خالد فضل      "الأمير لا يستهدف شيئا غير الحرب وتنظيمها وطرقها , وعليه ألا يفكر أو يدرس شيئا سواها , إذ أنّ الحرب هي الفن الوحيد الذي يحتاج اليه كل من يتولى القيادة "

(الأمير لا يستهدف شيئا غير الحرب وتنظيمها وطرقها , وعليه ألا يفكر أو يدرس شيئا سواها , إذ أنّ الحرب هي الفن الوحيد الذي يحتاج اليه كل من يتولى القيادة ) . هذه العبارة في كتاب الأمير لميكافيللي , أوردها الروائي السعودي عبدالرحمن مُنيف (ت. 2004م) ضمن روايته ذائعة الصيت، مدن الملح , بادية الظلمات .ولعل أميرنا المفدى عمر البشير قد قرأ كتاب ميكافيللي أو قرأه عليه شيخه الترابي ضمن دروس التجنيد في صفوف (حركة الاسلام واندياحه) مع حركات اليدين طبعا وتلك الابتسامة الصفراء !!وإذا كان مُنيف في رائعته الأدبية تلك قد سجّل حركة المجتمع البدوي وانتقاله الى عصر البترول ونزاعات السلطة والسلاطين وحال البلد وشقاء أهل موران والعوالي وغيرها من الدير في مقابل ثراء السلطان والأسرة الحاكمة والرأسمالية الطفيلية والانتهازيين وتجار السلاح , مما أوجزها ابن البخيت وهو يقول : ( اللي قبلنا كانوا يفهمون أحسن منّا, قالوا : ( تعايش الناس زمانا بالدين , حتى ذهب الدين , وتعايشوا بالمرؤة حتى ذهبت المرؤة , ثم تعايشوا بالحياء حتى ذهب الحياء , ثمّ تعايشوا بالرغبة والرهبة , وسوف يتعايشون زمانا طويلا فابشر يا أبو عزيّز فهذا زمان الرغبة والرهبة , سيف المعز وذهبه , وما يندري وين نصل ).

    قرأت هذه الرواية مرّة أخرى مؤخرا , ولولا تاريخ نشرها في العام 1988م , لظننت أنّ مُنيف نظر في تجربة اسلاميي السودان وكتب ما كتب . إذ تنطبق على سلالة السلاطين في موران ما ينطبق على آل كيزان من سلاطين السودان , ذات الفساد , والعمولات , والصفقات المشبوهة , ذات الضحايا , والافقار وإلهاء الناس بالمعيشة وضنك الحياة مع القسوة في المعتقلات والتعذيب والاعدامات خارج نطاق القضاء واشعال الحروب وتأليب القبائل وتأليف شيوخها واغراءهم بالمال وتوزيع السلاح وكل هذا يتم تحت مزاعم (حماية الدين ) والحكم بالشريعة , والحفاظ على أمن الدولة وردع الخونة والمارقين والمأجورين , وذات الأبواق الاعلامية الماسخة التي تزيّن الباطل وتلوث الحقائق , ابن شاهين عند عبدالرحمن مُنيف يمكن تحديدهم بالاسماء في اعلام سلطنة آل كوز الاسلامية في السودان , الانغماس في ملذّات الدنيا والحريم والسفر للراحة والاستجمام والعلاج والفحوصات للأسرة الحاكمة في موران هي ذات ما يتابعه الشعب هنا في السودان , حتى الطيّارين الأجانب الذين يدكون قرى المواطنين الأبرياء صورة طبق الأصل لما يجري في الجبال ودارفور , وارتكاب الجرائم وانتهاكات حقوق الانسان وتحميل وزرها للأعداء , حدث في مدن الملح كما يحدث في قرى السودان فيافي دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق .

   في هذه الأجواء المحتقنة بالمظالم , وفي وسط انهيار كل شئ له قيمة في حياة البشر من السودانيين , تبقى الرغبة والرهبة , ويبقى الحاكم المستبد , بعد أن فرم الحزب , وطمس حركته الاسلامية وجعل ناجي عبدالله يلعلع في مكرفونات مسيرة التنظيم الهزيلة متوعدا السيسي في مصر , واللافتات من عجب تحمل عبارة (لا لحكم العسكر) كأنّما بكري والبشير من حملة الدكتوراة في جامعة هارفارد ! وتبقى لمتعهدي الكرنفالات فرصة جديدة للقبض والربح وكنز المليارات فوق ما كنزوا نظير لافتات حفلات التنصيب , ودعاية (أرض النيلين ترحب بالضيوف القادمين) ليشهدوا مزيدا من مآسي شعبنا , وليقرأوا في دفتر أحوالنا, أخبار مقتلة الرزيقات والمعاليا , ودكّ القطاطي في النيل الأزرق وتشريد المدنيين في كاودا ومذابح الجنجويد في دارفور , اغتيالات الطلبة في الخرطوم  , وليشهدوا انهيار الزراعة ومأتم الصناعة ووأد الخدمات خشية املاق الدولة السنيّة التي تقاتل الشيعة في اليمن نصرة للحرمين وزودا عن خادمهما المفدى. تنصيب للخماسية السادسة على التوالي لمن أفنى شعبه حربا وجوعا ومرضا ونزوحا ولجؤا وهجرة وعطالة واعادة توطين , وابادات جماعية وتطهير عرقي, وهم  وغم , وصناعة مدن الأوهام في صحاري العتامير وفيافي الشمال القصية ومنافي المفازات العصية ومعارك جبل عامر الدموية  بحثا عن بريق الدهب وبروقه الخلّب ورنينه المخادع , تنصيب للخماسية السادسة من سني حكمه القاتمة البائسة التي لم تترك من السودان الاّ أشلاء مبعثرة وذكرى حزينة تنطوي عليها أفئدة أناس كانوا يأملون في غد لوطن ولكنهم أصبحوا لقطاء في ديارهم بؤساء وسط خيرات أرضهم غرباء  وهم بين من تبقى من أفراد اسرهم , ففي كل أسرة سودانية مهاجر ومغترب ولاجئ ونازح وشهيد ومن وسط السودانيين أنفسهم هناك معتمدون ومنسقون للموت والقتل وأمنجية غلاظ الأكباد يخطفون السيدات والناشطين ويسومون الطلاب والسياسيين العذاب , من بين السودانيين طلبة مدججون بالسيخ والسلاح تحرسهم الأجهزة تلك لتروع الطلبة الآخرين وتحرق نزل طلبة وطالبات دارفور في الجامعات , هذا ما يشهده ضيوف احتفالات التنصيب مما لا تقوله لافتات الترحيب ولكنه الواقع الذي يعيش في كنفه من يفترض أنّهم انتخبوا وصوتوا للمشير .