محمد جلال أحمد هاشم علم الأسماء الجغرافيّة وآفّة التّخريجات الدّلاليّة والتّركيبيّة ما سنكتبه أدناه عبارة عن محاورات جرت بيني وبين عدد ربما لا يحصى من الناشطين النوبيين.

إلا أننا سوف نمثّل لها جميعاً بالمحاورة التي جرت بيني  والأستاذ الخير محمد حسن وذلك بموقع سودان فور أوول الإلكتروني

http://www.sudan-forall.org/forum/viewtopic.php?t=1937&highlight=&sid=f9c3ed315a83c81b4ebe7bfb7d450ae3

وقد دارت تلك المساجلات لفترة من الزمن، واتّصفت بالعنف الزائد من جانبي، وهو ما آسف له أشد الأسف. تلك كتابة قد سبقت منّا، وإن كنّا نأسف للهجتها العنيفة بيد أنّا نتمسّك بالحجج الواردة فيها. والآن إلى نص المساجلات. بدأـنا مساجلتنا مع الأخ الخيربأن أحلناها إلىما يمكن أن نسمّيه بالتّخريجات. من ذلك أنه يُحيل اسم “سكّوت” الذي يرد في الثّقافة النّوبيّة على أنّه اسم الإقليم الذي يقع بين إقليمي المحس وحلفا، يُحيلُه إلى نفس اسم الإقليم الذي يرد في الكتابات التّوراتيّة باسم “سكوت”؟ والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا هو كيف جاز أن نعتمد النّطق الحالي “سكّوت” أو بطريقة أصحّ “سكّود” على أنّه النّطق الأصلي؟ ذلك أننا إذا رجعنا إلى كتب التّاريخ التي تناولت هذا الاسم في أزمان مضت، مثل كتاب لويس بيركهاردت الذي زار بلاد النّوبة في عام 1813م-1816م؟ وفي الحقيقة ليست لهذا الكتاب أيّ أهمّيّة بخصوص الاسم، إذ يرد فيه كما هو في صيغته الحاليّة “سكّوت”، سوف نجد شيئاً مخالفاً لتحليله. لكن أهمّيّة هذا الكتاب تعود إلى أنّه يورد مقتطفات من كتاب لم نقع عليه في عصرنا الحديث، ألا وهو كتاب ابن سليم الاسواني عن أخبار بلاد النّوبة والبجا. وقد زار ابن سليم الأسواني بلاد النّوبة في منتصف القرن العاشر الميلادي، يعني حوالي 950م. وحتّى هذه المقتطفات أوردها بيركهاردت نقلاً عن المقريزي والذي أوردها بدوره نقلاً عن كتاب ابن سليم الأسواني. في ذلك الكتاب يذكر ابن سليم الأسواني مروره بمنطقة يُقال لها “ساكلودا” بمعنى “الحكّام السّبعة”، حيث ذهب بيركهاردت في تفسيرها إلى أنّها هي نفسها منطقة “سكّوت” الحاليّة. ولك أن تُلاحظ أن دقّة التّحليل؛ ففي زمن بيركهاردت لم يكن العلماء يعرفون أيّ شيء عن لغة اسمها اللغة النّوبيّة القديمة. فبعد ذلك التّاريخ بما مقداره قرن كامل (1913) سيقوم قريفيث بفك طلاسم اللغة النّوبيّة القديمة. فحتّى ذلك الوقت، وبخلاف كلمات مثل “ساتّي” ما كان النّاس على علم بمدلولاتها في غالبهم الأعمّ، لم تكن كلمة saay معروفة على أنّها تعني “الحاكمبالنّوبيّة. وعليه، جاز إعادة تركيب ذلك الاسم على أنّه يجري على النّحو التّالي saay-koloda، بمعنى “الحكّام السّبعة” بالضّبط كما ذكر ذلك ابن سليم الأسواني.

قد يقول قائل: وما علاقة “ساكلودا” التي مرّ بها الاسواني بمنطقةسكّوت” الحالية؟ وهل يجوز أن نتعامل مع ما قال به بيركهاردت على أنّه حقيقة مسلّم بها؟ بالطّبع لا! لكن مراجعات التّاريخ لا تقف بنا عند هذا، بل ترفد لنا بالمزيد من البيّنات التي يمكن أن تُلقي بالضّوء على تلك الفترة. في منتصف السّتينات، وضمن تنقيبات قصر إبريم بالنّوبة السّفلى، عثر العلماء على أدبيّات معتبرة باللغة النّوبيّة القديمة. ولكن تلك الأدبيّات لم تختضع للدّراسة إلاّ في منتصف السّبعينات ليخرج نتاج تلك الدّراسات في أوارخ السّبعينات وأوائل الثّمانينات. تلك هي دراسات العالم الجليل مايكل براون، التي امتدّت حتّى لحظة وفاته قبل 3 أعوام، لتتجاوز الثّمانين بحثاً وأكثر من 10 كتب. النّتيجة أنّ مجمل ما وصلنا من اللغة النّوبيّة القديمة لا يزيد عمّا مقداره 100 صفحة مطبوعة، وهذا بناءً على ما قال به براون نفسه، فليُراجع في مظانّه. في هذه الأدبيّات التي تعود إلى حوالي القرن الثّاني عشر الميلادي يرد اسم المكان “Sikkolti”، وفي صيغة أخرى ايضاً “Sikkot”. فإذا كان هذا الاسم ــــ لاحظ كيف أقول “إذا” لأنّه ليس في مقدور كائنٍ من كان أن يصدع في ثقة صمدانيّة يحسده عليها أقطاب الصّوفيّة العرفانيّين، من قبيل مت قال به أخونا الخير: “ونزلوا في سكوت ثم ارتحلوا من سكوت(منطقة أثرية في شمال السودان) ونزلوا في إيثام التي بطرف البرية ثم ارتحلوا من إيثام ورجعوا على فم الحيروث(قد تكون خشم القربة) وعبروا في وسط البحر إلى البرية وساروا مسيرة ثلاثة أيام في برية إيثام ونزلوا في مارة ثم ارتحلوا من مارة وأتوا إلى إيليم( بلدة قديمة تقع جنوب عطبرة بين نهر عطبرة ونهر النيل شرق الزيداب”. إذن نعود لمواصلة كلامنا، فنقول بأنّه إذا كان الاسم الوارد في اللغة النّوبيّة القديمة هو نفسه المقصود في رواية ابن سليم الأسواني، وهو نفسه ما نتعارف عليه الآن بإقليم “سكّوت” في وسط بلاد النّوبة النّيليّة ــــ إذا كان جميع هذا كما ذكرنا، فهو إذن يعكس لنا المراحل التي ربّما (أكرّر: ربّما) يكون قد مرّ بها اسم المكان عاليه. إذن فالنّتيجة في كلّ الأحوال ــــ كما تُشير بذلك أغلب الحالات في علم الأسماء الجغرافيّة Toponymy ــــ أنّ صيغة الاسم الحاليّة ليست عتيقة، قديمة، بل حادثة وطارفة. عليه، لا يجوز اعتماد صيغة النّطق الحاليّة كمناط احتجاج في تفسير متعلّق بحيثيّات أقدم من تاريخ الصّيغة الحاليّة.

مما يحسب لصديقنا الخير أنه قد اعتمد التّقسيم الأسري للمجموعات النّوبيّة من نيليّة، كردفانيّة، فدارفوريّة. هذا حسن، وهو اتّجاه علمي صحيح. لكن لماذا لا يأخذ بالرّأي الأغلب والأعمّ ــــ على أقلّ تقدير حتّى الآن ــــ بين علماء النوبيّات الذي مفاده أن أصل موطن النّوبيّين قبيل قدومهم إلى نهر النّيل كان بمكانِ ما بشمال غرب دارفور. وتقدّر هذه الفترة في أطول الحالات بألفين عام قبل الميلاد، يُحيلونها لوصول أوّل المجموعات لوادي النّيل، وهي المجموعة النّاطقة بلغة المحس ــــ فاديجّا، هذا بينما لم تصل المجموعة النّاطقة بلغة الدّناقلة إلاّ بعد ذلك بخمسمائة عام على أقلّ تقدير وبألف عام على أطول تقدير. وبما أنّ أغلب أمثلة أخينا الخير كانت باللغة الدّنقلاويّة، فهذا يعني أنّه يفسّر حيثيّات تاريخيّة قديمة بلغة أحدث منها. هذا يوضح كيف أن الأخ الخير واقع تحت تأثير الاعتقاد الشّائع والخاطئ في نفس الوقت الذي يزعم بأنّ اللغة المرويّة التي كان يتكلّم بها الملوك من قبيل كاشتا وشبتاكا وبعانخي (أو في صيغة أخرى: بييِ)، وترهاقا إلى آخر السّلسلة، أنّها هي نفسها اللغة النّوبيّة التي نتكلّمها الآن. هذا هو الفهم العامّي وغير العلمي الذي شاع بين العامّة حتّى سكت عنه العلماء خشية تخييب ظنّ العامّة فيهم. نعم هناك صلات، وصلات قويّة بين النّوبيّة وبين المرويّة، وهي صلات آخذة في الازدياد بخاصّة بعد إسهامات كلود ريلي (وينطق: قيلي) وآخرين. ولكن، لا تزال تلك البحوث في مراحلها الأولى، ولا يمكن معها استخلاص أنّ اللغة النّوبيّة القديمة هي نفسها اللغة المرويّة. ولكن يا صديقي هذه ليست نهاية المعلومات التي تهبّ رياحها بغير ما تشتهي. فحتّى إذا ثبت أنّ اللغة المرويّة على علاقة باللغات النّوبيّة (لاحظ: أقول باللغات النّوبيّة(، فهذا لا يعنى إلاّ كونها واحدة منهنّ، أو هي والدة إحداهنّ على أن تُحدّدتالإحداهنّ” هذه بعد الاكتشاف، بنفس القدر الذي قام قريفيث بتحديد كون النّوبيّة القديمة المكتشفة حتّى الآن والدة اللغة المحسيّة، دون الدّنقلاويّة، أو الميدوب أو الأجانق (جبال النّوبة).

مما نأخذه في آراء صديقنا الخير أن أغلب ما يصدع به يأتي بشكل جازم وقاطع كأنّما هو أمر اتّفق عليه النّاس، بينما هو في الواقع لا يعدو كونه مجرّد تخريجات قدح بها الهوى. فأيّ معرفة بأبجديّات علم اللسانيّات سوف يكشف لنا علاقات اللغات بعضها ببعض، أو عدم قرابتها بعضها ببعض، من قبيل انتماء اللغة العبريّة إلى مجموعة اللغات الأفريقيّة الأسيويّة Afro-Asiatic، وهي نفس المجموعة التي تنتمي إليها اللغة المصريّة القديمة (والدة اللغة القبطيّة)؛ هذا بينما تنتمي اللغات النّوبيّة ومعها اللغة المرويّة ولغات الدّينكا والنّوير والشّلك والدّاجو والفور والزّغاوة وغيرها كثير، إلى المجموعة النّيليّة الصّحراويّة Nilo-Saharan. وما يهمّ هنا أنّه لا توجد أيّ علاقة بين المجموعتين: الأفريقيّة الآسيويّة من جانب والنّيليّة الصّحراويّة من الجانب الآخر هذا ما تقول به أبجديّات علم اللسانيّات ما لم يأتِ رأي ينقض ذلك.