* لماذا يُكثر النوبيون الاستشهاد بالملوك العظام أمثال بعانخي وترهاقا دون ملوك الفترة المسيحية؟  * اللغة التي كان يتكلّم بها الكوشيّون من أهل حضارة كرمة مجهولة ولا نعرف عنها حرفاً واحداً! * كلّما بعُد النّوبيّون عن تراثهم ولغتهم وأرضهم، كلّما عوّضوا ذلك بالمزيد من الانغماس في التّفكير الرّغبوي  

محمد جلال أحمد هاشم

علم الأسماء الجغرافيّة وآفّة التّخريجات الدّلاليّة والتّركيبيّة

كان لا بد لنا من أن نتعرض للثقة “الجازمة” التي صدع بها أخونا الخير، خاصّة الجزء المتعلّق بتفسيره وتخريجه لكلمة “كلتوس” التي ذهب إلى إنّ أصلها “كلوت” ليزيد بعد ذلك بقوله إنّ “أوس” لاحقة أضافها الإغريق. دعونا نقرأ له: “… توجد بلدة أخرى تسمى حالياً (كلتوس) وأصلها: كلوت أو كلد، أما (أوس) فهي لاحقة رومانية أضيفت مؤخرا. أما عن سكوت، فأكن لرأي سيادتكم كل احترام وتقدير مع اعتقادي الجازم أكرر(الجازم) أن البلدة التي صعد اليها بنو اسرائيل (في اتجاه الجنوب) بعد أن حررهم موسى عليه السلام من عبودية المصريين هي بلدة سكوت (المحس). وأسالك (يوجه السؤال لشخصي الضعيف): أي سكوت هذه التي تقع جنوب مصر ولم تكن سكوت المحس؟ أرى أنه من المستحسن ان نحترم الحقيقة حتى ولو تعارضت مع موروثنا الثقافي”.

المشكلة في مثل هذه الآراء أنها تنطلق من حالة أقرب إلى التحوصل في لغة واحدة من اللغات النوبية. فالأخ الخير، مثلاً، زعم أنّ لغة الأنبياء هي نفسها اللغة النّوبيّة ــــ ولكن أيّ لغة لغة نوبيّة؟ إنّها بالطبع اللغة الدّنقلاويّة التي هي لغة الأم بالنّسبة للأخ الخير. وهذه مشكلة كثيراً ما نواجهها بين النوبيين. فلمجرّد أنّ الشخص المعني يتكلّم، مثلاً، الدّنقلاويّة، تصبح هذه اللغة هي مركز الكون والتّاريخ، مبتداه ومنتهاه. والأمر نفسه بالنّسبة للعديد من النّوبيّين أكانوا من المحس أم من السّكّوت أم حلفا أم جبال النّوبة إلخ. لكن ماذا عن الرّأي القائل بأن هبوط هذه اللغة إلى وادي النّيل من أقاصي غرب وشمال دارفور لا يعدو الثّلاثة آلاف سنة؟ قد لا يكون هذا التّقدير صحيحاً، وقد يكون صحيحاً؛ فهذا لا يهمّنا. ما يهمّنا أنّك ينبغي أن تتعرّض لهذا الرّأي طالما يتناقض مع ما تذهب إليه.

في هذا الصدد نرى لزاماً علينا أن نرفع جملة الأسئلة التالية: لماذا يُكثر النوبيون الاستشهاد بالملوك العظام أمثال بعانخي وترهاقا دون ملوك الفترة المسيحية بالرغم من أن صلتهم بالأخيرين مؤكدة على عكس علاقتهم بالمجموعة الأولى؟ وإذا لم يكن هؤلاء الملوك (ترهاقا وبعانخي) نوبيّين، فهل هم أقدم أم أنّهم أحدث من النّوبيّين؟ في هذا الصدد تكثر استشهادات الكثير من النوبين بكلام منسوب لشارل بونيه نقلاً عن التّلفزيون السّيويسري. في الحقيقة هو لم يكن يتكلّم عن المرويّين السّابقين للنّوبيّين فحسب، بل كان يتكلّم عن الكرميّين، أي الكوشيّين السّابقين للمرويّين بألفي سنة على أقلّ تقدير. وبالطبع المعروف عن تلك الفترة أنّ اللغة التي كان يتكلّم بها الكوشيّون من أهل حضارة كرمة مجهولة ولا نعرف عنها حرفاً واحداً دع عنك المرويّة التي نعرف عنها الحروف والأشكال الكتابيّة والعديد من النّصوص دون أن نتمكّن حتّى الآن من فكّ طلاسمها. أمّ اللغة النّوبيّة القديمة التي جاءت بعد ذلك بكثير (والتي اعتُبرت الأم المباشرة للغة المحسيّة ـ فاديجّا، وليس غيرها من فروع اللغات النّوبيّة كالدّنقلاويّة أو الأجانق بالجبال أو الميدوب أو البرقد بدارفور) فقد حُلّت طلاسمُها قبل 100 عام بالضّبط. فهل تعني يا صديقي أنّك تقوم بتحليل حركة التّاريخ منذ فجر الضّمير عبر وسيط اللغة النّوبيّة الدّنقلاويّة والتي لا نعرف لها ماضياً أقدم من 100 سنة فقط وذلك بالاعتماد على تفسير تسيلارز (1928) لكلمة oshkiin التي وردت في مخربشة على أنّها تعني اللغة الدّنقلاويّة، وهو ما اعتمده فيما بعد براون في قواموسه (1996). ولكنّا بخلاف ذلك لا نعرف أيّ شكل أو وجه لهذه اللغة والتي كانت تختلف عن لغة أهل نوباتيا أو المريس حسبما ذكره الأسواني؟

إن أكثر ما يصدع به النوبيون يجوز تصنيفه على أنه تخريج. وهذا شيء قد سبقهم فيه بعض علماء الآثار في الفترة الأولى، لكن ليس بعدها بالمرة. وأعتقد أننا جميعاً قد سمعنا بعالم الآثار الجليل آركيل Arkellالذي اشتُهر بالتخريج، هذا مع ريادته للسّودانويّات (أي الدّراسات السّودانيّةSudanistics ). فقد أُثرت عنه العديد من التّخريجات التي أدّت في النّهاية إلى توليد مصطلح Arkellology وذلك مقابل مصطلحArchaeology . كذلك ورد عن أخينا الخير زعمه بأن “… مدينة عبري في شمال السودان: الاسم القديم هو (أبرتي ــــabirti ). ولا ندري هل هذا مجرّد تخريج مرسل، أم أنّه تحليل استند على مؤشّرات ودلائل؟ ترى هل هناك أيّ إفادة إثنوغرافيّة، من قبيل رأي قال به أهل المنطقة نفسها؟ ثمّ ماذا عن رأي أهل المنطقة الذين يروون أنّ اسم Abri  يعني “الاستراحة، وأنّها كانت، ولا تزال تتوسّط المسافة بين فرص ودنقلا، فضلاً عن عقبة عكاشة شمالاً وعقبة أبصارة جنوباً؟

المعروف أن اللغة المرويّة أقدم من اللغة النّوبيّة؛ ومع هذا اللغة المرويّة نفسها غير قديمة إلى مستوى أن نتّخذها وسيطاً لاستكشاف مجاهل التّاريخ القديم، بل هي في الواقع غير مفهومة بما فيه الكفاية لاستكناه نصوصها العديدة، إذ لم تُفكّ طلاسمُها حتّى الآن. ثمّ هناك لغة أقدم من اللغة المرويّة هي لغة حضارة كرمة، والتي لا نعلم عنها حرفاً واحداً، ولا كلمةً واحدة. لكن اللغة القديمة التي هي أقدم من هذه اللغات جميعها (طبعاً من حيث وقوعنا على وثائق منها) هي اللغة المصريّة القديمة. وهذه اللغة لا علاقة لها لا من قريب ولا من بعيد باللغة المرويّة، دع عنك اللغة النّوبيّة القديمة. فالمصريّة القديمة، كما أشرنا إلى ذلك أعلاه، تنتمي لأسرة اللغات الأفريقيّة الآسيويّة، ومنها المجموعة السّاميّة؛ هذا بينما اللغتان المرويّة والنّوبيّة القديمة تنتميان إلى مجموعة اللغات النّيليّة الصّحراويّة. هذه أبجديّات علم اللسانيّات، ممّا ينبغي لطلبة الصّفّ الأوّل جامعي أن يُلمّوا به. عليه، من يجهل هذا، يستحيل عليه أن ينجح بأن يغوص فيما هو أعمق، من قبيل استخدام إحدى هذه اللغات لاستكشاف التّاريخ.

ثم هناك مشكلة أخرى، ألا وهي استخدام البعض لمصطلح “اليهروقليفية” على أنه يعني “اللغة”. فكلمة هيروقليفية تعني في الواقع “كتابة التصاوير”. فهي وسيلة كتابة كُتبت بها اللغة المصريّة القديمة مثلما كُتبت بها اللغة المرويّة فيما بعد (لاحظ: فيما بعد ــــ وليس فيما قبل) بآلاف السّنين. عليه، لا يجوز لأي شخص أن يصبح حالماً لدرجة أن يأمل في أصلٍ نوبيّ لكلمات مصريّة قديمة من عصر الأنبياء ــــ هذا إذا كان في مقدور العلم أن يعالج مسألة عصر الأنبياء، وكم عمّر الواحد منهم إلخ، وهذا جميعه مما تطرق له أخونا الخير. المنطقي هو أن نأمل في الوقوع على أصل مصري قديم (وإغريقي أيضاً ــــ لاحظوا: إغريقي بالرّغم من حداثة هذه اللغة والتي هي قطعاً أقدم من النّوبيّة من حيث الوثائق التي وصلتنا من كلّ واحدة على حدة) للعديد من الكلمات النّوبيّة وليس العكس. فإذا كنا نبحث عن لغة قديمة بهذا المستوى، فعلينا باللغة المصريّة القديمة، وليس اللغة المرويّة التي كان يتكلّم بها ناس بعانخي وترهاقا وشبتاكا وغيرهم من قبيل ملوكنا العظام. فإذا علمنا بأنّ اللغة المرويّة أقدم من اللغة النّوبيّة القديمة من حيث وقوعنا على وثائق بشأنها، انتفى عندنا أيّ سبب لاتّخاذ أيٍّ من اللغات النّوبيّة الحديثة وسيطاً لاستقراء التّاريخ القديم. فإذا كانت اللغة النّوبيّة القديمة لا تشفع لنا في هذا، فاللغات النّوبيّة الحديثة ستكون أعجز بالتّأكيد. ولهذا لا يجوز لأي شخص نوبي أن ينطلق من لغته التي يتكلم بها الآن كيمت يقوم بتفسير التاريخ القديم السابق لألف سنة من الآن.

وحتّى لا يُماري النّاس فيما أثبته العلماء قبل 100 عام من الآن، سأقوم بكتابة جزء يسير من نصّ بالنّوبيّة القديمة مأخوذ من النّصّ الذي عُثر عليه في دنقلا العجوز

 See: Browne, G.M. 1989. Literary Texts in Old Nubian. Wien-Modling. P. 73

وهو عبارة عن نصّ مأخوذ من المزمور رقم 103. وسأقوم بكتابة النّصّ بالحروف اللاتينيّة. ما أرجوه من القراء أن يتأمّلوا النّصّ جيّداً ليأخذوا فكرة عمّا أعنيه باللغة النّوبيّة القديمة، التي أشرتُ إلى أنّ العلماء يرون أنّها والدة المحسيّة ــــ فاديجّا. ولتلاحظوا كيف تستغلق معانيها على متكلّمي المحسيّة اليوم، دع عنك متحدّثي الدّنقلاويّة أو الميدوبية أو الأجانق إلخ:

orpilloo eitin aelka pissilgirkera, ngoeilloo eitin konjka tonjnjilgirkera, paruulloo eitin aelka turgirkera

كما ألفت انتباه القراء إلى أن الحرف P يمكن أن يُنطق F، مثل orpilloo، يمكن نطقها orfilloo وهكذا دواليك، مثلما أوضحت أنت في مثال fenti المحسيّة ونطقها الدّنقلاوي benti. بالطّبع يمكنك الاستعانة بكتاب المزامير من العهد القديم لفهم النّص. وعلى أيّ حال جاءت ترجمة براون للنّصّ على النّحو التّالي:

Wine makes the heart of man rejoice; oil makes fair the face of man; bread makes secure the heart of man

وتجوز ترجمة القطعة على النّحو التّالي:

الخمرُ تجعلُ صدرَ المرءِ منشرحاً؛ والدّهنُ يجعلُ وجهَ المرءِ مؤتلقاً: والخبزُ يجعلُ قلبَ المرءِ آمناً

لكم ظللنا نكتب ونكتب في المواقع النوبية ثم نكتب حتّى كلّت يدانا وكلّمتنا في سبيل تخليص النوبيين من أوهام التخريج. لقد صار النّوبيّون ومنذ عقود وعقود أضحوكة مجالس علماء الدّراسات النّوبيّة Nubiology، وذلك للبهلوانيّات اللسانيّة التي ما فتئ المتعلّمون منهم يقومون بتخريجها، من قبيل أن اسم الفرعون (توت عنخ آمون) بالنّوبي هو (تود آنجِنْ أمن)، وأنّ اسم الأرجنتين مكوّن من كلمتين (أَرِج) بمعنى اللحم، و(تيي) بمعنى البقر، بما يعني (لحم البقر)، إلى آخر التّرّهات التي تجعل البقر فعلاً ينكفئ على قفاه من الضّحك سخريّةً واستهزاءً. وهذا ما لا أن نقبله بالمرّة من النّوبيّين، أكانوا من حلفا، أم من السّكّوت، أم من دنقلا، أم من جبال النّوبة، أم من الميدوب. لم تنفع الكتابات في هذا الشأن لسبب بسيط، ألا وهو أن أغلب النوبيين يجعلون من ذواتهم مركزاً لحركة التّاريخ والكون، وبالتالي عادةً ما ينحون لشخصنة الموضوع من قبيل اتهامنا بكراهتنا للهوية النوبية وما شابه من لغات وخلافه. وبالطّبع هذه ليست المرّة الأولى ولا الأخيرة التي يتّهمنا فيها بعض النّوبيّين بكراهيّة هذه اللغة النّوبيّة أو تلك، أو حتّى بكراهيّة اللغات النّوبيّة جميعها وكراهيّة النّوبيّين كلّهم. ولكن ما أكرهه حقّاً هذه الشّوفينيّة والنّرجسيّة المضادّة؛ فهي عندي مؤشّر لتراجع الوعي النّوبي البنّاء، ومؤشّر إلى حالة التّدهور والانتحار الثّقافي عند النّوبيّين. فكلّما بعُد النّوبيّون عن تراثهم ولغتهم وأرضهم، كلّما عوّضوا ذلك بالمزيد من الانغماس في التّفكير الرّغبوي وفي الاستغراق في الذّات ومفارقة كلّ مناهج التّفكير السّليم.