بابكر فيصل بابكر "اعترف الكاتب الصحفي "إسحق أحمد فضل الله" في برنامج "فوق العادة" الذي تبثه قناة "الشروق", بصراحة تثير الدهشة أنه يُمارس الكذب في كتاباته, مُعللاً ذلك بقوله : ( أنا مُحارِب , أُحاربُ بالكذب , والدِّين لم يُحرِّم ذلك )".

لا أهتم في العادة بالتعليق على الحوارات التي تتناول أسلوب وطريقة كاتبٍ ما في تناول القضايا العامة, وأفضل الإحتفاظ برأيي الخاص وأترك الحكم على الكاتب للقُرَّاء بغض النظر عن مستوى جمهور المتلقين فهم في خاتمة المطاف أصحاب الحكم النهائي على البضاعة التي يُرِّوج لها الكُتَّاب.

وفي ذات الوقت فإنني أعتدتُ على التصدي لكل الموضوعات التي تمسُّ قضايا جوهرية مُرتبطة بالفضاء الوطني, وبالشأن العام, من منطلق “موضوعي” ليس له إرتباط بشخص الكاتب, أو سيرته الذاتية, ولكنه يهدف لتحليل و نقد “الأفكار” المطروحة بطريقة عقلانية , وتقديم الرؤى البديلة متى ما كان ذلك متاحاً.

سُقتُ هذه المقدمة كي أتناول الحديث العجيب الذي أدلى به الكاتب الصحفي “إسحق أحمد فضل الله” في برنامج “فوق العادة” الذي تبثه قناة “الشروق”, والذي إعترف فيه بصراحة تثير الدهشة أنه يُمارس الكذب في كتاباته, مُعللاً ذلك بقوله : ( أنا مُحارِب , أُحاربُ بالكذب , والدِّين لم يُحرِّم ذلك ).

وكان الأستاذ “ضياء الدين بلال” مُقدِّم البرنامج قد أورد أمثلة لأخبار “كاذبة” نشرها إسحق في عموده حول مقتل المرحوم خليل إبراهيم, وكذلك السيناريو الذي نسجهُ من خيالهِ عن مقتل قائد أركان الحركة الشعبية عبد العزيز الحلو, وقال فيه أنَّ الأخير مات ودفن في واو، وتحدث عن جنازته ومن الذي حضرها.

وفي حوارٍ صحفيٍ سابقٍ أجاب إسحق على سؤال طرحتهُ عليه الأستاذة “لينا يعقوب” حول فقدان الأخبار التي يوردها في عموده الصحفي للمصداقية, بالقول ( لا, هذه مقصودة, هذا قتال معنوي، والمعنويات في القتال ثلاثة أرباع المعركة، في بعض الأحيان أنا أخطئ عمداً، لأني أعرف أنه نوع من الرصاص أنا جزءٌ منه، أنا إسلامي أدافع عن جيش مسلم وعن أمة مسلمة ضد عدو ).

خطورة إعتراف إسحق بممارسة الكذب لا تقفُ فقط عند “الخطيئة” الأخلاقية التي ترفضها الفطرة السليمة, بل تتعداها للإساءة “للدين”, فهو يقول بجرأة يُحسدُ عليها أن الإسلام لم “يحُرِّم” هذه الصفة الذميمة بصفة مُطلقة, بل يذهبُ أبعد من ذلك ليدَّعي أنه يتوسل بالكذب للدفاع عن دين الله, وعن أمة الإسلام.

حقيقة الأمر أنَّ أسحق لا يصدُرُ في أقوالهِ هذه عن رأيٍ خاصٍ بهِ, وإنما هو يُعبِّر عن فكرة جوهرية مُتضمنة في مبادىء و منطلقات أهل “الإسلام السياسي” وعلى رأسهم جماعة “الأخوان المسلمون”, وكذلك بعض أصحاب الأفهام الدينية السقيمة.

يقول بعض أصحاب هذه الأفهام بجواز الكذب على العدو في “الحرب” , ويستندون في ذلك إلى حديث منسوب  لأم كلثوم بنت عقبة التي قالت فيه : ( لم أسمع رسول الله (ص) يرخص في شيء من الكذب مما تقول الناس إلا في الحرب ).

ويذهب بعضهم إلى أنَّ الكذب على “الكفار” عموماً يجوز كذلك في “غير حالة الحرب” من أجل تحقيق مصلحة دينية أو دنيوية, ويستشهدون في ذلك بحديث منسوب للرسول الكريم يقول ( لم يكذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات : إثنتان منهنَّ في ذات الله عز وجل : قوله ( إني سقيم) وقوله (بل فعلهُ كبيرهم هذا) ، وقال : بينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبَّار من الجبابرة فقيل له : إنَّ هاهنا رجلاً معهُ إمرأة من أحسن الناس فأرسل إليه فسأل عنها فقال : من هذه ؟ قال أختي، فأتى سارة قال : يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، وإنَّ هذا سألني عنك فأخبرته أنك أختي، فلا تكذبيني ).

وكذلك يستندون على قصة “أصحاب الأخدود”, وينسبون إلى الرسول الكريم القول فيها ( كان ملكٌ فيمن قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك : إني قد كبرت فابعث إليَّ غلاماً أُعلمهُ السحر، فبعث إليه غلاماً يُعلمهُ، وكان في طريقهِ إذا سلكَ راهبٌ، فقعد إليهِ وسمعَ كلامهُ فأعجبهُ، وكان إذا أتى الساحر مرَّ بالرَّاهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربهُ، فشكا ذلك إلى الرَّاهب فقال له : إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر ).

“الأخوان المسلمون” يتبنون نفس المنطق, فمؤسس الجماعة “حسن البنا” يقول أنَّ (الكذب على الأعداء فريضة ) وعندما سُئل من هم الأعداء قال : كلُّ من هم خارج الصف (أي صف جماعته), وهو (أى الكذب) ما أسماهُ أحد قادتهم الكبار “محمود الصباغ” في كتابه “حقيقة التنظيم الخاص” ب (إيهام القول للمصلحة).

وتتمثل خطورة تبني “الكذب” في نهج الاخوان المسلمين في أنَّ تعريف “من هم خارج الصف” أو “الأعداء” عندهم لا يقتصرُ على “الكفار” فقط كما يقول أصحاب الرأي أعلاهُ,  ذلك أنهم يعتبرون أنفسهم في حالة “حرب” مع الجميع, حتى المسلمين, فالمُنِّظر الأول للجماعة “سيد قطب” يقول في كتابه “في ظلال القرآن” أنه ( ليس على وجه الأرض اليوم دولة مسلمة ولا مُجتمع مسلم  قاعدة التعامل فيه هي شريعة الله و الفقه الإسلامي ).

وبالتالي فإنهم في إطار معركتهم “من أجل تطبيق الشريعة وإقامة المُجتمع المُسلم” لا يتورعون في “الكذب” حتى على المسلمين, وهو ما يُفسِّر لنا تبرير إسحق للكذب عندما قال (أنا إسلامي أدافع عن جيش مسلم وعن أمة مسلمة ضد عدو) , وكذلك يُفسِّر لنا الخلفية الفكرية والفقهية التي أطلق منها الدكتور الترابي “كذبته” الكبرى عند قيام إنقلاب “الإنقاذ” عندما قال للبشير :  ( أذهب أنت للقصر رئيساً , وأذهب أنا للسجن حبيساً ).

يعتقدُ كاتب هذه السُّطور أنَّ هذا المنطق “عقيم” وأنهُ يُناقض الإسلام, وكذلك الوجدان السليم, وأنَّه لا يجوز تبرير الكذب بأية سبب, دعك من تبريره بمنطق الدين, فهذه الخصلة المذمومة يجب أن تكون “مُحرَّمة” في كل الأحوال وتحت كل الظروف, “فالإجتماع البشري” يَفْسدُ فساداً عظيماً إذا إستشرت فيه هذه الآفة, ولذلك فإنَّ القرآن الكريم نزع عن المسلم صفة “الإيمان” إذا كذب : ( إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون ).

والقرآنُ كذلك يصف الكذب بالإثم “المبين” : ( أنظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثماً مبيناً ), ويقول إنَّ الذين يمارسون هذه العادة الرذيلة لن يفلحوا أبداً : ( إنَّ الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون), ولم تتحدَّث آية قرآنية واحدة عن إباحة الكذب لأية سبب من الأسباب.

ولم يضع الرسول إستثناءاً للكذب سواءٌ في حالة الحرب أو الكذب على غير المسلمين حين قال : ( عليكم بالصدق فإنَّ الصدق يهدى إلى البر وإنَّ البر يهدى إلى الجنة وما يزال الرجل يصدقُ ويتحرَّى الصدق حتى يُكتب عند الله صديقاً وإياكم والكذب فإنَّ الكذب يُهدى إلى الفجور وإنَّ الفجور يُهدى إلى النار وما يزال الرجل يكذبُ ويتحرَّى الكذب حتى يُكتب عند الله كذاباً ).

وهو كذلك عندما سُئل ( أيكون المؤمنُ جباناً ؟ قال : نعم ، فقيل له : أيكون المؤمنُ بخيلاً ؟ فقال : نعم ، فقيل له : أيكون المؤمن كذاباً ؟ فقال : لا ) , ولم يقُل “نعم” يكون المؤمن كذاباً في زمن الحرب أو في حال دفاعه عن الأمة الإسلامية ضد العدو كما يقول إسحق فضل الله.

إنَّ الإدِّعاء بأنَّ الكذب يجوز على “الكفار” أو “أعداء الإسلام” – فوق أنهُ يُسىء للدين – فإنهُ يفتحُ الباب عريضاً لإستشراء “الفساد” بين الناس وفي المُجتمع, فالكل سيكذب, وسيقول أنهُ إنما يكذب على “أعداء الإسلام” خصوصاً بعد أن أصبحت هذه العبارة “فضفاضة” تسعُ كل من يُخالف هذا أو ذاك في الرأي.

إنَّ أهل الإسلام السياسي بمُختلف فرقهم وجماعاتهم يتقاتلون, ويُكفِّرون بعضهم البعض, فالوهابية يرون أنَّ الشيعة “الرافضة بمصطلحهم” هم ألد أعداء الإسلام, والعكسُ صحيحٌ كذلك من طرف هؤلاء الأخيرين.

وفي سوريا تقاتل جبهة النصرة ضد تنظيم داعش, وكلاهما ينظر للآخر بأنهُ عدو, وفي الصومال تقتتل حركة الشباب مع جماعة “شيخ شريف” الأقرب لفكر الإخوان المسلمين ويضعونهم في خانة “الكفار”, وهكذا لم يعُد يُعرف أين هو الإسلام الذي يقول إسحق أنهُ يدافع عنهُ بإطلاق “الأكاذيب”, فالكل يُغني على ليلاه, والخاسر الأكبر هو الدين نفسه.

وكذلك فإنَّ فتح الباب أمام إباحة الكذب في مناسبات مُعينة يُساهم – ضمن أسباب أخرى – في “إنحطاط” المُجتمع ككل لأنهُ (أى الكذب) لا محالة سيتعدى تلك المناسبات وينتشرُ ليشمل مختلف نواحي الحياة, وبالقطع سيجد كل إنسان إعتاد على ممارسة هذا السلوك تبريرٍ يُريح ضميره.

الرأيُ عندي أن يتمسك المسلمون بنبذ “الكذب” كما حثَّهم القرآن, مطلقاً, والا يفتحوا ثغرات , ولو كانت محدودة, لقبول هذه العادة “الرذيلة”, لأنها بالقطع تفتحُ عليهم أبواب جهنم, في الدنيا قبل الآخرة, وما الفارق الكبير في الإلتزام بقيمة الصدق بين مجتمعات المسلمين ومجتمعات أخرى (الغرب على وجه التحديد), إلا دليلٌ ظاهر على ما يُمكن أن يقود إليه هذا السلوك البائس من إنحطاط شامل في كل نواحي الحياة.

 
   

boulkea@gmail.com