خالد التيجاني النور "تنبري الحكومة بقوة لما يمس مكامن قبضة السلطة المباشرة, أما ذاك الشأن الذي يروح ضحيته ما لا يحصى من الأرواح البرئية فيترك للبيروقراطية الحكومية العاجزة تتعامل معه بحس بارد وافتقار لتأنيب الضمير الحي"

حقاً ما الذي يجري في السودان؟ هل انزلقت الأوضاع فيه إلى درجة باتت فيها مظاهر تحلل الدولة تتراكم ظاهرة للعيان لا تحتاج دليلاً يقوم عليها, ثم لا تجد ما يشير إلى تنامي الوعي وتوفر الإرادة السياسية المدركة لخطورة ترك الأوضاع تأخذ طريقها ماضية إلى نقطة اللاعودة؟.
فهل يعقل أن تنقل عناوين الصحف السيّارة قبل بضعة أيام نبأ احتشاد ميليشيات قبلية متنازعة مدججة بالسلاح في شرقي دارفور إرهاصاً لجولة أخرى من الاقتتال الأهلي الدموي, ثم لا تحرك السلطة الحاكمة ساكناً, حتى تحدث بالفعل مقتلة عظيمة راح ضحيتها مئات من القتلى والجرحى, ويستمر مع ذلك الصمت المريب, ليس عن جهل بحقيقة ما يجري بل ما لا يمكن تفسيره إلا بالعجز وانفلات الأمور خارج سيطرة السلطة وإدارتها, فإذا لم يكن سقوط كل هؤلاء الضحايا في دورات عنف عبثية متعددة الدوافع والأشكال نذيراً ومظهراً آخر من علامات التحلل والتفتت في جسد الدولة السودانية المنهك بالصراعات الدموية المستدامة, فماذا يمكن تسميته, والسؤال ماذا بقي من وظيفة السلطة الحاكمة والموت المجاني يستعر والدماء تراق بلا حساب.
من الخفة بمكان أن يُنظر لهذا التنازع القبلي المتجدد منذ عقود خلت بحصره في خلفياته التاريخية المعلومة وانتزاعه من سياق الأوضاع السياسية والاجتماعية الراهنة المأزومة بشدة, واستسهال تفسيره بحسبانه شأناً محلياً دارجاً من باب تعزية النفس أو البحث عن مشجب لتعليق أسباب إخفاق سلطة الحكم عليه في عدم القيام بواجبها وأداء وظيفتها في حفظ الأمن والسلام والاستقرار بمعانيها ومضامينها الحقيقية, لا بظاهر استخدام وسائل العنف الرسمي بل بتحقيق مطلوبات السلم الاجتماعي ورشد الحكم وسلامة الإطار السياسي.
فليس مقبولاً بأي معيار أن تلوذ حكومة مسؤولة بالصمت إزاء ما يجري في دارفور وفي غيرها من مناطق السودان الموبوءة بالنزاعات المسلحة, وتراق فيها أنهار الدماء على مدار سنوات, وقد عهدها الناس تنبري بشدة وقوة لما هو أقل خطراً بكثير, وأضعف شأناً لا لشئ إلا الاستشعار أنه يمس مكامن قبضة السلطة المباشرة, أما ذاك الشأن العام الذي يروح ضحيته ما لا يحصى من الأرواح البرئية الذي هو مناط المسؤولية فيترك للبيروقراطية الحكومية العاجزة تتعامل معه بحس بارد وافتقار لتأنيب الضمير الحي.
أليس غريباً أن تظهر السلطة الحاكمة اهتماماً بما يجري خارج أراضيها, وتنشط في تحركات خارجية عارضة الوساطة في تلك الدولة, وتنبري للدخول في حرب في بلد آخر, والأزمات الداخلية على ظهورها محمولة لا تأبه لها وكأنها تجري في بلاد الواق واق, أو في بلد آخر لا تبدو وكأن ليس لديها أدنى إحساس بالمسؤولية عنها. فكونها صراعات قبلية لا يعفي الحكومة من مسؤوليتها في توفير أسباب الأمن والاستقرار, صحيح أن ما يجري بعض نتاج التخلف, بيد أن إعادة إنتاج التخلف هو من صميم مردود فشل إدارة الحكم, وعجز مشروعها السياسي بعد ربع قرن من السيطرة على السلطة في الانتقال بالبلاد إلى مربع جديد من التقدم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي, وليس الانكفاء إلى حالة المجتمعات البدائية تفشت فيها العنصرية والقبلية إلى درجةأعادت عوامل توحيد مكونات الدولة السودانية إلى عناصرها الأولية في أسوأ حالات التفتت, فاذا لم تكن سلطة حاكمة لكل هذه المدة هي المسؤولة عما آل إليه حال ما كان موجوداً من رصيد شعور وطني مشترك في حده الأدنى فمن يكون هو المسؤول يا ترى؟.
من الصعب أن تمكث سلطة في دست الحكم لربع قرن, ومع إدعاء عريض بتبني مشروع حضاري وإعادة صياغة للمجتمع السوداني, ثم يكون النتاج هذا الحصاد المر, تجذّر القبلية وتفشي داء العنصرية ثم ترفض المساءلة وتحمّل المسؤولية عن إهدار كل هذه السنوات من عمر شعبها, فالذي يحدث الآن ليس مجرد صدفة أو استئناف لتنازع قبلي له جذور تاريخية, بل هو نتاج السياسات التي أديرت بها السلطة بغرض توظيف التوازنات القبلية لصالح استدامة البقاء في السلطة, وواقع تفشي النزعات القبلية الصراعية ليس مجرد اتهام يُلقى جُزافاً بل قضية بالغة الخطورة تحدّث عنها علانية أكثر من مرة الرئيس عمر البشير, وانتهى الأمر إلى محاولة معالجتها من خلال التعديبات الدستورية الأخيرة التي ألغت انتخاب ولاة الولايات الذين تم اتهامهم بتغذية تلك الصراعات لخدمة أجندتهم السلطوية, وإحالة سلطة تعيين الولاة لرئيس الجمهورية, وهي معالجة فوقية لا تخاطب الجذور المؤسسة لهذه الظاهرة الإنقاذية بإمتياز.
لم نصل إلى هذه المرحلة الخطيرة من التفتت وتفشي القبلية والعنصرية من فراغ أو بضربة لازب, بل كانت نتيحة مباشرة لسياسة ممنهجة لنظام الحكم الحالي خلال العقدين الماضيين سعى خلالها إلى تمكين نفسه في السلطة من خلال استخدام التمييز غير الإيجابي في استمالة أو إبعاد قوى اجتماعية معينة وتعزيز ارتباطاته القبلية والجهوية لصنع تحالفات تضمن له بسط السيطرة التامة على الحكم, ولكن كان ذلك بثمن باهظ هو ما تدفعه البلاد الآن من حالة استقطاب غير مسبوقة في تاريخ السياسة السودانية على أسس قبلية تنتج صراعات وحروب قبلية وأهلية طاحنة. وتنذر بالمزيد على خلفية الاحتقان المكبوت الذي ينتظر ساعة انفجار لا تبقي لا تذر.
لقد عرفت السياسة السودانية الكثيرة من الصراعات السياسية على السلطة في حكومات ما بعد الاستقلال لكنه لم تكن أبداً على تماس مع العنصرية والجهوية كما هي عليها اليوم, كانت تتغير الأنظمة وتتبدل الحكومات إلا أن ذلك لم يكن أبداً سبباً إذكاء النعرات العنصرية أو القبلية, والتي وإن وجدت فقد كانت محصورة في نطاق ضيق. ولم يحدث أن مر على السودان عهد استبيحت فيه الدماء واسترخصت الأرواح كما نشهده اليوم.
وفقط للتدليل على أن إنزلاق السودان إلى محرقة التنازع القبلي صراعاً على السلطة أمراً مستحدثاً, وليس مجرد استدعاء لمرارات تاريخية, فقد كان البعض يظن أن داء القبلية والعنصرية أمراً تسلل إلى جسد السلطة الحاكمة عن غفلة, حتى جاء الدكتور عبد الحليم المتعافي بالخبر اليقين حين أدلى باعتراف غليظ ومثير للغاية قبل أكثر من عام في سلسلة حوارات مع الزميل الطاهر حسن التوم بثتها قناة النيل الأزرق. فقد ذكر المتعافي بالحرف الواحد, وما ينبئك مثله خبيراً عرك الوظائف الدستورية وتقلب فيها على مدار ربع القرن الماضي, “أن ما حدث من تعميق للبعد القبلي والجهوي في شغل الوظائف العامة سواء على مستوى الولايات أو المركز” كان نتاج ما وصفه ب”الردة في تفكير قادة الحركة الإسلامية”.
وذكر أنه حتى العام 1997 كان تعيين الولاة يجري على أساس قومي, حين قرر هؤلاء القادة توظيف البعد القبلي والجهوي لتغذية وتعزيز نفوذ “الحركة الإسلامية”, ولفت إلى أنه نشأت تحركات لتجميع بعض القبائل وإيجاد نفوذ لها برعاية قيادة “الحركة الإسلامية” في الخرطوم, ووصف أن هذا الذي حدث وأدى إلى تعميق القبلية والبعد الجهوي في إدارة الحكم “تم عن وعي كامل”, ما يعني أنه لم يحدث صدفة بل عن سابق تخطيط وتنفيذ لأجندة معلومة الأهداف.
أدلى المتعافي بهذه الاعترافات الخطيرة في العلن وجرى بثها على الملأ, ولم يجد أحد من الذين عنّاهم بحديثه هذا الجرأة على نفي هذه الإفادات الصادمة حتى بعد مرور أكثر من عام عليها, وهو صمت يصب في خانة تأكيد أن ما قاله ليست مزاعم بل حقائق واقعية. وهو ما جعل السؤال يبقى دائماً ما معنى الشكوى من غلو القبلية, في حين أن ممارسة السلطة الحاكمة تؤكد عليها بدلاً من أن تعمل على علاجها. ثم يستغرب البعض مع ذلك الحروب المتفشية في البلاد التي غذّتها هذه السياسات الرعناء؟.
والواقع أن ما يجري في دارفور على مدار عقد ونصف, والتي شهدت أهوالاً شتى, قاد إلى تبعات خطيرة للغاية زادت ولا تزال تزيد من تعقيد الأوضاع في السودان التي باتت مرتهنة لتداعيات الفشل في معالجة هذه المأساة الإنسانية والوطنية, وهي ليس مجرد أزمة تخص الإقليم بل هي نتاج مباشرة وتجلي لأزمة أعمق في قلب السلطة في الخرطوم.
وتعود الأضواء إلى دارفور هذه المرة بعد طول انشغال عنها سواء في الأوساط الرسمية, وفي أوساط الرأي العام على وقع أوضاع أكثر اضطراباً عنوانها “غياب سلطة الدولة عن الإقليم” أو بالأحرى خروج الأوضاع من سيطرة السلطة الرسمية وقد تحولت لتصبح تحت رحمة حالة انفلات أمني غير مسبوق.
وخطورة ترك الأوضاع المنفلتة في دارفور على هذه الحال بدون التحرك السريع والعاجل لتداركها سيزيد بالتأكيد من تعقيد فرص أي حلول مستقبلية, فذلك يعني دخول دارفور في رحلة اللاعودة للخروج من سلطان الدولة بكل تبعاته الذي لن تدفع دارفور وحدها ثمنه, ولعل أهم ما يجب التنبيه له هو خطورة التعاطي مع هذه التطورات الخطيرة بلا مبالاة, أو تطبيع الإحساس بها, أو الاكتفاء بتركها تواجه مصيرها وحدها من باب العجز عن فعل شئ موجب.
وإن كانت ثمة عبرة من من حالة استدامة الأزمة في دارفور وتحولها إلى طور جديد من الصراع العبثي الشديد الكلفة الإنسانية فهو أن الحلول الأمنية ليست مجدية ولا كافية, كما تثبت أن الحلول الجزئية والصفقات الثنائية أيضاً أقصر طريق لإعادة إنتاج الصراع, ولذلك لا يمكن توصور إيجاد حل لما يسمى بقضية دارفور خارج سياق تسوية شاملة لأوضاع السودان المضطربة سياسياً واقتصادياً وأمنياً, وما لم تتوفر لجهود السلام في المناطق الواقعة تحت براثن الصراع المسلح إطار سياسي قومي شامل فسيأتي كل اتفاق ثنائي ومعه تعقيدات أشد للقضية الوطنية. ومن الصعب تصور عملية سياسية مجدية تحقق التحول السلمي لا تضع في الاعتبار هذه الدروس والعبر. فالتسوية الوطنية الشاملة لم تعد ترفاً بأي حال بل ضرورة قصوى إن لم تكن طوق النجاة الأخير.
عن صحيفة إيلاف
الأربعاء 13 مايو 2015م