عبد الله الشيخ لن أسترسل فى الحديث عن معاناة المعتمرين على أيدى المناديب فى جدّة، و فى مكة، و في المدينة..دعنا "نحتسبها "، و لا نتسبب فى قطع الأرزاق..

يؤكد المقيمون فى المملكة، أن تلك معاناة مُزمنة، تقع تحت سمع و بصر وزارة  الحج السعودية ، و تعرفها السفارة السودانية و الجالية، وتعلم بها الشرطة ، وهذا ليس إدّعاء، فقد رمانا أحد المناديب في قارعة الطريق نحو ساعتين، فاتصلت متظلمِّاً بالشرطة فى جدة من أمام “و احة نوركو ، فى كيلو 2″، مساء الثاني من مايو، فى حوالى الثامنه مساء ، فلم تصل الدورية إلينا، إلا بعد نحو ساعتين..! وقد خفف من غضبي على ذلك المندوب، الذي رمانا فى الشارع، وبيننا نساء، ان الشرطي السعودي كان لطيفاً جداً، و له مشاعر تقدير وإحترام للسودانيين المقيمين في الممكلة ، إذ يعتقد أنّهم ” أحسن ناس”.. كان يهدئ من ثائرتي ولا يكف عن مدح المغتربين، ويُقسم بالله، أنه طيلة عمله، لم يضبط مخالفة لـ “زول”، ولهذا فهو يحمل السوادنة ، فى حدقات عينه،، و قد قالها صادقاً..

هذه ” الطُرفة”، أو الحادثة، التي تجعل السعودي حجّازاً  بين السودانيين، شهِد عليها من أهل بلادنا، الأخ هُشام ساتي، و الأُخت منى الحاج، وهي شرطي فني بالخرطوم ، جاءت لأداء العُمرة، و شهدها لفيف من السودانيين، الذين  لا يترددون في تسجيل أرقام هواتفهم..أثلج صدري، أنّ العسكري السعودي اصطف مع الأجاويد السودانيين ، الذين “معلشوها” في دقائق معدودات، و دلُّونا على الطريق نحو ، منازل المُعتمر.. و ما هى إلا دقائق، بعد منتصف الليل حتى غمرنا عباب البحر، وهدأت الكائنات، وأغرانا النُّعاس.. المدينة براح، تتهافت سياراتها  بعناد فوق الأسفلت..لا يستخدمون مزامير السيارات إلا قليلاً، ولا يوجد لعسكري المرور أثر ولا خبر، لا إيصالات ولا غرامات ، و لا شئ فى تقاطعات الطرق غير الإشارات الضوئية ، أخضر وأصفر، وأحمر..لا  وقت للحديث عن عاصفة الحسم هنا، بل لم أر أحداً ، من المُقيمين أو العابرين، يمسك بصحيفة ورقية..! السودانى القادم من مساقط المطر ومن شواطئ النيل،  يشعر للوهلة الأولى، بجفاف حلق هذه المدينة..هذه بلادٌ عطشى ، لكن الله يرزق أهلها من كل الثمرات..هذه  الصحراء مقهورة أمام فاعلي الخير، و طالبي الحسنات.. والسوداني  بجلبابه وعمامته الفخيمة ، يملأ العين..

هذا الوجه الطيّب، لم تُغيِّره رطوبة الغربة ، ولا عثراتها..صديق الأيام الخوالي، فيصل بشير علي الصايم ،هو كما هو بأريحيته التى غادرنا بها الى الغربة ، منذ ثلاثة عقود.. ولا أريد أن أقصِم ظهره بالحكايات..بعد سويعات نغسل شيئاً من كدر الغفلة،و يُفتح أمامنا درب الحرمين ، ونستطيب التلبية..هذه الجبال تسمعك وتشهد عليك، وسبحان الله الذي أنطقَ كل شيئ..نويت هذا المشوار، وأبديت  شوقي الطامح لشيخنا ” الولي”، فهل أنا في مقام من يسعد بزيارة صاحب ذلك القبر..؟! رأيت غرابة بين حدقتي عينيه، ورأيت مثلها عند صديقى هاشم كرار، عندما قلت له ،  أنني ، حين أعُبر ذلك الأحمر هذا، وأدخل الحجاز عن طريق جدّة ، فإنني لن أكتفي بِعُمرةٍ واحدة..! رأيت طيف الغرابة وهو يقول: “هل قيلَ لكم ، أن العُمرة ، مِثل الحِناء، يُمكن أن يطبقوها مرّتين وثلاثة “..!؟ لا تثريب عليه ، إنّه العارف بفقه المناسك، لكنه ربّما ، نظر في تِلال الذنوب، ورأى أنّ كل هذا البحر المديد، لن يغسلها..! وهذا صحيح..الله وحده، جلّ شأنه، هو الذي يغفر الذنوبَ جميعاً ، إنّه هو الغفور الرّحيم.