خالد فضل " كم من مظاهرة سلمية لسودانيين  قوبلت بالقنّاصة والرصاص والارهاب من أجهزة السلطة الاسلامية التي يتظاهر مؤيدوها في الخرطوم بكل حرية منددين بأحكام قضائية في بلد آخر لأنّها طالت رفاقهم في التنظيم الاسلامي العالمي"

 لا أجد مسوغا أخلاقيا للتهليل أو الفرح باصدار أحكام الإعدام ضد الرئيس المصري المخلوع د. محمد مرسي وقيادات تنظيم الإخوان المسلمين في مصر , ذلك أنّ عقوبة الإعدام نفسها تعتبر في أدبيات حقوق الانسان من العقوبات القاسية واللا انسانية التي يجب التخلص منها , كما أنّ هذه العقوبات الجنائية اًستخدمت في هذه الحالة في قضية ذات طبيعة سياسية مما يلقي بظلال من الشك المعقول حول نزاهتها وعدالتها , وتعيد للذاكرة أحكاما كثيرة بالإعدام نفذّ بعضها بالفعل ولم ينفذ بعضها في السودان , فمن ذاكرة الوجع السوداني , إعدام الشهداء من قيادة الحزب الشيوعي السوداني في مذبحة العام1971م وعلى رأسهم الأستاذ عبدالخالق محجوب السكرتير العام للحزب وقتذاك . وكانت التهم سياسية محضة تتعلق بالانقلاب على سلطة مايو الانقلابية نفسها من عجب ! وهو ذات السيناريو الذي تكرر في مذبحة شهداء حركة رمضان من ضباط القوات المسلحة السودانية بقيادة الشهيد محمد عثمان حامد كرار , وعلى يدي ذات القيادة الحالية للحكومة السودانية برئاسة عمر البشير , وساعتها كان د. حسن الترابي هو عرّاب السلطة الانقلابية الجديدة . وكانت حادثة إعدام الأستاذ الشهيد محمود محمد طه في عام 1985م بذريعة دينية تتعلق بالردة عن الدين الاسلامي , فيما كانت التهمة الأصلية التي اعتقل بموجبها تهمة سياسية من الطراز الأول تتعلق بتقويض ومعارضة السلطة الاستبدادية , وهكذا في ضباط حركة سبتمبر 1975م , وحركة يوليو1976م بقيادة المرحومين الشهيدين حسن حسين عثمان ومحمد نور سعد على التوالي , وغيرها من إعدامات كثيرة نفذتها سلطة مايو الديكتاتورية , وسلطة الانقاذ المستبدة باسم الدين , وهنالك أحكام بالإعدام نفذت مؤخرا في بعض منسوبي حركة العدل والمساواة السودانية على خلفية محاولة قوات الحركة اقتحام العاصمة وتحريرها من قبضة الديكتاتورية الانقاذية , وهنالك الآن أحكاما بإعدام صادرة ضد قيادات حزب الحركة الشعبية لتحرير السودان على رأسهم السيد مالك عقار رئيس الحزب والتهمة السياسية الواضحة التي صدرت بموجبها تلك الأحكام القاسية هي مقاومة هؤلاء القادة لهيمنة وديكتاتورية واستبداد طغمة الانقاذ .

إذن لدينا في السودان سجل مخز من شاكلة هذه الأحكام البائسة باعدام البشر  بسبب الاختلاف السياسي , ودوننا ما نلحظه من تواتر عقوبة الإعدام كأحد العقوبات للتهم التي توجه لكل صاحب موقف سياسي مناهض لسلطة اسلاميي السودان المستبدة , فالصادق المهدي زعيم حزب الأمة عندما اعتقل قبل فترة على خلفية توجيه انتقادات لممارسات مليشيات الجنجويد المنتهكة لحقوق الانسان كان من ضمن التهم التي وجهها له جهاز الأمن تهما تصل عقوبتها للإعدام , وابراهيم الشيخ رئيس حزب المؤتمر السوداني كذلك , والناشط المدني عادل بخيت , وقسيسان تجري محاكمتهما الآن بالخرطوم بحري , بل حتى الطلبة الجامعيين المعتقلين والنشطاء المدنيين والسياسيين كلهم يقتادهم جهاز الأمن الى المحاكم بتهم تصل عقوبتها للإعدام , حتى صارت مفردة الحكم بالإعدام معتادة ولا تلفت الانتباه وفي ذلك تطبيع للقسوة ما بعده تطبيع , وامعان في انتهاك حقوق الانسان بل حقّه الأساسي في الحياة مما لا يعدوه انتهاك . هذه هي زوايا النظر الدقيقة في تقديري , التي ينبغي النظر من خلالها الى تلك الأحكام المصرية ضد جماعة الإخوان , أي زاوية المبدئية ضد تلك العقوبة القاسية أصلا , وزاوية الغطاء السياسي الذي تصدر فيه تلك الأحكام تنفذ أو لم تنفذ. فهل في وعي أولئك الذين احتشدوا أمام مقر الأمم المتحدة بالخرطوم للتنديد بما جرى في مصر شئ من هذه المبدئية ؟ أم هي عصبية التنظيم ؟ أم هو تعبير عن الموقف الرسمي الذي تخشى سلطة الاسلاميين في السودان التصريح به لحسابات تتعلق بالسياسة ومصالح الاستمرار في السلطة  وليس لمبدأ أو أخوة  الاسلام المزعومة ؟ خاصة وأنّ حركة الاسلاميين بشقيها (حزب المؤتمر الوطني السلطوي والمؤتمر الشعبي الذي كان منشقا عن السلطة لفترة 14سنة قبل أن يعود الى مواددتها مؤخرا) كلاهما وعبر بعض قياداتهما كانا قد شاركا من قبل في مظاهرة مأذونة من السلطات الأمنية وتحت حمايتها ورعايتها تتطالب وقتذاك باعادة الشرعية لمحمد مرسي إثر استيلاء السيسي على السلطة في عملية مختلطة بين الانقلاب والثورة الشعبية , وهاهم الآن وعلى وقع ما يسمى بحوار الوثبة يأتلفان مجددا في الشارع ضد أحكام الإعدام !وفي مظاهرة مدبّرة دون شك و نحن نعيش في واقع استبداد مجرم يحرم كافة حقوق الانسان وعلى رأسها حق التعبير والتنظيم , وكم من وقفة احتجاجية سلمية تم فضّها بالكرباج والبمبان والاعتقال , وكم من مظاهرة سلمية قابلتها السلطة بالقنّاصة والرصاص والقتل بدم بارد , وجميعها كانت من مواطنين سودانيين أرادوا التعبير السلمي كأحد حقوقهم الدستورية والانسانية , قوبلت بعنف وقسوة وارهاب من أجهزة السلطة الاسلامية السودانية التي يتظاهر مؤيدوها في شوارع الخرطوم بكل حرية منددين بأحكام قضائية في بلد آخر لأنّ تلك الأحكام طالت رفاقهم في التنظيم الاسلامي العالمي , بينما قصف الطائرات للمواطنين السودانيين في جبال النوبة السودانية والنيل الأزرق ودارفور لا يثير عاطفة الاسلاميين الجيّاشة ! فتأمل فيمن يحكمونك يا شعب السودان وليس لديهم أدنى عاطفة انسانية تجاه مأساتك ؟ إنّ للمستعمرين الأجانب عاطفة تجاه من يستعمرون من الشعوب , وبهم رأفة تجاه رعايا مستعمراتهم , إنّ المستعمر الانجليزي لم يرسل طائراته لدكّ القرى في الجبال , ولم يطلق يد جنجويده لحرق القطاطي في دارفور , المستعمر الأجنبي لم يزعزع أمن ملايين المواطنيين وجعلهم غرباء في وطنهم يعيشون على هبات واغاثات العالم في معسكرات اللجوء والنزوح , ولم يبد المستعمر مجموعات ولم يمارس التطهير العرقي ضد آخرين , ومع ذلك يوصف بالاستعمار البغيض ! فما الوصف الذي يناسب ما فعله اسلاميو السودان في شعبهم ؟؟