د. محمد محمد الأمين عبد الرازق واضح أن الأخ عبد الله الفكي استخدم بعض نصوص الأستاذ كمنصات اطلاق لرؤيته الخاصة، وغيب النصوص التي لا تدعم خلاصته، ليوهم القاريء بأن الأستاذ محمود كان يؤسس للدولة العلمانية المدنية!! أين الأمانة العلمية في هذا !!؟؟

        يهدف هذا البحث إلى تصحيح خلاصات فكرية وردت في كتاب (صاحب الفهم الجديد للإسلام.. محمود محمد طه والمثقفون.. قراءة في المواقف وتزوير التاريخ)، لكنها لا تنسجم مع حقيقة ما تدعو إليه الرسالة الثانية من الإسلام بالرغم من أنها بنيت على دعامات نصية من كتب الأستاذ محمود.. وقد بذل مؤلف الكتاب الأستاذ عبد الله الفكي البشير جهدا مميزا في البحث عن الوثائق، لكي يكون دقيقا في تناوله لأفكار الأستاذ محمود ومواقفه، وقال إن بوابته على الأستاذ محمود كانت دار الوثائق القومية إلى جانب مؤلفاته.. ولقد عرض الكتاب مجموعة من كتابات الأستاذ محمود وتلاميذه، من الصحف عبر مراحل حركة الحزب الجمهوري منذ نشأته في عام 1945 وإلى المحاكمة الأخيرة في عام 1985م، وحقيقة لقد غطت تلك الوثائق الجديدة معظم المحطات المهمة في تاريخ حركة الجمهوريين..

المسألة التي أحب أن أناقشها، بهدف التوضيح والتصحيح، هي قضية الدستور الإسلامي حسب الفهم العلمي، فقد خلص الأخ عبد الله في كتابه إلى أن الدولة المدنية هي الحل حسب فهمه للنصوص التي أوردها هو من كتابات الأستاذ محمود ومن محاضراته، وإليك توثيق ذلك من الكتاب صفحة 488 -490:

  ” الشاهد أن الدعوة للدستور الإسلامي كانت موضع تأييد من كل الأحزاب الطائفية وجبهة الميثاق (الإخوان المسلمين). بينما كان الأستاذ محمود على الدوام ضد الدستور الإسلامي الذي طُرح، ووسمه بالدستور الإسلامي المزيف، وناهضه بقوة. كانت للأستاذ محمود رؤية خاصة وباكرة لدستور السودان، جاءت في كتابه: (أسس دستور السودان لقيام حكومة جمهورية فدرالية ديمقراطية اشتراكية(.
يضاف إلى ذلك فإن الأستاذ محمود كتب كثيرا عن الدستور في مجتمعات التنوع والتعدد الثقافي، وتحدث عن مفهومه والأسس والملامح التي ينبغي أن يكون عليها دستور السودان. ففي محاضرة قدمها عام 1969، وهي مسجلة بصوته، قال الأستاذ محمود:
(الدستور عبارة عن صياغة أمل الأمة.. وهو أمل كل الشعب، أقليته وأغلبيته… الكلام عن أن الدستور الإسلامي يعطي الأقليات حرية العبادة، هذا كلام ليس له قيمة بالمرة. لأنك حين تتكلم عن الدستور انت تتكلم عن الديمقراطية، والديمقراطية هي فرص التساوي بين المواطنين من حيث هم مواطنون).
وعن الرأي السائد بأن الدستور يجب أن يستمد من مذهب الأغلبية أو دين الأغلبية، قال الأستاذ محمود:
(هذا خطأ بحقيقة الدستور. الدستور يجب أن يستمد من الفكرة التي توحد الشعب كله. الدستور ليس فيه أغلبية أو أقلية، لكن في الإدارة والتنفيذ تأتي الأغلبية والأقلية. في الوضع الديمقراطي الدستور يجب أن يكون حق كل الناس وأمل كل الناس وتطلع كل الناس… بمعنى أن رئيس الدولة يمكن أن يترشح من أي جهة من الأقلية المسيحية أو الأقلية الوثنية أو أي جهة، حسب الديمقراطية هذا هو الوضع. هؤلاء الأغلبية يستطيعوا أن يفوِّزوا مرشحهم، لكن أولئك لا يمكن أن يحرموا دستوريا من هذا الحق على اعتبار أنهم هم أقلية.).
وعن أسس دستور السودان الدائم قال الأستاذ محمود: (إن أسس دستور السودان الدائم يجب أن تقوم على الأصول التي يلتقي فيها الناس وهي أصول الإنسانية..). انتهى نص الكتاب..

هذه نصوص صحيحة من الأستاذ محمود، لكن الأخ عبد الله الفكي غيب نصوصا أساسية موثقة ليصل إلى خلاصات لا تتفق مع أفكار الأستاذ بل تشوهها إن أطلقت على خلفية نصوص من كتاباته كما فعل هو!!

إذن اقرأ خلاصته التي ساقنا إليها من كتابه في نفس الصفحات:
(الشاهد أن الدعوة لدستور إسلامي في بلد يعيش كظة التنوع والتعدد الثقافي، لا سيما التنوع الديني، ويبحث عن سبل التعايش السلمي بين مجموعاته وثقافاته، هي ليست دعوة قاسية وظالمة في حق غير المسلمين فحسب، وإنما في حق المسلمين أنفسهم. فالمسلمون أنفسهم جماعات وفرق ولكل منهم رؤيته وفلسفته ومدرسته الخاصة في فهم الإنسان، وهذا في حد ذاته يغني عن الحديث عن وضع غير المسلمين أمام الدستور الإسلامي.  وخلاصة الأمر أنه ليس هناك فرصة في مجتمعات التنوع الثقافي كحال السودان سوى اعتماد الدولة المدنية على أساس المواطنة، بتساوي جميع المواطنين من حيث هم مواطنون.).. انتهى

اقرأ مرة ثانية قوله:

(وخلاصة الأمر أنه ليس هناك فرصة في مجتمعات التنوع الثقافي كحال السودان سوى اعتماد الدولة المدنية على أساس المواطنة، بتساوي جميع المواطنين من حيث هم مواطنون) !!

معلوم أن الدولة المدنية علمانية الدستور فهي تفصل الدين عن الدولة ولا تهتدي بهديه، وتاريخ نشأتها في مواجهة الدولة الكنسية التي كانت في القرون الوسطى معروف أيضا، وسأفصل فيه في الحلقة الثانية من هذا البحث..

واضح أن الأخ عبد الله الفكي استخدم بعض نصوص الأستاذ كمنصات اطلاق لرؤيته الخاصة، وغيب النصوص التي لا تدعم خلاصته، ليوهم القاريء بأن الأستاذ محمود كان يؤسس للدولة العلمانية المدنية!!

أين الأمانة العلمية في هذا !!؟؟

أنا لن أقول أنه تعمد تشويه فكرة الأستاذ لكني أرجح أنه يجهلها، فعلى الأقل من حق الأستاذ محمود عليه أن يورد نصوصه كاملة حتى لو تعارضت مع وجهة نظره الخاصة!!

ولو تابع المؤلف كتاب أسس دستور السودان نفسه، فقد ورد فيه ما يوضح أن الدستور الذي يتبناه الأستاذ ليس علمانيا وإنما هو إنساني مأخوذ من أصول القرآن، وإليه بعض النصوص:

أولا: جاء إهداء الكتاب هكذا:

الي الشعب السوداني الكريم
هذا دستور ((الكتاب)).. نقدمه اليك، لتقيم عليه حكومة القانون، فتخلق بذلك الأنموذج الذي على هداه تقيم الانسانية، على هذا الكوكب، حكومة القانون.. فانها الا تقم لا يحل في الأرض السلام، وليس من السلام بد..

ثانيا: جاء تحت عنوان (الدستور والقانون) ما يلي:
” يتضح من هذا أننا نتمسك بالتوحيد، ونستقي منه تشريعنا الفرعي بالقياس على تشريعي الحدود والقصاص، حتى يجيء منسقا في اتجاه موحد لحاجة الفرد وحاجة الجماعة، ونستقي منه تشريعنا الاساسي ((الدستور)) بتمثل روح القرآن – لا اله الا الله، حتى يجيء منسقا في اتجاه موحد لحاجة الحكومة المركزية، وحاجة أعضاء الاتحاد المركزي في مجتمعينا: المجتمع الصغير – السودان – والمجتمع الكبير – الكوكب الأرضي..
فنحن اذن نتخذ دستورنا من روح القرآن ولا نقيد تشريع هيئتنا التشريعية إلا بالتوحيد المنسق للحقوق، التي تبدو لدي النظرة الأولي متعارضة، لأنه إن لم يكن كذلك لا يكن قانونا.. وننظر إلى نصوص تشاريع القرآن، ونصوص تشاريع السنة في المعاملات، كوسائل لتحقيق روح القرآن، ونصر على التمسك بها، إلا إذا كانت المصلحة في تطويرها بحيث تتقدم خطوة أخري بمجتمعنا الحديث نحو تحقيق ذلك الروح، في مضمار الحياة اليومية.. وأما نصوص تشاريع القرآن ونصوص تشاريع السنة في العبادات، فهي باقية على ما هي عليه وليس لمشرع عليها من سبيل، فمن شاء أتاها على صورتها المأثورة عن النبي ومن شاء تركها و((لا اكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي)) ذلك بأن الله تعالي حين شرع العبادات انما أراد بها إعانة الفرد على أن يحسن التصرف في الحرية الواسعة التي أعطاه إياها، من غير أن يتورط في العقوبات التي اشتملت عليها القواعد القانونية أو القواعد الأخلاقية، حتى يفضي به السعي، وهو موفور، إلى الاستمتاع بحقه الكامل في الحرية الفردية المطلقة، وبمعنى آخر، أن الله تعالي يضع الإنسان، من الوهلة الأولى، في طريق الحرية الفردية المطلقة، على شرط واحد، هو أن يتحمل مسئولية تصرفه فيها، ثم إستن له الأسلوب التعبدي الذي بلغ نهاية كماله في النحو المأثور عن النبي، ليستعين بممارسته على حسن التصرف في تلك المسئولية الباهظة التي قد تنقض ظهره إن لم يأخذ نفسه بتلك الرياضة الروحية الحكيمة..” انتهى..

ولمزيد من التوثيق أقدم هذا منشور الذي صدر في إطار مواجهة الدستور الإسلامي المزيف في يوم 9/3/1969م، جاء فيه حول مدنية الدعوة إلى الدستور أو علمانيتها ما يلي:

الدستور العلماني:

 ( هناك بعض المثقفين من المواطنين، يشعر بالخطر من قيام دستور إسلامي مزيف.. وقد جعلهم الخوف من هذا الخطر، يدعون إلى الدستور العلماني، وهذا عندنا خطأ من جهتين: أولاهما أن الدستور العلماني ناقص في حد ذاته، وأنه، بالغا ما بلغ من الكمال، لن يرقى إلى كفاية الدستور الإسلامي الصحيح.. وثانيهما أن الدعوة إلى الدستور العلماني تترك الميدان الإسلامي خاليا من الدعوة الواعية، الرشيدة.. ولن يستجيب شعبنا لدعوة مدنية ويترك الدعوة الدينية.. فكأن من يرون هذا الرأي، من قطاعات الشعب، قد اختارت أن تترك الشعب نهبا للتضليل المنظم، وفي هذا خيانة للشعب، وهروب من الميدان !!)..

لاحظ تحديد العبارت: “ولن يستجيب شعبنا لدعوة مدنية ويترك الدعوة الدينية”!!

 

 ويواصل المنشور: ( الدستور الإسلامي لا يلتمس في الشريعة الإسلامية، وإنما يلتمس في القرآن على أن يفهم القرآن فهما جديدا، يبعث آياته التي كانت منسوخة في القرن السابع، لتكون هي صاحبة الوقت اليوم، وتنسخ آياته التي كانت ناسخة، وكانت هي صاحبة الوقت في القرن السابع، وعليها قامت الشريعة.. فإنه بغير ذلك، لا نصل إلى الحقوق الأساسية، ولا دستور بغير الحقوق الأساسية.. ذلك لأن آيات الحقوق الأساسية منسوخة بآيات الإكراه، وآيات الوصاية، فإذا انبعثت الآيات المنسوخة فقد ارتفعنا بالإسلام، من مستوى العقيدة إلى مستوى الإيقان.. وفي هذا المستوى، الناس لا يتفاضلون بالعقيدة، وإنما يتفاضلون بالعقل، والخلق، فلا يسأل الإنسان عن عقيدته، وإنما يسأل عن صفاء الفكر، وإحسان العمل.. ومن ههنا لا يقع تمييز ضد مواطن بسبب دينه، ولا بسبب عدم دينه.. وهذا الدستور لا يسمى إسلاميا، لأنه لا يسعى لإقامة حكومة دينية، وإنما يسعى لإقامة حكومة إنسانية يلتقي عندها، ويستظل بظلها كل البشر بصرف النظر عن ألوانهم، وألسنتهم، ومعتقداتهم، على قدم المساواة في الحقوق والواجبات، ولكن مصدره القرآن.. وهو إنما كان مصدره القرآن، لأن القرآن موظف لجلاء الفطرة البشرية من حيث هي بشرية، جلاؤها من أدران الأوهام، التي غطت عليها وشوهت نقاءها..

الإسلام في مستوى الإيقان، هو دين الفطرة البشرية من حيث هي بشرية، وهو المعنى الوارد في قوله تعالى: ” فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.. منيبين إليه، واتقوه، وأقيموا الصلاة، ولا تكونوا من المشركين.. من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، كل حزب بما لديهم فرحون “.. ذلك الدين القيم المهيمن على الأديان، وهو الإسلام في مستوى الإيقان، لا في مستوى الإيمان.. الإسلام في مستوى العلم لا في مستوى العقيدة، وهذا يقتضي فهما للقرآن جديدا، يسحب النسخ على آيات، كانت في القرن السابع ناسخة، ويبعث، في الوقت الحاضر، آيات كانت منسوخة، لتكون هي صاحبة الوقت اليوم.. وبهذا تصان الحقوق الأساسية في قمة لا تجارى، ويجاز الدستور الذي به تتم كرامة الإنسان، من حيث هو إنسان: ” ولقد كرمنا بني آدم، وحملناهم في البر والبحر، ورزقناهم من الطيبات، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ” ..)..

ختاما لا أظنني بحاجة لأن أذكر بأن من حق الأخ عبد الله الفكي أن يرى ما شاء من الأفكار كحلول لمشاكل المجتمع، لكن ليس من الأمانة أن يفعل ذلك على خلفية من كتابات الأستاذ محمود وأحاديثه، مع البتر والحذف لكل ما يتعارض مع رؤيته هو حتى يجعل منها منصات لإطلاق رؤاه الخاصة المخالفة لحقيقة فكرة الأستاذ محمود..

الغريب أن الأخ عبد الله بنى كتابه في الأساس على الزعم بأن معظم المثقفين، غيبوا وعزلوا وبتروا…الخ، وأكثر، شوهوا دعوة الأستاذ محمود، ودمغ بعضهم بأنهم تعمدوا ذلك، لكني، بخلاصاته هذه، أراه قد تورط في نفس الاتهامات، وكلي أمل ألا يكون فعل ذلك متعمدا!!