علاء الدين بشير *هذه هي... تفاصيل خطة"التمديد الأول" كما شرحها مدير دائرة المخابرات السابق! * هكذا فسر اللواء حسب الله عمر حديث صلاح قوش عن "الوجود الأجنبي" * تقرير"مجموعة الأزمات الدولية" تنبأ بزيف انتخابات ما قبل انفصال الجنوب 

فى الثانى من إبريل عام 2008 رافقت الصديق والزميل ،عارف الصاوى للقاء اللواء المتقاعد حسب الله عمر بمكتبه بمقر معهد “دراسات الاسلام والعالم المعاصر” الذى اسسه بعد إحالته الى التقاعد من منصبه مديرا لدائرة المخابرات بجهاز الامن والمخابرات . كنت انا وقتها اعمل بصحيفة (الصحافة) وكان عارف يعمل بصحيفة (الاحداث) .

كان عارف يريد ان يعرف من اللواء حسب الله ما وراء ما صدّرت به صحف الخرطوم الصادرة صباح ذلك اليوم بدون استثناء صفحاتها الاولى ليضمنه متن مادة كان يعدها لعدد اليوم التالي من صحيفته . وجاءت الصحف تحمل فى ذلك اليوم حديثا بالمعلومات والارقام لمدير جهاز الامن و المخابرات وقتها ، الفريق صلاح عبد الله “قوش” فى ورشة برلمانية عن الوجود الاجنبى بالبلاد واثره على الامن القومي . من ضمن ما ذكره “قوش” بعد حديث مسهب عن الوجود الاجنبى بالبلاد بشقيه العسكري والمدني وعدده وعتاده بالارقام المفصلة واسبابه ومخاطره : (قال الفريق قوش ان بعض البعثات الدبلوماسية تجاوزت الخطوط الحمراء للانشطة الدبلوماسية، موضحا بأنهم يتحركون بحرية ويلتقون من يريدون من قيادات الاحزاب والمنظمات في دورهم، وقال ان جزءا كبيرا من هذه اللقاءات لمصلحة البلد لكن جزءا منها لضربها بتجنيد عملاء واضاف لابد من آليات وتشريعات لضبط الانتشارالرسمي للوجود الاجنبي الذي اصبح يسرح ويمرح في الخرطوم ودارفور والجنوب، ومضى قائلا « نحن نعاني من هذا النوع من التدخل»، وزاد « اصبحو جهازا رقابيا وحسابيا للسلطة التنفيذية في الكثير من القضايا التي هي شأن سوداني، انهم يحاولون التأثير على الاجهزة الرسمية، وهناك نوايا للتأثير على العمل السياسي داخل السودان.وقدم قوش، ما اعتبره ادلة على تورط بعض السفارات والبعثات الدبلوماسية في الشأن الداخلي السوداني، تعلقت بممارسات لمنظمات ودبلوماسيين عن قيامهم بأنشطة غير ممنوحة لهم بموجب الاتفاقات الرسمية) (صحيفة الصحافة 2 ابريل 2008) .

ولابد هنا من فهم السياق الذى جاء فيه حديث مدير جهاز الامن والمخابرات فى ذلك الوقت فقد اطلقه فى خِضم احداث ساخنة كانت تلهب المشهد العام بالبلاد ،فمدعى المحكمة الجنائية الدولية السابق ،لويس مورينو اوكامبو كان قد فرغ قبل نحو شهر من تقديم مذكرة اتهامه للرئيس عمر البشير بإرتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية وابادة جماعية بإقليم دارفور شديد الاضطراب وقتها بينما كان قضاة ذات المحكمة قد اصدروا مذكرتى اعتقال بحق اثنين من مساعدي البشير هما الوزير –وقتها- احمد هارون و القائد بالدفاع الشعبى ،على كوشيب . وفى الوقت نفسه كان الصراع محتدما بين الحكومة وحزبها الرئيس “المؤتمر الوطنى” من جهة وشريكها فى الحكم الحركة الشعبية وبقية القوى السياسية والمجتمع المدني والصحافة من اجل رفع الرقابة الامنية على الصحف وتعديل القوانين المفضية الى التحول الديمقراطى تهيئة للمناخ لإجراء الانتخابات التى كان محددا لها العام 2009 وكان على رأس تلك القوانين قانون الامن الوطنى الذى كان مثار انتقادات قوية ودائمة من الاحزاب السياسية والمنظمات الحقوقية الدولية ومن البعثات الديبلوماسية نظرا لمخالفته لاتفاقية السلام والدستور الانتقالي الذي قضى بأن تكون مهمة الجهاز هى التركيز على جمع المعلومات وتحليلها وتقديم الاستشارة للقيادة السياسية ولإجهزة الدولة الاخرى .

تعليق اللواء (م) حسب الله عمر على حديث “قوش” كان مشوبا بعدم الرضا على الظهور الاعلامى المتزايد لمدير الامن والمخابرات وقال لنا مهما كانت الغاية من وراءه كان الاوفق ان يدلي به اي من مساعديه مشيرا الى ان “قوش” “كشف” نفسه بكثرة اطلالاته فى الاونة الاخيرة على الاعلام وهو ما يتنافى مع تقاليد مسؤولى اجهزة الامن والمخابرات فى العالم . ثم عرج اللواء حسب الله لإيضاح ما وراء حديث “قوش” فى الورشة البرلمانية مبينا ان الرجل يريد صلاحيات واموال إضافية (ميزانية) للجهاز الذى يقبع تحت سيطرته وعينه مفتوحة على الجدل الدائر فى الساحة السياسية بخصوص تعديل القوانين موضحا انه لذلك قصد البرلمان لأنه المكان الذى يتم فيه النقاش من اجل تعديل القوانين .

وكان استقصائنا اللاحق من مصادرنا بالبرلمان قد ابان لنا ان الورشة بأكملها رتّب لها وموّلها جهاز الامن و المخابرات واتخذ من لجنة الامن والدفاع التى نُسِب اليها تنظيم الورشة ،واجهة لتمرير اجندته .

سأل عارف اللواء “م” حسب الله الذى كان يشغل ايضا موقعا رفيعا فى القطاع السياسى بحزب المؤتمر الوطني الحاكم عن ما رمى اليه “قوش” من خلال تحذيره من ان بعض البعثات الديبلوماسية لديها نوايا للتأثير على العمل السياسى داخل البلاد وما اذا كان يقصد بذلك التأثير فى الانتخابات المقبلة و التى سيخوضها لاعب جديد فى الساحة السياسية لأول مرة وهو الحركة الشعبية وخشية المؤتمر الوطنى من امكانية فقدانه السلطة اذا ما جرت الانتخابات فى اطار من الشفافية والنزاهة . هنا بدت على اللواء حسب الله سيماء الصرامة ولكنه ظل هادئا تتحرك عيناه من خلف عدسات نظارته الطبية الكبيرة فى مكر ودهاء وطلب منّا ان يكون حديثه عن هذه النقطة خارج التسجيل وقال وهو يأخذ نفسا عميقا من سيجارته التى اشعلها للتو بعد ان اكمل تدخين سابقتها : (يجب ان تفهموا انه لن تكون هناك انتخابات حقيقية .. المجتمع الدولي يعلم ذلك والحركة الشعبية واحزاب المعارضة يعون ذلك ايضا .. ما سيكون هو انتخابات مُهندسة تُبقى الاوزان السياسية على ماهي عليه يحتفظ من خلالها المؤتمر الوطنى بأغلبيته والحركة الشعبية بنِسبتها الحالية ثم تُقسم المقاعد الباقية على الاحزاب الاخرى حسب اوزانها إن رغبت واردف : لابد ان يأخذ المؤتمر الوطنى فترة اخرى فى السلطة يُجرى خلالها تغييرات كبيرة فى هياكله ورؤاه) . قاطعته انا : وما الضمان فى ان يلتزم المؤتمر الوطنى بإجراء هذه التغييرات الكبيرة اذا ما مُدِد له فى الحكم ؟ . اجابنى اللواء حسب الله : إن لم يُقدِم على إجراء تغييرات جريئة وحقيقية ستمضى فيه سُنن التاريخ وسيتشرذم ويخسر السلطة !! . سألته مجددا : وماذا اذا لم يقبل شريككم الحركة الشعبية بهذا السيناريو و اتجه الى نسج تحالف عريض من القوى السياسية للاطاحة بكم ؟ بدا واثقا وهو يجيب : لن يحدث هذا لأن الحركة الشعبية تعي جيدا مصالحها السياسية ولكن اذا ما حاولت الضغط علينا هى والاحزاب السياسية المناوئة لنا بالعمل والحديث عن تحول ديمقراطي سنعود الى سياسة التسعينات .. نضرب ونبطش ونفتح المعتقلات على مصراعيها ولا اعتقد ان احدا يريد ان يحدث ذلك مرة اخرى فالافضل للجميع ان يتم التغيير و التحول الديمقراطى بهدوء وبالتدريج . !!

وكانت خطة المؤتمر الوطني التى افصح لنا عنها اللواء حسب الله دون مواربة قد اشار اليها تقرير صادر عن مجموعة الازمات الدولية فى اغسطس 2007 بعنوان (استراتيجية سلام شامل فى السودان) مبينا ان “الهم الاساسي للحكومة البقاء في الحكم.  ولهذا، ستكون الانتخابات القادمة “اكبر تهديد” لها، خاصة لأن تأييد الحزب الحاكم “يقل تدريجيا في الشمال”، ليس بسبب سياسته نحو الجنوب، ولكن بسبب سياسته نحو دارفور (وبسبب تعقيدات التدخلات الاجنبية)”.

وشكك التقرير في نوايا الحكومتين في الشمال، وفي الجنوب (اي نوايا حزب المؤتمر الوطني الحاكم في الشمال، والحركة الشعبية الحاكمة في الجنوب).  واشار الى احتمال تحالف او تنسيق بينهما في الانتخابات القادمة.  ولهذا، قال: “يجب الا يترك للحزبين الانفراد” بوضع قوانين واجراءات الانتخابات .

ولفت التقرير الى مناورة حزب المؤتمر الوطني الحاكم، بإجرائه اتصالات وحوارت مع الاحزاب الشمالية الرئيسية  وفي نفس الوقت قيامه باتصالات مع الحركة للوصول الى “اتفاقية شراكة سياسية” يخوضان بموجبها الانتخابات.  وربما قائمة انتخابية مشتركة.  وكان مطلب الشراكة السياسية تقدم به حزب المؤتمر الوطنى منذ ايام مفاوضات نيفاشا وظل يطرحه بإستمرار اثناء المفاوضات الخاصة بإحتواء الخلافات التى كانت تنشأ بينهم اثناء تطبيق اتفاقية السلام و لكن الحركة الشعبية كانت دائما تتحفظ او تقبل بشروط يرفضها المؤتمر الوطنى .

واشار التقرير الى قلق حزب المؤتمر الوطنى الحاكم من انتخابات حرة ونزيهة وانه يفضل انتخابات سيئة الاعداد بعيدة عن النزاهة و الشفافية الامر الذى يضمن له كسبها بفضل سيطرته المطلقة على جهاز الدولة والامكانات الاقتصادية الكبيرة التى يتمتع بها وربما بإتفاق مسبق مع الحركة الشعبية .

نواصل

alaabashir@gmail.com