وليد النقر *أطباء يطالبون بقرارات تفرض الفحص الطبي قبل الزواج! *المدير الطبي لدار تأهيل المعاقين ينصح بالزواج من خارج الأسرة! *مدافعون عن زواج الأقارب: هناك أذكياء وفي غاية الوجاهة آباؤهم وأمهاتهم أقارب! 

رغم ان الزواج شأن شخصي، يخص “العروسين” في المقام الاول، ثم اسرتيهما، إلا ان فيه بعدا عاما يتطلب تدخل المؤسسات الصحية والتشريعية لصالح “إنجاح” هذا المشروع الانساني وثيق الصلة بصحة وتقدم المجتمع، عبر التثقيف والإرشاد – دون وصاية طبعا-

ومن الظواهر التي لم تحظ بالبحث العلمي والمسح الإحصائي في المجتمع السوداني رغم انتشارها الواسع، لا سيما في الأرياف”زواج الأقارب” ولا سيما أبناء الخؤولة أو العمومة من الدرجة الأولى، أي الذين يشتركون في الجد المباشر(ابناء وبنات الخال، العم، الخالة، العمة المباشرين)

“التغيير الالكترونية” فتحت هذا الملف مع عدد من المختصين انطلاقا من تأثير زواج الاقارب على صحة الأطفال الناتجين عن هذا الزواج، في محاولة أولية لادراج هذا الموضوع ضمن أجندة المهتمين ب”الصحة  الإنجابية”. 

وجهة نظر العلم:

 و حسب بعض الدراسات، فإن زواج الأقارب يورث 82 مرضاً، منها الاجهاض المبكر، مرض الحويصلات المتعددة بالكلية، مرض الثلاسيميا ، مرض زيادة الحديد بالدم، مرض ضمور عضلات الوجه والكتفين،كما يورث الإعاقات السمعية والبصرية(حالات الصمم الوراثي، العمى الوراثي)) 

وتفسير ذلك هو أن كل إنسان يشارك أخاه أو أخته في نصف عدد المورثات التي يحملها، ويشارك أعمامه وأخواله في ربع عدد المورثات، ويشارك أبناء وبنات عمه أو خاله في ثمن عدد المورثات، وبالتالي فإن  العامل الوراثي المتنحي في أحد الوالدين أو كليهما ليس له القدرة على التعبير عن نفسه، إلا إذا اجتمع مع عامل وراثي متنح مماثل له، حينئذ تظهر الصفة الوراثية التي يحملانها معاً(الجينان المتنحيان اللذان يحملهما الاقارب) في المولود على هيئة المرض المعني..

 

فإذا تزوج إنسان بابنة عمته أو خالته أو ابنة عمه أو خاله وكان كل منهما يحمل نفس العامل الوراثي المتنحي لمرض ما، فهناك احتمال إن 25% من أولادهما ستظهر عليهم تلك الصفة و50% منهم يحملون العامل الوراثي المتنحي بدون ظهور أي أعراض، 25% منهم لن يحملوا هذه الصفة. أما إذا كانت درجة القرابة بعيدة فإن احتمال تواجد الجينات المماثلة أقل وبالتالي يكون احتمال حدوث المرض في الأولاد أقل(المصدر: وكيبيديا، الموسوعة الحرة).

المدافعون عن زواج الأقارب يحتجون:

استطلعت “التغيير الإلكترونية” بعض الأسر الناتجة عن زواج أقارب، فدافع الآباء عن خيارهم وقالوا ان ابناءهم أجمل وأذكى من أبناء أسر اخرى الاب والام فيها ليسوا أقارب، ولكن بعض أبناء هذه الاسر قالوا انهم لن يتزوجوا من اقاربهم اسوة بآبائهم، فتقول الطالبة (س.ف) صحيح ابي وامي ابناء عام ولا نعاني من أمراض ولكنني لن اتزوج من اقاربي، فليس كل مرة تسلم الجرة!  

وقالت لوشية وهي مواطنة من “جنوب السودان ل”التغيير الالكترونية” ان زواج الأقارب محرم حسب اعرافهم القبلية، وضحكت في استغراب شديد قائلة:” تعرس ود عمك كيف يعني؟ ود عمك دا ما اخوك”  

ولكن بالعودة إلى العلم، يقول الخبراء ان زواج الاقارب ليس دائما هو المسئول عن الامراض والتشوهات‘ فهناك عوامل بيئية ووراثية معقدة اخرى،

وحسب (وكيبديا): “إذا كان بالأسرة عوامل وراثية مرغوبة ليست في غيرها من الأسر مثل صفات الجمال والذكاء والقوة أو طول العمر وغيرها ، حينئذ يكون زواج الأقارب أفضل من زواج الأباعد، شريطة ألا يستمر الزواج بين الأقارب جيلا حتى لا تتحول الأسر إلى مجتمعات صغيرة مغلقة، وهو ما ثبت وراثيا أنه مضر” .

الأبعاد الاجتماعية:

 رغم تحذير الأطباء وأخصائيي الهندسة الوراثية ،من الأمراض الناتجة عن زواج الأقارب، إلا أنه يجد تشجيعا كبيرا في المجتمع،   

 تفنِّد الأستاذة هادية حسب الله، الأستاذة بكلية علم النفس – جامعة الأحفاد ،الأسباب الثقافية والإجتماعية التي تغري وتؤسس لزواج الأقارب وتقول، أن مجتمعات السودان القديم، لم يكن ينتشر فيها  زواج الأقارب، حيث كان العريس يختطف إمرأة من قبائل بعيدة ليتزوجها ،وظلت بقايا هذه الممارسة حاضرة فى طقوس بعض القبائل، إذ لازال جزءاً من الإحتفال يشتمل على تجسيد درامي للإختطاف الحقيقى الذى كان يحدث فى الماضي.

ولكن التحول الذى حدث- حسب هادية – ارتبط بالثقافة البطرياركية التى فقدت فيها النساء موقعهن المساوي للرجل وتمت شيطنة المرأة،لتصير الإلفة أكثر للمرأة القريبة.

 ولكن لماذا انتشار هذه الظاهرة في الآونة الاخيرة رغم انتشار التعليم؟ تجيب هادية: مع مجئ الإنقاذ إرتدّت مشاريع  التوعية بحرية النساء وتم إرجاعهن للصورة الشيطانية ، وأحدثت الإنقاذ بمشروعها الحضاري الزائف دماراً كبير فى قيم الحياة السودانية . وفى ظل هذا التفسخ الإخلاقي المرتبط بتجريم النساء يصبح الشاب راغباً  فى الاقتران بإحدى قريباته، على ظن ، أنها تحافظ على العادات والتقاليد ، وأنها بعيدة من التفسخ العام

وأبدت هادية أسفها لان  
 منظمات المجتمع المدني السوداني “ما زالت  بعيدة عن العمل على المستوى المفاهيمي في مثل هذه القضايا، ولذلك لم تستطع هذه المنظمات القيام  بدور كبير في التخلص بشكل نهائي من العادات الضارة التى تنادي بمحاربتها ، هذا لا يعني أنه لا يوجد جهد مبذول، لكن ، وبحساب السنوات ، نجد أن المردود هزيل و أن ذلك الجهد يتعرض للإنتكاسات. و زواج الأقارب هو أحد القضايا التى تصادم المجتمع التلقيدي بصورة مباشرة و لا يمكن إبانة المشاكل المترتبة عليه والتوعية بمخاطره، إلا بجهد دقيق، ولا أظننى أعرف منظمة ترغب فى منازلة المجتمع التقليدي لأجل هذا الأمر ، على أهميته.. فمنظمات المجتمع المدني هنا، تؤثر السلامة ، فيما يخص مجابهة الذهن التقليدي، ولديها حججها التى تبرر بها مواقفها هذه.”

أضرار نفسية
 وعن الأضرار النفسية والإجتماعية لزواج الأقارب تقول هادية: من المؤكد أن ذلك النوع من الزيجات ينتج أفراداً أقل ذكاءاً وجمالاً،   ما يوقع الطرفين في الشعور بالعجز والضيق الذى يؤزم العلاقة ويجعلها مكاناً لجلد الذات ولوم النفس والكراهية . كما أن هناك جانب مرتبط بشكل وثيق بصورة الذات لدى الفتاة ،التى تعلم أن زوجها إختارها مضطراً ، أو إنه إختارها وفقاً لرغبته فى فتاة مأمونة خالية من التجارب

ولكن هناك أبناء وبنات عمومة او خؤولة يختارون الزواج من بعضهم عن قصص حب حقيقية  وعن اختيار حر وناضج فماذا يفعل هؤلاء؟ هل يدوسون على عواطفهم بسبب احتمالات إصابة أطفالهم ببعض الأمراض الوراثية او احتمالات ان ينجبوا أطفالا مشوهين أو متخلفين او يعانون من بعض العاهات؟ مع العلم ان كل ذلك احتمالات يمكن ان تحدث ويمكن ان لا تحدث؟ وهل هناك تدابير طبية وفحوصات يجب ان يجريها المقبلون على الزواج من أقاربهم بحيث تساعدهم على تفادي الاضرار المحتملة وتقدم لهم النصائح ؟  

تقول الدكتورة إحسان فقيرى، الأستاذة بكلية الطب جامعة بحرى، بعد تطور العلم اتضح جلياً ان الجينات تلعب الدور الرئيسي في انتقال الأمراض من جيل الي الآخر كمرض السكر، و ارتفاع ضغط الدم والاعاقات الذهنية وقله الذكاء الخ ، وحتي أمراض السرطان .
وحول سؤال”التغيير الإلكترونية” للدكتورة إحسان عن وجود معامل في السودان للفحص قبل الزواج لتقديم المشورة الطبية للزوجين، أو اعطاء عقاقير معينة لتلافي المخاطر او التقليل منها، كما يحدث في بعض دول الخليج وفي الدول الاوروبية؟
 أجابت بان  ليس هناك أصلاً معامل متخصصة للفحص قبل الزواج، فالمعامل الموجودة كافيه لعمل تلك الفحصوات قبل الزواج ، وأضافت نحن نحتاج الى قرار، قرار بفرض الفحص الطبي قبل الزواج، والي آليات حكومية تحمي هذا القرار. “ومن هنا أحيي المملكة العربية السعودية في إتخاذها هذا القرار بعمل فحوصات قبل الزواج ، وأحيي ( هدي المنصور) التي ناضلت من أجل ذلك القرار حتى رأي النور في المملكة وهي مجتمع قبلي محافظ” أما عن  .
مجهودات التوعية بمخاطر زواج الأقارب  والجهات التى تقدمها  في السودان، قالت د. احسان متحسرة
 * لا اعتقد أن هناك مجهودات طبية لمكافحة هذه المخاطر، فوزارة الصحة للأسف، تكتفي بتجفيف المستشفيات وتعطيل الخدمات وليس تطويرها.وفي الحقيقة هذا سؤال مهم، نتمني ان تضطلع منظمات المجتمع المدني بدورها في هذا المجال..

زواج الأقارب والإعاقة :
 ويقول الدكتور خالد محمد أحمد السر، المدير الطبي لدار شيشر لتأهيل الأطفال المعاقين ، ان إحتمالية اكتشاف قدوم طفل ذي إعاقة أمر ممكن من خلال  الرجوع لتاريخ الأسرة المرضي ، وهل يوجد بها ذوي إعاقة ، وماهى الأسباب ، ومن ثم يمكن للطبيب أن يحدد إحتمالية التوريث فى المرة المعينة. وأيضاً توجد كثير من الأمراض التى تسبب الإعاقة وليس لها علاقة بالعامل الوراثي مثل شلل الأطفال أو إلتهاب السحايا ، وهناك إعاقات مثل ضمور العضلات بها نسبة توريث عالية،  و توجد إعاقات أخرى مرتبطة بعمرالأم .
ويؤكد د. خالد  
 * من المهم الفحص القبلي للزوجين ، خصوصاً لو كانت هناك مؤشرات وراثية، وأيضاً لابد من عمل فحوصات أثناء الحمل، حيث يتم أخذ عينات من السائل الموجود مع الجنين، ويتم فحصه ومن ثم ينظر في أي جينات بها مشاكل من التكوين الأولى للجنين ، حيث يمكن إكتشاف الإعاقة لدى المولود مبكراً ، كما أنصح بالزواج من خارج الأسرة بسبب أن إحتمال توريث الأمراض يكون أقل ، لأن الجينات كلما تقاربت كلما كان إحتمال التوريث عالياً ، و حتى الأمراض الوراثية الأخرى التى لا تسبب الإعاقة بشكل مباشر، لكنها تسبب الإعاقة مع تقدم العمر ، مثل السكرى أو الضغط . وفي دولة  كالإمارات توجد مراكز تقوم بمثل هذه التدخلات الطبية،، ولابد من التوعية بأهمية إجراء الفحص القبلي ،ولابد للإعلام أن يطرق على هذا الموضوع. ولابد أن تتاح هذه التدخلات الطبية ويستطيع المواطن الحصول عليها سواء أن تكون مجانية أو بقيمة مدفوعة.

خاتمة:

من أجل صحة وعافية الأجيال وتفادي الامراض والإعاقات يجب الاهتمام بالتوعية والارشاد وتوفير الخدمات الطبية للجميع لتقديم المساعدة الطبية في حالة اختيار بعض الاشخاص للزواج من أقاربهم، فهناك اعاقات وتشوهات وامراض مدمرة يمكن تفاديها بحقنة زهيدة الثمن تعطى للام في بداية الحمل، وحتى عندما لا تربط  الازواج صلة قرابة هناك حاجة للفحص قبل الزواج لكلا الزوجين الراغبين في الانجاب، فهذه الخطوة التي يتجاهلها بل ولم يسمع بها غالبية المتزوجين والمقبلين على الزواج في السودان يمكن ان تحمي طفلا او طفلة من عاهة او مرض عضال، ولن يتحقق ذلك إلا بإصلاح هيكلي للنظام الصحي المتهالك في السودان.

ويجب ان يبقى قرار الزواج قرارا شخصيا، ولكن واجب المجتمع والدولة توفير المعلومات والمؤسسات والبرامج التوعوية الارشادية التي تساعد الافراد على اتخاذ القرار الصحيح، والتدخل الطبي لحماية الاطفال ما امكن في حالة ان يقرر الازواج الانجاب