د. محمد محمد الأمين عبد الرازق لقد قررنا في الحلقة السابقة، وبالأدلة الموثقة حقيقة مهمة للغاية، وهي أن الأستاذ عبد الله الفكي استخدم بعض كتابات وأحاديث الأستاذ محمود كآلية لاطلاق أفكار تخالف رؤية الأستاذ محمود المبدئية 

في ضرورة التوجه نحو الإسلام في مستواه العلمي لتأسيس الدستور الإنساني..أكثر من ذلك، فإن الأخ عبد الله، بكل أسف أفرغ الدعوة الجمهورية من محتواها الديني تماما، فهو عندما نقل النصوص التي أشرنا إليها إنما كان يهدف إلى طرح رؤيته هو في اعتماد الدستور العلماني، ولم يكن همه فيما يبدو، أن يقدم الفهم الجديد للأستاذ محمود.. ويلاحظ أنه بتر النصوص، وانتقى منها ما يدعم اتجاهه، واستبعد أي عبارات توضح الناحية الدينية لدى الأستاذ محمود، كالتوحيد، ولا إله إلا الله، والحدود والقصاص..الخ، الواردة في النص الذي أخذناه من نفس الكتاب (أسس دستور السودان) لتظهر نصوص الأستاذ بلا إشارة إلى القرآن والسنة!!

أنا أستغرب!! لماذا غيب، وبتر، وعزل، لهذه الدرجة!؟ وهل هذا التصرف يمكن أن يكون عن جهل أم عن قصد مبيت!!؟؟

وهل هناك فرق بينه وبين المثقفين الذين قال فيهم ما قاله مالك في الخمر، من حيث البتر والعزل والتغييب!!؟؟

على كل حال، نواصل قضية التعريف بالدولة المدنية التي يبحث عنها الأخ عبد الله لنعرف لماذا كان موقف الأستاذ محمود منها هو الرفض من الناحية المبدئية..

بين يدي مقتطفات من الأكاديمي غازي توبة، تعطي فكرة عن تاريخ نشأة الدولة المدنية، وإليك بعضها:

   (من المعلوم أن أوروبا في العصور الوسطى كانت تحكمها الكنيسة، وكان أبرز مفهومين تقوم عليهما الديانة المسيحية هما: (المقدس) و(المدنس)، فكان المقدس هو الله والآخرة والروح، وكان المدنس هو الإنسان والدنيا والجسد والمرأة، لذلك يجب أن يتجه الإنسان إلى هذه المقدسات، ويفني ذاته فيها، ويترك كل ما عداها.. فيجب أن يوجه الإنسان عقله إلى الله ذكرا وثناء وتمجيدا وعبادة، ويلغي التفكير فيما سواه، وعليه أن يوجه قلبه إلى الآخرة ويهمل الدنيا ومتاعها وشهواتها وملذاتها، وعليه أن يقتل جسده ويدمر حواسه التي تكبل روحه لكي تنطلق هذه الروح وتتخلص من قيودها، والرهبنة خير وسيلة للانتقال من المدنس إلى المقدس، والرهبنة تعني عدم الزواج، واعتزال الحياة في دير من الأديرة، وممارسة طقوس متنوعة في تعذيب الجسد..

إن القيادة الكنسية التي تزعمت معركة المقدس مع المدنس في المجتمع الأوروبي، قادت معركة أخرى مع علماء أوروبا الذين طرحوا نظريات وأقوالا تناقض ما قالت به الكنيسة والكتب المقدسة من مثل: أن الشمس مركز الكون وهو الذي توصل إليه كوبرنيكوس، وهو يناقض ما تقول به الكنيسة وهو أن الأرض مركز الكون، وأدت هذه المعركة إلى عقد محاكمات ومحاسبات لكثير من علماء أوروبا بتهمة الكفر والزندقة والانحراف عن الدين، وأدت تلك المحاكمات إلى إعدام الكثيرين منهم..

قادت الكنيسة معركتين الأولى: مع الفطرة البشرية في كل ما تتوق إليه من الدنيا والشهوات والمتاع والملذات، الثانية: مع العقل البشري الذي كان يقرر حقائق واضحة وتأتي الكنيسة لتلغيها بكلام غير ذي قيمة علمية، وأدت هاتان المعركتان إلى انفجار أوروبا في وجه الكنيسة، وقامت ثورات متعددة لتصحح الوضع الخاطئ عند الكنيسة، فما الذي حدث؟

جعلت الثورات المقدس مدنسا، والمدنس مقدسا، أي إنها قلبت المعادلة!!

جعلت الثورات الأوروبية المدنس مقدسا، فنشأت “الدولة المدنية” التي اهتمت فقط بجسد الإنسان وشهواته ولذاته ومنافعه، واهتمت فقط بالدنيا وزراعتها واقتصادها وصناعتها، وجعلت الثورات المقدّس مدنسا، فنشأت “الدولة المدنية” التي اعتبرت الحياة مادة في أصلها ووجودها وتفرعاتها، واعتبرت كل حديث عن الروح وعن الجنة والنار والملائكة إنما هو حديث خرافة وأوهام، ومن الواضح أن هذه المواقف إنما جاءت ردود أفعال على المواقف الكنسية الخاطئة!!

وقد ولدت تلك الثورات التي قامت في القرن الثامن عشر نوعين من الدول في القرن العشرين جسدتا مقولة “تدنيس المقدس وتقديس المدنس” خير تجسيد وهما: الاتحاد السوفياتي ، والعالم الحر.

1/ الاتحاد السوفياتي والشيوعية: لقد جسد الاتحاد السوفياتي الشيوعي ثنائية الأزمة التي انتهت إليها أوروبا وهو “تدنيس المقدس وتقديس المدنسخير تجسيد ، فأصبح الإلحاد هو الأصل الذي يقوم عليه، وأصبح يعلن أن الدين خرافة وأوهام، وأنه أفيون الشعوب، وأنه ليس هناك عالم غيب، وأن الملائكة والشياطين والجنة والنار أوهام من اختراع الأغنياء لاستغلال الفقراء..

ومن الجدير بالذكر أن المجتمعات البشرية لم تعرف مجتمعا قام على الإلحاد، صحيح أنها عرفت بعض الملحدين، لكنها لم تعرف مجتمعا خاليا من الإقرار بوجود إله، بغض النظر عمن هو الإله، فقد يكون كوكبا أو شجرة أو شخصا أو جبلا. ولم تعرف مجتمعا خاليا من دور العبادة، وربما كان المجتمع الأول الذي قام على الإلحاد في التاريخ هو المجتمع الشيوعي في الاتحاد السوفياتي، وهذا تعبير صارخ عن الشق الأول من الثنائية وهو “تدنيس المقدسأن يصل مجتمع إلى هذا الوضع من الإلحاد والتنكر لركن أساسي وكبير من أسس الفطرة وهو ركن (التعبد)..

أما في مجال “تقديس المدنس” وهي الدنيا والمرأة والشهوات، فإن الشيوعية قد اعتبرت أن الحياة مادة وليس وراء المادة شيء، واعتبرت على لسان إنجلز” أن ستر العورة طريقة صريحة لامتلاك النساء، واعتبرت كذلك أن ولادة الحجاب جاءت مترافقة مع ولادة الملكية الفردية، لذلك سينتهي الحجاب عند انتهاء الملكية الفردية، وستعود العلاقات الجنسية مشاعة كما كانت في المجتمع القديم: كل النساء لكل الرجال! 

2/  العالم الحر والرأسمالية: فإنه يقوم على نفس الأسس المادية التي يقوم عليها المعسكر الشيوعي في مجال “تدنيس المقدس”، فهو  يتنكر للغيوب من: إله وملائكة وآخرة وروح… إلخ، ويستهزئ بها، ويرذّل الإيمان بها، ويسفّل كل القيم المتعلقة بها ويعدَّها خرافة وأوهاماً وشعوذة، أما في مجال (تقديس المدنس) فإن هذا المعسكر يعلي ويعظّم  بل ويؤلّه كل مفردات المدنس من: الدنيا والجسد والمرأة والشهوة، ومما يؤكد ذلك حجم الإنفاق على الجنس في الإنترنت، والصورة التي تستغل بها المرأة في الدعاية والإعلان، وحجم العري الذي يسود المجتمع الغربي، والتشريع للشذوذ الجنسي بشقيه: اللواط والسحاق!!

هذه هي الظروف التاريخية التي ولّدت مصطلح “الدولة المدنية” مقابل الدولة الكنسية” فأصبح مصطلح “الدولة المدنية” يعني التمركز حول الإنسان وجسده ولذاته وشهواته، مقابل التمركز السابق حول الله في “الدولة الكنسية، وأصبح يعني الاهتمام بالدنيا وشؤونها وتطويرها في “الدولة المدنية” مقابل الاهتمام بالآخرة والروح في “الدولة الكنسية“.

نكتفي بهذه الإضاءة حول تاريخ الدولة المدنية، فهي تأسست على العلمانية كفلسفة تقصي الدين من الحياة تماما، وتدار على أساس دستور علماني.. وقد كان السودان بعد الاستعمار دولة مدنية على هذا الأساس العلماني، وكانت الدولة لا تعبأ بهدي الدين في إدارتها، وفتحت الباب للمحرمات بصورة سافرة، كدور البغاء والبارات…الخ

ولذلك عندما سئل الأستاذ محمود أثناء مناهضته للدستور الإسلامي المزيف في الستينات من القرن الماضي: هل أنت مع إعادة العمل بالدستور العلماني 56 المعدل 64!!؟؟ كانت إجابته: لا .. (محاضرة الحقوق الأساسية بنادي أبناء أرض الحجر بموقع الفكرة alfikra.org)..

والجزئية التالية من محاضرة الحقوق الأساسية في الدستور، تشرح بوضوع موقف الأستاذ محمود من الدولة المدنية، فهو يدعو إلى مدنية جديدة تزاوج بين الروح والمادة، فتلقح الحضارة الغربية في عالمنا المعاصر، فلنستمع:
(الوجه التاني من الاسلام، هو دا الوجه الصحيح الفعلاً الناس محتاجين ليهو، البشرية كلها محتاجة ليهو، السودانيين، المسلمين، البشر كلو.. دا غريب على الناس هسع، غريب ومستنكر.. والواحد يعني من الدعاة الى الاتجاه دا قد يساورو شئ من اليأس، شئ من الشك، لشدة انصراف الناس عنو!!

 لكن هو الراح ينتصر في الآخر، دا قولاً حتماً، قولاً واحد انو الاسلام الصحيح راح ينتصر.. والناس البتمسكوا بيهو بكونوا زي ما قال عنه نبينا (كالقابض على الجمر).. عليهم ان يصبروا..
قد يقول واحد، او يدور بباله، انو لخطورة موضوع الدستور الاسلامي المزيف، وانو عندو فرصة ليمر، قد يقوم ببال بعض الناس انو حتى مساندة الدستور العلماني احسن من الدستور الاسلامي المزيف.. نحن الجمهوريين عندنا الشعار اللي عرضناهو كتير ودايماً بنقوله (الدستور العلماني خير من الدستور الاسلامي المزيف).. الدستور العلماني، بنقول، خير من الدستور الاسلامي المزيف.. لانو الدستور العلماني باطل عريان، والباطل العريان يمكن للناس ان يتفقوا على بطلانه، لكن الباطل اذا اتلف في توب من قداسة الاسلام بيصعب تمييزو..

 انا وإياك بنتفق على انو الدستور العلماني يجب ان نغيرو، لكن ما بنتفق على انو دا دستور إسلامي نغيرو.. ما بنتفق انو الدستور دا ما إسلامي.. وقد تجد انت من يساند الدستور العندو توب الاسلام اكثر من البعارضو، لكن هل معنى دا اننا نحن كمرحلة ندعو الى الدستور العلماني؟… لا………
و الاعتبار قايم بانو نحن في الحقيقة ما بننصر الحق باكثر من التزامو.. الناس البنصروا الحق بلتزمو الحق.. المسيح عندو عبارة قال (أعرفوا الحق وسيجعلكم الحق احراراً).. والحق ناصرو الله دايماً، والناس الموصوفين بنصرة الحق هم الناس الاستعملهم ربنا استعمال صالح في نصرة الحق، ادوات.. فإذا كنت انت عايز تنصر الحق انصرو في نفسك والتزمو واصبر عليهو، حتى ولا تستعجل..

 يجي القرآن يقول (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ، فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ).. الحق جايي واستعجال الحق باطل الى الحدود دي
لا يمكن لإنسان ان يقول اننا نحن مثلاً ندعو للدستور العلماني..لاسباب.. واحد منها اصيل، واحد من الأسباب اصيل، انو الدستور العلماني فعلاً باطل ودون المستوى.. الدستور العلماني فيهو الحقوق الاساسية.. دستورنا نحن البنتكلم عنو دستور صحيح.. يعني مثلاً دستورنا – دستور السودان المؤقت المعدل سنة اربعة وستين واللي في الندوة الفاتت كنا جبناهو هنا، قرينا ليكم منو الحقوق الاساسية.. الدستور دا دستور علماني وفيهو الحقوق الاساسية، هو دستور ديمقراطي.. والحقوق الاساسية قلنا هي حق حرية العقيدة وحرية الرأي، وديل فروع من حق الحياة.. حرية العقيدة عندنا في المادة 5/1 بتقول لكل مواطن الحق في حرية العقيدة.. المادة 5/2 بتقول لكل مواطن الحق في حرية الرأي..

أها دا الدستور، العلماني، هو في الناحية دي إسلامي لكن التفريع عليهو في الناحية العلمانية اقل جودة منو في الناحية الدينية، والسبب انو الدستور الديني بيستطيع ان يحقق الاشتراكية والديمقراطية في نظام واحد..) انتهى
ختاما..
لقد حذر الأستاذ محمود تلاميذه في جلسة مؤتمر عيد الفطر، التي أقيمت بمنزل الأستاذة فاطمة حسن بمدينة عطبرة، بتاريخ 18 أكتوبر 1975م من مثل هذا التشويه، فقال:
)
الميدان الأساسى للعمـــل هو أنفســـــنا ..
الجمهوريين حيث وجدوا عليهم أن يعدوا أنفسهم الإعداد التام ، ليكونوا مراسى للفكرة، فلا تجتاح من بين أيديهم عندما يقبلوا الناس عليها بكثرة، ويكون هناك التحريف الآخر من النوع الثانى .. تحريـــف من ينتسب الى الجمهوريين!!
تحريــــف الأصدقـــاء ودا أســـــــــوأ من تحريـــف الأعــــــداء !!
الفكرة غريبة وغرابتها راح تظل قايمة وراح يدخلوها ناس يتكلموا باسمها وما هم منها!!و ينسبوا لينا وما هم مننا!!
ودا ما ينجينـا منه الا قوة حصاة الدعاة الجمهوريين، حتى يكون الأمر أنواره واضحة وحججه واضحه وعلمه مستعلى ..
وكنا دايما بنقول انه مافى خوف من عدم أقبال الناس علينا، الناس سيقبلوا ..
يمكن الخوف من التحريف البيجى من الناس البينتسبوا للجمهوريين ، ويتحدثوا بحديث غير حديث الجمهوريين ) انتهى ..

Maalthoraia3@gmail.com