د.ناهد محمد الحسن عندما كنّا طلّابا في جامعة الجزيرة ، كان طلاب الحركة الإسلامويّة وقتها في ذروة انفعالهم بما أسموه الجهاد في جنوب السودان..

لا زلت أذكر ذلك الرّكن ،الذي أقامه مؤتمر الطلاب المستقلين في الجامعة وصادف قافلة جهادية تخرج من الجامعة بإحتفالية كبيرة. وفي الوقت الذي حشد ركن المستقلين مئات الطلاب ولم يحظ احتفال الطلاب المنتسبين للحركة الإسلامية الكبير الا بالكوادر الإسلامية، قام طالب متحمّس بفض ركن المستقلين بطلقات البندقية!..

وحين احتج المستقلون في ركن آخر لديهم على هذا السلوك، أجاب أحد الطلاب المنتسبين للحركة الإسلامية وقتها بقوله:( لقد أخطأ فعلا بضربه الطلق الناري في الهواء ،، كان عليه ان يصوّب أوّلا!)..

لازلت أذكر تلك الأحداث كأنها البارحة..تلك الجرأة والتعالي على جموع الطلاب المسنودة بقوّة السلطة إلى أين سيأخذ جامعاتنا السودانية؟..وأنا أقرأ خبر مقتل أحد طلّاب المؤتمر الوطني في أحداث العنف الجامعي الأخيرة، شعرت بالأسى الشديد على شبابه وشباب الآخرين ،الذين رحلوا في صراع السلطة، لا سيما أبناءنا من دارفور..

لا أدري لم تذكّرت وجه جارة لنا ، كانت عادة ما تستعدي إبنها ليضرب أخي عندما كانوا صغاراً..وقد كان أخي طفل مسالم جدا، وكانت أمّي تغضب عندما ترى الجارة فرحة بطفلها المعتدي..والتي كانت كثيراً ما تقول لأمي بغبطة واضحة: (شقاوة أطفال). حتّى أتى اليوم الذي خاشن فيه الصبي أخي بعنف، ولا أدري ما الذي حدث وقتها وجعل أخي يغير مبادئه بخصوص ضرب من هم أصغر سنّا منه..إلّا أنّه إنهال ضرباً على الصبي ممّا حدا بوالدته التي سمعت صراخه بالهرولة لنجدته..نظرات أمّي لها جعلتها تتردد وهي تسمع والدتي تقول لها: (لا عليك شقاوة أطفال!)..وهي ترى إبنها يضرب أمامها تعلّمت درسا قاسيا..ومن يومها ..صارت تنتهر طفلها كلما رأته يحاول مخاشنة أخي..!..

أرجو ان يتعلم منتسبو الحركة الإسلامية، أبناء السلطة المدللين من الدماء الغالية التي أُهدرت من فلذات أكبادهم..أن يُسكِتوا تلك الصيحات المهووسة وأن يحدّوا من عنفها..فليس هنالك دم أغلى من دم..! ونحن الأمهات أكثر المكتويات برحيل الأبناء. وشعار (فلترق كل الدماء) لا يصلح أن يكون دمية بيد صبية جامعيين..ولا شيء يجعل موت طالب المؤتمر الوطني شهادة وطالب دارفور فطيس..! الّا إذا كانت السيارات الفارهة المدفوعة من أموال الشعب هي من شروط دخول الجنّة!…وهذا بالطبع ليس الحدث الأول ولا الوحيد..

 إنّك تقرأ خبر كالذي أوردته صحيفة الصحافة بتاريخ 13/1/2010 :(قتل الطالب اسامة يس ,عندما سدّد له زميله الطالب لونجي عدّة طعنات داخل حرم كليّة الزراعة وأصيب ثلاثة آخرين..)

,وتفكّر ما الذي يدفع طالب مليء بطموحات الحياة والمستقبل في التسبب بإنحراف مسيرته الحياتية من الجامعة والتخرّج الى السجون وعذاباتها..ما الذي يجعل القتل وسيلة لحسم الخلافات بدلا عن الحوار؟ وما الذي يجعله يحمل سلاح من الأساس إلى داخل الحرم الجامعي ؟ البيئة التي كان من المفترض أن تشكّل حرما آمنا للجميع ما الذي حوّلها إلى ساحة اقتتال؟ وما نوع التهديد بالضبط الذي يمكن أن يشكله أسامة للونجي وآخرين ؟ وفي أي سياق تمت عملية القتل هذه؟

 إنّ هذا النوع من الإعتداء هو جريمة بأيّ شكل من الأشكال، وكونها حدثت في الحرم الجامعي وظروف شحن سياسي أو لحظة فوضى توظّفها سيكولوجية الجماهير من أجل إحداث أكبر قدر من الدمار والتخريب والذي عادة مايفلت مرتكبوه في تلك التظاهرة أو غيرها، لن يساعد في تقديم أي مبرر أخلاقي للحدث.. ولكن أسامة ليس الضحية الوحيدة عبر تاريخ العنف في الجامعات، فهنالك بشير والتاية ومحمد عبدالسلام ومعتصم حامد وغيرهم , طلاّبا صغار السن كانت الحياة في انتظارهم لاتزال..فلم حدث ماحدث؟

إن أردنا أن نفهم هذه الحادثة ونحلّلها، فعلينا أن نجري تحليلا نفسياً اجتماعياً دقيقاً لظاهرة العنف..