التغيير : الجزيرة لم تفلح الرقابة القبلية التي ظل يطبقها السودان منذ سنوات على الصحف اليومية كإجراء قلّ مثيله في إغلاق باب مصادرتها أو إيقافها أو تعليق صدورها لمدد متباعدة.

وظل سيف المصادرة بعد الطبع وأوامر الإغلاق لأجل غير مسمى يطارد الصحف بسبب ما تراه السلطات الأمنية مساسا بالأمن القومي والاجتماعي، مما جعل الأزمة بين الطرفين تراوح مكانها.

وجاء قرار تعليق أربع صحف سياسية عن الصدور طارحا معه عدة أسئلة عن قانونية الإجراء وشرعيته، بل دستوريته في ظل إعلان حكومي متكرر عن رفع الرقابة بشقيها القبلي والبعدي والاحتكام للقضاء في قضايا النشر.

وكان جهاز الأمن صادر عدد الاثنين الماضي عشر صحف سياسية قبل أن يقرر بعد ذلك تعليق صدور أربع منها لأجل غير مسمى، في تكرار لاستخدام قرار التعليق كإجراء تأديبي على نشر أخبار يرى الجهاز أنها “كاذبة”.

وكانت الصحف الأربع وأخواتها نشرت الأحد الماضي خبرا ذكرت فيه أن طلابا يتعرضون لتحرش واغتصاب في مركبات الترحيل أثناء نقلهم من وإلى مدارسهم، الأمر الذي استنكره جهاز الأمن لكونه جاء “مطلقا دون تحديد واقعة بعينها”.

وعلى الرغم من تباين الآراء حول المعلومات التي نشرت، فإن القرار دفع صحفيين لتصعيد موقفهم الرافض له ولكافة الإجراءات التي وصفوها بالتعسفية، مشيرين إلى أن الرقابة إجراء غير دستوري أو قانوني.

ويعتبر قانونيون أن الإجراءات التي تتبعها الحكومة السودانية مخالفة للدستور وكافة القوانين والمواثيق المحلية والدولية.

وتتباين رؤى متابعين للقرارات، فمنهم من يشير إلى تعديها على مجمل حرية التعبير، ومنهم من يعتقد أنها ردة فعل لتهديد بعض الصحف للأمن والسلم الاجتماعي في البلاد.

مستشار وزير الإعلام السابق وعضو المكتب القيادي لحزب المؤتمر الوطني الحاكم ربيع عبد العاطي يشير إلى جنوح الصحف إلى نشر أخبار وموضوعات دون التأكد من مصادرها “رغم أن لبعضها تأثيرا كبيرا على الأمن الاجتماعي في البلاد”.

غير أن الخبير القانوني نبيل أديب يرى عدم دستورية القرارات المتخذة بحق الصحف، لافتا إلى قرار سابق للمحكمة الدستورية 2014 بعدم جواز تعليق الأمن صدور أي صحيفة. وأكد للجزيرة نت أن مبررات تعريض الأمن الاجتماعي للخطر لا يشكل مسوغا لإيقاف أو تعليق الصحف.

بينما يشير رئيس تحرير صحيفة الأيام المستقلة محجوب محمد صالح إلى عدة جهات تعمل على رقابة الصحف مثل مجلس الصافة ووزارة الإعلام ولجنة أخلاقيات المهنة، “لكنها تتقاصر أمام سطوة جهاز الأمن”.

ويؤكد أن ما يجري “هو تكسير لمؤسسة كاملة وإجهاض لدورها تماما”، لافتا إلى معاقبة الصحف بأثر رجعي وفق خطوات يتخذها جهاز الأمن لا علاقة لها بالقانون “ولا معقب عليها”. وقال إن ما يحدث هو “رقابة بعد بعدية بأحكام إيجازية خارج إطار القضاء”.