المنظومة السياسية في بلدنا وغياب نهج التنحي الطوعي, في رسائل متبادلة مع الشقيق الدكتور محمَّد عثمان الجعلي حول مشاكل وهموم الحزب الإتحادي الديموقراطي.

كان ممَّا جاء فيها :

( أنت سيد العارفين بحكم خبرتك في مجال الإدارة أنه ومنذ نهاية القرن التاسع عشر عندما ظهرت أعمال أحد كبار عُلماء الإقتصاد والإجتماع “ماكس فيبر”- وحينها كانت مفاهيم التنظيم الحديث جديدة- حيث كانت تطغى مفاهيم التنظيم الأبوي على المفاهيم العقلانية وكانت تمثل المصدر الأساسي لمبادىء وأسس التنظيم, هذه المنظمات الأبوية كان على رأسها رمزٌ أبوي , فردٌ يمتلك سلطة مطلقة , وهو الوحيد الذي له الحق في مكافأة الأفراد أو عقابهم, ترقيتهم أو فصلهم من المنظمة , كلُّ ذلك بناءاً على تقديراته الخاصة.

هذا الضربُ من التنظيم اختفي منذُ أكثر من مائة عام  ولكنهُ مازال يسيطر على المشهد الحزبي الإتحادي والجميع مُستسلمون له , كلٌ يحاول أن يجد له المُبررات, منهم من يتعَّزى بأنَّ هذا هو حال السودان وحال أحزاب السودان ونحن لسنا إستثناءاً من ذلك ,ومنهم من يقول علينا بالصبر حتي يقضي الله أمراً كان مفعولا بإنتقال هؤلاء (القادة) الى الرفيق الأعلي, ولكن هؤلاء تلجمهم أبيات ود المكي الشهيرة :

                 الكوخ المائل لا يهوي

                 والشجر الذاوي ليس يموت

                والناس لهم أعمار الحوت

 لقد ابتلينا بقادةٍ لا يموتون الا بعد أن تموت الآمال والأحلام في صدورالناس ولله في خلقه شئون. ومع طول العُمر هذا تغيبُ عن ثقافةِ العمل العام فكرة التنحي وأدب الإستقالة ويسودُ نهجٌ أطلقتُ عليه نهج” الكنكنشة” .

وعلى ذكر هذا النهج فقد كنتُ على الدوام أؤكد أنّ أسطورة ” نلسون مانديلا ” بالنسبة لي لا تتجلى في صموده لأكثر من سبعةٍ وعشرين عاماً داخل سجون النظام العنصري, ولا في القدر العالي من التسامح الذي أظهرهُ تجاه الأقلية البيضاء رغم ما ارتكبته من فظائع في حق أهله السود- وبرغم أهمية ذلك الصمود وهذا التسامح- فإنَّ عظمة هذا القدِّيس تبدو أكثر بريقاً ولمعاناً في اختياره الطوعي للتنحي عن السُّلطة و إفساح المجال لآخرين, تلك لعمري مِزيةٌ لا تتوفر الاّ لأصحاب العزائم وذوي النفوس الكبار وياليت ( قادتنا) يستلهمون تلك الدروس من حكيم أفريقيا ورمزها الأكبر.

في ظني أنَّ أزمة قيادتنا هي أزمة متجذِّرة في ثقافتنا, ويجب أن نبحث في أمرها في بنى المُجتمع التحتيَّة وليس في تمظهراته الخارجية, علينا أن ننقَّب في مناهج التربية والتعليم , في نظم التنشئة, في الأسرة والمدرسة والحي السكني, في فهمنا للدين, كل هذه المكونات الثقافية أنتجت لنا ما اصطلحتُ علي تسميته بثقافة ” الواحد” الذي تجب طاعتهُ في كلِّ الأحوال : الأب والمعلم وشيخ الطريقة ورئيس الحزب , مثل هكذا ثقافة لا تنجب ديمقراطية ولا تبشّر بحرية وتقدم ) . إنتهى  

وجود هذه العوائق الثقافية والإجتماعية لا يعني بالطبع أنَّ النظام الديموقراطي لا يصلح في السودان كما يزعم البعض. هذا زعمٌ باطلٌ “حنبريت”, وهو للأسف الشديد يصدُرُ في أغلب الأحوال عن “النخب” التي كان من المؤمل أن تلعب ذات الأدوار التي لعبها قادة من أمثال “غاندي” و “نهرو” الذين ساهموا بصورة حاسمة في ترسيخ فكرة الديموقراطية وتداول السلطة في بلدٍ مثل الهند مُتعدد الأديان والعقائد والثقافات والأعراق حتى أضحت من المُسلمات التي لا يجرؤ أحدٌ على الإنقلاب عليها.

في مثل هذه النظم الديموقراطية يمضي الخاسر في سباق الإنتخابات إلى لعبٍ دورٍ آخر في الحياة, أو يسعى لتصحيح الأخطاء من الصفوف الخلفية لمنظومته الحزبية, أو يُكرِّس نفسهُ لخدمة قضايا تهمُّ مُجتمعه وبلده, وربما الإنسانيَّة جمعاء مثلما فعل نائب الرئيس الأمريكي الأسبق “آل غور” الذي صبَّ كل جهوده في  قضية الحفاظ على “البيئة” وتوعية الناس بالمخاطر التي تتعرَّض لها.

لم يُضيِّع “آل غور” وقتهُ في التحسُّر على الإنتخابات التي خسرها بقرار قضائي, والتي يعتقد الكثيرون أنهُ فاز بها حقاً, بل مضى في حال سبيله لمهمة أخرى, ولكن في بلادنا يذهب الخاسرون دوماً لتجهيز الأحزمة الناسفة والعبوات المتفجرة, أو لتدبير “الزيارات الليلية” البغيضة التي تعقبها المارشات , ومن ثمَّ يبقون في السلطة حتى يأتيهم “عزرائيل” بالنبأ الأكيد الذي لا مفرَّ منه.

وكان “ونستون تشرشل” رئيس وزراء بريطانيا الأشهر, والبطل القومي الذي قاد شعبهُ ووطنه أثناء الحرب العالمية الثانية, الخطيب المفوَّه والملهم, والقائد الذي إبتكر الإشارة بعلامة النصر بواسطة الإصبعين السبابة والوسطي, قد خسر الإنتخابات بعد الحرب سنة 1945 فما كان منهُ إلا أن ينصاع لأمر الشعب, ويقبل بخياره إلى أن عاد وفاز بعد ست سنوات ليصبح رئيساً للوزراة قبل أن يتقاعد.

ختاماً نقول : رئيس وزراء بريطانيا الحالي وزعيم حزب المحافظين الذي إكتسح الإنتخابات الأخيرة “ديفيد كاميرون” وصل للسلطة قبل خمسة أعوام وكان يبلغ من العمر حينها ثلاثة وأربعين عاماً, فانظر – يا قارئي العزيز – لأحزابنا السياسية, من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار, حكومة ومعارضة, ثم أعد البصر كرَّتين, فهل تجد بين رؤسائها من يُدانيهِ في العُمر ؟

ولا حول ولا قوة إلا بالله

boulkea@gmail.com