خالد فضل "لا تستطيع سيدة من المعاليا في الضعين من زرف الدمع على أب وخال وأخ أريق دمه في المحرقة البشعة تلك , والعكس لرزيقية في ديار المعاليا , إنّه الزلزال يا سادة"

  قالوا له: الحريق في البلد,

 هل مسّ

      _قال_

       في

شارعنا أحدْ؟!

قالوا له: النيرانُ

  في شارعكم,

   تلتهمُ

  الأشجار

  والحجارة,

أطارت

 _قال_

منها

صوب بيتنا شرارةْ؟!

قالوا له: رمادا صار بيتكم,

  هذا

المساء,

صاح غرفتي, وأجهش ..

بالبكاء!

 قصيدة مثقف! للشاعر كمال الجزولي , بحري 1989م

يقول كمال في عنوان جانبي , حيث أورد القصيدة ضمن مجموعته الشعرية عزيف الريح خلف بوابة صدئة , إنّها صياغة جديدة لأمثولة قديمة . وهي بالفعل رؤية استشرافية إذا نظرنا لتاريخ اعادة الصياغة الذي قاله كمال فالعام 1989م يؤرخ لأكبر وأخطر زلزال صناعي ضرب السودان , وما نحن بصدده الآن إنّما حصاد الغرس الفاسد منذ ذلك التاريخ قبل ربع القرن وعام . ومن المقولات الفاسدة , فرّق تسدْ ! تلك لعمري عبارة خائبة , فأي سيادة يرجوها من يفرق ويدمر ؟ فالسيادة الحقة وتخليد الذكرى حدث ويحدث دوما لمن استطاعوا توحيد شعوبهم بعد فرقة , لذا خلد في التاريخ النبي محمد (ص) , وخلد ابراهام لونكن في الولايات المتحدة الأمريكية . وخلد نيلسون مانديلا في جنوب افريقيا , مثلما خلد المهاتما غاندي في الهند , وتشيّع لعنات التاريخ من فرّقوا وقسموا وبددوا طاقات شعوبهم , ولنا في حاضر السودان عبر ودروس , مغموسة في الدم منسوجة بالأذى والقسوة وموت الضمير ! فرّق تسد العبارة التي تدرّس للتلاميذ في مدارس السودان منذ عقود بأنّها أحد ممارسات حقبة الاستعمار الانجليزي المصري , عاشتها الأجيال الراهنة كممارسة يومية وخطة مستمرة وتدبير متواصل على الأقل مذ ذاك التاريخ الذي اندلعت فيه نيران الحريق الذي التهم السودان في العام 89م . لا لا لا يجادلنّ أحد بعوار الحجج وبوار المنطق وكاذب الأكليشهات المردودة , على شاكلة , يتحمل أبناء الهامش المسؤولية عمّا حاق بأهليهم ومناطقهم , وهم السبب , ومثقفي دارفور مثلا طمّاعون ويفتقدون الحس بالمسؤولية تجاه مأساة أهلهم وغيرها من حجج تجد أسانيدها في بعض النماذج صحيح , ولكن ما هو أخطر من ذلك هو الركون الى التخلي عن المسؤولية الوطنية بمثل هذه الحجج . على أيام الدراسة في جامعة جوبا , أذكر أنّ أبرز الذين يتصدون لأعمال العنف , ويسقط بالتالي من بينهم الجرحى والمصابون ,  من أبناء اقليم دارفور المنتسبين للحركة الاسلامية , كانوا يستميتون في الدفاع عن الجبهة الاسلامية , مع ملاحظة في غاية الأهمية , معظمهم كان ينتمي اثنيا لما صار يعرف الآن (بالزرقة), أحد الزملاء , هددني ذات يوم بالذبح , لأنني أنتقد الجبهة وسلطة الانقاذ , تصدى له لحسن الحظ نفر من ذوي عترته الاثنية , وبعضهم من ذوي تنظيمه الاسلامي , ردعوه وأنبوه وردّوا عليه بأعنف مما قال , قالوا له سنذبحك نحن , وكنت شاهدا على كل ما جرى , تعلمت من ذاك الموقف أنّ التعميم في الأحكام النسبية بطبعها خطأ جسيم , لله الحمد في تلك الأوقات أزعم أنّ نوعا من الرشد كان قد أصاب عقلي , لو عدت لسنوات الصبا الباكرة قبل ذلك الأوان , لوجدت شخص آخر طفل الانسانية , ينظر للناس من خلال ألوانهم وسحناتهم , فيصير صديقي الدارفوري ذاك الذي هددني , مجرد (عب) يستحق التأديب ! أمّا وقد تصدى له نفر من جلدته , فقد كان الدرس حاضرا في مدارج السمو الانساني , وإذ أذكر أنّه عاد في مساء ذلك اليوم مبتسما , وربت على رأسي وكاد يقبله , معتذرا عمّا بدر منه من سوء سلوك . زاد عندي مقام ذاك الصديق , وكبرت قيمة دارفور بانسانها عندي لذا أشعر بالخجل , وقلة الحيلة وضعف الاسهام في درء ما حدث ويحدث , ويقلقني جدا , ذاك الرسم الكرتوني الذي ابتدعه عبدالرحيم حمدي , مقترحا على حزبه الاسلامي المسيطر بالقوة على مقاليد البلد , ومحددا مناطق جغرافيا وهم التجانس والاستقرار , ليبذل فيه حزبه وسلطته , أوجه التنمية والخدمات حتى يضمن ولاء قاطني ذاك المثلث الوهمي !والتجانس المقصود يستند مع الأسف على محدد ثقافي /عرقي ,فما من أحد يكابر بأنّ كسوة الكعبة كانت تخرج من دارفور من سلاطينها الفور, ولم يشوّن الآخرون جمالهم وحصينهم كما كان يفعل سلطان الفور , والتبجح الفارغ المضمون عن دار الخلاوي حاليا تصحبه مباشرة الحقيقة المفجعة , بأنّ ما يربو على 4000قرية قد تم حرقها منذ اشعال الفتيل , وأنّ جلّ هذه القرى المحروقة هي ديار الفور والمساليت والزغاوة وغيرهم ممن يوسمون (بالزرقة) وفي هذه القرى المحروقة كانت الخلاوي والمساجد ومنها كانت تخرج كسوة الكعبة الشريفة , فأي اسلام هذا الذي يزعمه مرتكبو جرائم الحرب والابادة والتطهير العرقي ؟وحفظة القرآن نازحون , تغتصب نساؤهم , وتحرسهم القوات الهزيلة لليونامد؟ والزلزال يستمر , ووهم الاستقرار والسكون في المثلث الوهمي يستمر مثل ذاك المثقف في قصيدة كمال الجزولي , الحريق في شوارع البلدة , وفيالق الطلبة الاسلامين تشعله نارا حقيقية في غرف سكن ما يفترض أنّهم زملاؤهم في الجامعات وزميلات , من البركس يتم اخراج الطالبات بوحشية في أيام عطلة العيد , تعتقل الطالبات في الخرطوم ويصيبهن الأذى والتحرش الجنسي والاساءة العنصرية , والبيان الرسمي لإدارة صندوق رعاية الطلاب يتحدث ببراءة العبارات عن العمارة الآيلة للسقوط وحرصا على سلامة بناتنا الطالبات !! في مدني أربعة طلبة في جامعة الجزيرة تلقى جثثهم في الترعة , والتحقيق يدين زخّات ماء خزّان سنار التي صدف اندلاقها في جوف تلك الترعة الظمأى ! وعلي أبكر يُغتال وسط وسط جامعة الخرطوم , وموسى بحر الدين في طرف كلية التربية , وطالبات تحرق داخليتهن في الخرطوم , وحريق الجامعة الاسلامية بالفتيحاب , وحريق جامعة دنقلا , و و و . الحريق في شوارع البلدة لكن أهل المثلث نائمون , فالقضية دارفورية وهم وحدهم المسؤولون عنها نحن مالنا ومالهم , ثم يمضي الموال, هم حاقدون لو سيطروا لأذاقوكم المر , إنّهم لا يفرقون بين موقف وموقف, عدوهم (الأضان الحمراء) هذا حديث يتردد كثيرا وفي أوساط عديدة ليس بالضرورة من الجهلاء , ولكنها من حهلاء الانسانية . ثم تكبر الفجائع , النار المشعلة عمدا , تلتهم في قرى حفظة القرأن والخلاوي وبعدها , محرقة بني العمومة عرقا ومصاهرة ودما , وتسيل شرق دارفور بدم الرزيقات مخلوطا بدماء المعاليا , لا تستطيع سيدة من المعاليا في الضعين من زرف الدمع على أب وخال وأخ أريق دمه في المحرقة البشعة تلك , والعكس لرزيقية في ديار المعاليا , إنّه الزلزال يا سادة وإنّه الحريق الشامل والدمار الذي ليس بعده دمار , فحتى متى الصمت , وايثار السلامة ؟ حتى تندك الغرفة فينوح الصامتون!!!