د. ناهد محمد الحسن يهتم عادة كتّاب التاريخ بتدوين الحياة السياسية والتي تركز على الأجواء التي أنشأت الأمم والحضارات والتي أدّت لإنهيارها...

أزور البجراوية والمصورات الصغرى لأقف على حقبة زاهية من التاريخ السودني الإنساني..الملوك العظام الذين حكموا حتى أشور وبابل..ولكن قليل جدا من التوثيق للحياة الإجتماعية والثقافية التي صنعت الحضارات النوبية القديمة ونتجت عنها…كلّما أحتاجه لأعي هويتي وتاريخي…ذلك التاريخ الذي في العادة يحاول البعض قصره على دخول العرب السودان…وربط القيم الإيجابية السودانية الأصيلة بذلك الوافد وكأننا كنا بلا تاريخ وبلا قيمة قبل تلك اللحظة!..

حين حلّت بركة الإسلام على جزيرة العرب ..أضاف الإسلام للمنظومة القيمية العربية قيم المساواة والعدالة بمفهوم جديد..وكما جزيرة العرب كان بها من قيم النخوة والإجارة والكرم وغيرها من قبل ظهور الإسلام..كانت أرض النوبة المباركة في السودان في وافر قيمها وأخلاقها..وقد قيل عنها انها  من أوائل الأماكن التي عرفت عبادة التوحيد…اقرأ معي وصية جدنا خاليوت (أو ؛ كاليوت) بن بعانخي(بايي)..لأحفاده القادمين :( إنني لا أكذب، ولا اعتدي على ملكية غيري

ولا ارتكب الخطيئة، وقلبي ينفطر لمعاناة الفقراء، إنني لا اقتل شخصاً دون جرم يستحق القتل، ولا أقبل رشوة لأداء عمل غير شرعي، ولا أدفع بخادم استجارني إلى صاحبه، ولا أعاشر امرأة متزوجة، ولا انطق بحكم دون سند، ولا انصب الشراك للطيور المقدسة، أو اقتل حيوانا” مقدسا”، إنني لا اعتدي على ممتلكات المعبد (الدولة)، بل أقدم العطايا للمعبد، إنني أقدم الخبز للجياع، والماء للعطشى 

والملبس للعري، افعل هذا في الحياة الدنيا ، وأسير في طريق الخالق، مبتعدا عن كل ما يغضب المعبود، لكي ارسم الطريق للأحفاد الذين يأتون بعدي، في هذه الدنيا والى الذين يخلفونهم والى الأبد)..

يقال ان خاليوت كان رجلا زاهدا..اعتكف بمعبد البركل وترك وصيته المنحوتة على حجر الجرانيت بباب المعبد ماعرف بمسلّة خاليوت..وقد رصد فيها مفهومه الديني العقدي عن الأخلاق..والتي ابتدرها بالتخلي عن الكذب أكبر الكبائر..والإعتداء والظلم للإنسان والحيوان..والإنتصار لقيم التعاطف والتراحم والبزل والعطاء وعفة اليد لأنه يؤمن بالحياة بعد الموت والتي يود ان يستعد لها برفيع الخلق..

ومما يتضح اعلاه فإن قيم العطاء والإجارة قيم راسخة في تاريخ هذا الشعب ولم تأتي مع سنابك الخيول العربية لهذه الأرض..يبرأ خاليوت الى الله من المال العام والإعتداء على مال الغير وهو ابن رجل يعد من أعظم الملوك النوبيين في التاريخ..ويلتزم جانب القضاء العادل ويطلب البينة في الحكم…ويعي حقيقة انه مثل أعلى بإعتباره قائدا وأب عليه ان يكون اكثر صرامة مع نفسه ليرشد احفاده القادمين…ذكر الأب جيوفانى فانتينى في كتابه ( تاريخ المسيحية فى الممالك النوبية القديمة والسودان الحديث) ، عن سلوك ملوك النوبة وتدينهم وتواضعهم..وقد توقف عند تلك الحادثة التي جلبت إبني مروان الهاربين من بطش بني أمية لمملكة النوبة طمعا في انشاء مملكة أخرى..يقول فانتيني( ومما يحكى عن تواضع ملوك النوبة ذلك الحوار الذى تم بين الملك وإبنى مروان عندما هربا من بنى أمية إلى النوبة بقصد تأسيس مملكة هناك. وقد ذكر عبد الله بن مروان فى حديث له أمام الخليفة قصة ذلك الحوار وقال : قدمت أرض النوبة بأثاث سلم لى فإفترشت بها وأقمت ثلاثة فأتانى ملك النوبة وقد خبر أمرنا فدخل علىّ رجل أقنى طوال حسن الوجه فقعد على الأرض ولم يقرب الثياب فقلت: ما يمنعك إن تقعد على ثيابنا ؟ فقال: لأنى ملك وحق على كل ملك أن يتواضع لعظمة الله إن رفق.. ثم قال لى : لم تشربون الخمر وهى محّرمة عليكم ؟ قلت : أجزأ على ذلك عبيدنا وأتباعنا لأن الملك زال عنا.. قال: فلم تطؤون الزروع بدوابكم والفساد محّرم عليكم فى كتابكم ؟.. قلت : يفعل هذا عبيدنا وأتباعنا بجهلهم.. فلم تلبسون الديباج والحرير وتستعملون الذهب والفضة، وذلك محّرم عليكم ؟.. فقلت : ذهب الملك منا وقلّ أنصارنا فإنتصرنا بقوم من العجم دخلوا فى ديننا فلبسوا ذلك على الكره منا.. قال : فأطرق ملياً وجعل يقلب يديه وينكث فى الأرض ويقول: عبيدنا وأتباعنا دخلوا فى ديننا وزال الملك عنا.. وردد هذا مراراً ثم قال: ليس ذلك كما ذكرت بل أنتم قوم إستحللتم الله ما حرّم عليكم وركبتم ما عنه نهاكم، وظلمتم فيما ملكتم فسلبكم الله العز وألبسكم الذل بذنوبكم، ولله فيكم نقمة لم تبلغ بعد غايتها، وأخاف أن يحل بكم العذاب وأنتم ببلدى فيصيبنى منكم ، وإنما الضيافة ثلاثة أيام فتزودوا لما إحتجتم إليه وإرتحلوا عن بلدى)..

هؤلاء هم ملوك النوبة..وهذا نذر يسير من سيرتهم.. التي طمست معالمها بقصد ودون قصد..فهل نحن بحاجة مع هكذا تاريخ لإستيراد الحكايات والأنساب..؟! هؤلاء أهلي ..وأنا أتشرف بهم..