التغيير: الخرطوم *لهذه الأسباب وقفت الحكومة مكتوفة الأيدي! * في دارفور مناطق محرّمة على قوات الحكومة! * والي شرق دارفور منع "اليوناميد" من التدخل!

هدأت الآن الأحوال في منطقة ابو كارنكا الواقعة بشرق دارفور والتي كانت شاهدة على قتال ضاري وشرس، ولمرات كثيرة،  بين  قبيلتي الرزيقات والمعاليا المنحدرتين  من أصول عربية وتعيشان في دارفور. ولايبدو ان المنطقة ستكون شاهدة على قتال جديد بين القبيلتين في القريب العاجل وذلك بسبب انشغال مقاتلي ومنسوبي القبيلتين بالاستعداد للخريف وخاصة الرزيقات الذين بدوا فعليا في التوجه الى مناطقهم التي جاءوا منها بعد ان شاركوا في القتال الأخير الذي خلف اكثر من ٢٠٠ قتيل من الطرفين بحسب مصادر محلية. 

 

غير انه تظل كل الاحتمالات واردة بشأن تجدد القتال  وبصورة اكثر ضراوة مرة اخري بعد انقضاء فصل الخريف لان أسباب النزاع ماتزال موجودة ولم يتم بترها كما ان النفوس مازالت مشحونة بروح الانتقام في العديد من مقاتلي الطرفين. وعرف النزاع على الطرفين على ” حاكورة” ابو كارنكا منذ عشرات السنين وكانت تتدخل القيادات الأهلية لوقف الاقتتال وتهدئة النفوس وكانت تنجح في ذلك.

لكن في الآونة الاخيرة صار القتال اكثر عنفا وبطشا وان عدد الضحايا يصل للمئات خلال معركة لا تستمر لساعات معدودة كما وقع في المرة الاخيرة، كما ان قادة القبيلتين فشلا في تهدئة النفوس. 

 

وفي هذا الصدد يقول الخبير في شئون دارفور والأكاديمي في عدد من الجامعات السودانية وغيرها عبد الله عبد الرسول ان قضية الرزيقات والمعاليا أصبحت اكثر تعقيدا وتشابكا وان أي محاولة لفرض صلح ” سطحي وغير مدروس” سيكون مصيره الفشل. وقال انه من الضروري جدا معرفة اسباب النزاع الحقيقية والتي اعتبرها ” ليست لغزا” ومن ثم العمل على معالجة هذه الأسباب وبطريقة تدريجية. واعتبر عبد الرسول الذي يعمل باحثا في احدى المنظمات الدولية المعنية بفض النزاعات ان ” انتشار السلاح وبكثرة شديدة وبصورة مريبة جدا في أيدي القبائل هو آس المشكلة في الصراع بين الرزيقات والمعاليا عموما والنزاع القبلي في دارفور بشكل عام.. الان من السهولة بمكان ان تجد أسلحة ثقيلة من رشاشات ومدافع وصواريخ ايضا في أيدي المليشيات القبيلة في حين ان السلاح الموجود سابقا هو الكلاشينكوف فقط”. 

 

ويضيف الخبير في شئون النزاعات الداخلية قائلا ” بحسب متابعاتي فان المعركة الاخيرة في ابو كارنكا تم استخدام عدد كبير من الأسلحة الثقيلة من مدافع ورشاشات وقاذفات قنابل فيها وهو ما أدى الى ارتفاع الخسائر البشرية وسط القبيلتين”. ويري ايضا ان ” قادة الادارة الأهلية في القبيلتين أصبحوا مصدرا من مصادر النزاع بعد ان أصبحوا يطالبون أفراد القبيلة بالمشاركة في القتال بدلا من منع المقاتلين والمتهورين بتاجيج النزاع”. 

 

وعمدت الحكومة السودانية الى تسليح بعض  القبائل العربية لمواجهة الحركات  المتمردة  والتي ينحدر اغلب قادتها وعناصرها من قبائل منحدرة من أصول أفريقية  بعد ان عجزت الاجهزة الامنية من جيش وشرطة وأمن عن مواجهة التمرد ما جعل السلاح متاحا لدى أفراد هذه القبائل. كما أغرت الانتصارات العسكرية التي حققتها قوات الدعم السريع – مليشيا قبلية شبه منظمة – السلطات المحلية في دارفور في زيادة تسليح أفراد هذه القبائل ومنح رتب عسكرية لقادتها وجعلهم جزء من المنظومة الامنية في ولايات دارفور. 

غير ان القتال بين القبائل العربية فيما بينها اصبح مثل ” شوكة الحوت” في حلق الخرطوم والتي لجات لعدة خيارات من بينها سياسة الجزرة والعصا مع قادة هذه القبائل غير ان ” الشوكة” مازالت في محلها وربما تخنق الحكومة نفسها علي غرار ما فعله زعيم قبيلة المحاميد موسي هلال والذي سلحته الحكومة السودانية وعشيرته بكل أصناف الأسلحة لقتال المتمردين لكنه انقلب عليها واستعصم  مع قواته في منطقة مستريحة بولاية شمال دارفور وجعلها أشبه بالمناطق التي يسيطر عليها قادة القبائل في أفغانستان ويمنع دخول القوات الحكومية اليها ، بل مضي اكثر من ذلك عندما طالب بمنصب في القصر الجمهوري بعد ان كان يطالب بمنصب والي ولاية شمال دارفور. 

 

وشكلت الحكومة السودانية لجنة للتحقيق  مكونة من ممثلين للاجهزة الامنية ووزارة العدل لمعرفة ملابسات وأسباب القتال الأخير في ابو كارنكا. كما شكلت لجنة بذات المستوى وبذات الصلاحيات ولنفس النزاع وفي نفس المنطقة العام الماضي غير ان اللجنة لم تصدر توصياتها حتى تم تكوين اللجنة الجديدة . وقبلها نظمت مؤتمرا للمصالحة القبلية بين ممثلين عن القبيلتين في الشهر الماضي في منطقة مروي بالولاية الشمالية ،  ومع ذلك فان القتال تجدد مرة اخري وبصورة اكثر شراسة. 

 

ويري عبد الرسول ان كل لجان التحقيق “حتي ولو كونوا مائة لجنة  لن تحل المشكلة”. وقال ان حل هذه المشكلة يبدأ بالإدارة الأهلية وليس من موظفين تدفع بهم وزارة العدل  ” اعتقد ان قادة الادارة الأهلية لهم دور كبير في حل مثل هذه النزاعات القبلية عن طريق منعهم من إشعال فتيل الأزمة اولا وإبعادهم عن أي دور سياسي يعمل لصالح الحكومة وحصر مهامهم في رعاية مصالح القبيلة. كما انه من المهم تحديد الحواكير بشكل جديد واقناع قادة القبيلتين بحل وسط لأنني لاحظت انه في مؤتمر مروي قالت الحكومة ان منطقة ابو كارنكا هي تابعة للرزيقات مع انه يقطنها في الوقت الحالي هم المعاليا.  وهذا في رأي هو حل خاطئ لانه يجعل الرزيقات يهاجمون مرة تلو الآخرى لاقتلاع ارضهم من المعاليا “. 

 

وبرزت تساؤلات على السطح عندما وقفت الحكومة مكتوفة الأيدي وهي تتفرج على القتال الأخير بين المعاليا والرزيقات مع علمها – وأي شخص اخر في دارفور –  بنية الطرفين في القتال بل انها كانت قد أكدت انها ستضع قوات عازلة بينهما لمنع القتال. وتركزت هذه التساؤلات حول لماذا لم تتدخل السلطات وتمنع الحريق؟ هل لديها مصلحة في استمرار القتال ؟ وهل الامر خرج عن سيطرتها؟ ويجيب علي هذه التساؤلات عبد الرسول عندما يقول ان الحكومة عجزت تماما عن فعل اي شي تجاه هذه المعركة ” الرزيقات في عدة ايام استطاعوا ان يعدوا اكثر من ٧ الف مقاتل ومسلحين بالاسلحة وبسيارات الدفع الرباعي وهو امر لايمكن للحكومة فعله اذا علمنا انها احتاجت لسنوات لتجمع مقاتلي الدعم السريع. واعتقد انها قدرت في حال تدخلها فستخسر المعركة وخاصة انها ستعتمد على قوات مكونة من أبناء القبيلتين او اي قبائل اخرى لان الجيش النظامي لم يعد لاعبا أساسيا في دارفور”. ويضيف عبد الرسول: ” علمنا ان والي شرق دارفور كان قد رفض مقترحا من بعثة حفظ السلام الدولية بالتدخل وتكوين منطقة عازلة لكن الوالي رفض هذا المقترح وقال ان السلطات ستحسم هذا الامر، ويبدو جليا ان الحكومة راغبة في حل النزاع لكنها فقدت المقدرة في ظل تفوق القوات القبلية على قواتها “. 

 

ويعود عبد الرسول للتذكير ان اول خطوة مهمة في اي خطة لوقف العنف القبلي بين القبيلبن وسائر قبائل دارفور هو جمع السلاح اولا ومن كل الأطراف وتركه في يد الجيش والشرطة ” اي محاولة لوقف القتال القبلي في دارفور دون سحب السلاح من القبائل وبقية المكونات الاخرى هو امر عبثي وإضاعة للوقت والجهد وصب مزيدا من النار على زيت القتال. ولابد ان يشمل سحب السلاح من الملشيات القبيلية الاخرى مثل حرس الحدود والدعم السريع وغيرها من الملشيات التي صنعتها الحكومة من أفراد قبليين. وطبعا لابد من ان تسبق عملية نزع السلاح مصالحات قبلية تقوم على أسس جديدة يكون الأساس فيها مصلحة القبائل المشتركة وليس قبائل لديها نفوذ على حساب اخرى مستضعفة”. 

 

وبحسب إحصاءات الأمم المتحدة فان عدد القتلى من المدنيين بسبب النزاعات القبيلة اصبح اكثر من تلك الناجمة عن القتال ببن القوات الحكومية والمتمردين وان عدد القتلى وصل الى عشرات الآلاف خلال السنوات الاخيرة.