د.ناهد محمّد الحسن "إذا كان شعورك بالتهديد النفسي من هذه المبادرة الطيبة للحد الذي يجعلك مستعدا لتدميرها وزج ملائكتها الصغار في السجون والمعتقلات وتدبير التهم وحياكة المؤامرات لهم.فأنت لديك جرح نرجسي غائر في الذات يجعلك تتوهم الأخطار وتبالغ في ردّة فعلك.."

وصلتني رسالة رقيقة من الزميل عثمان ميرغني تدعوني لحضور تكريم شباب شارع الحوادث اليوم السبت بمباني صحيفة التيّار.في الوقت الذي تصدت فيه صحف برؤساء تحريرها لتجريم المبادرة والنيل من شبابها وتهديدهم بالمساءلة والتحقيق في مبادرتهم الإنسانية لحدود الوعي والضمير الإنساني..وقد شكّلت هذه المبادرة مادّة خصبة للتحليل النفسي والسياسي لردود فعل الناس والشارع تجاه عمل يكاد يكون سوداني صميم في تعبيره عن واقعنا الإجتماعي والتكافلي..وهذا أيضا أمر طبيعي..فالأحداث تأخذ معناها ومضمونها من السياق الذي تتم فيه والكيفية التي يتلقى بها الحضور مثل هذه الأفعال فالأشخاص ليسوا متلقين سالبين لما يعبرهم من أحداث وانما يخضعوها للتحليل بناءا على انحيازهم لذاتهم ولمنظومة القيم التي يقدرونها وايضا لمصالحهم.

كثيرا  ما تعبر الشارع وتنزعج من مرأى الأطفال الصغار وهم يتسولون…او يزعجك أمر المرضى والجوعى ونحوه..وكثيرا ما تحمد الله على نعمة الصحة والعافية وتسأله ان لا يحوجك لأحد من خلقه وترثى لحال المسئولين الذين سيحاسبون بأوجاع هؤلاء يوم القيامة ..حتى ولو كانوا كعمر بن الخطاب يقولون لبطونهم الجوعى قرقري ما شئت ان تقرقري فإنّك لن تذوقي الطعام حتى يشبع أبناء المسلمين..!…فإذا كان قلبك مع المحتاجين ويداك عاجزة عن معونتهم فإنك ستشعر بالكثير من الإمتنان للذين سخّرهم الله لخدمة عباده فكرسوا وقتا وجهدا ومالا لذلك..ولو كنت من أصحاب النفس اللوامة فستشعر بتأنيب الضمير عن العجز عن الفعل والمساعدة ولو بأضعف الإيمان . الطريقة التي تنظر بها لهذا الحدث تعتمد كثيرا على جوهر انسانك واتزانك النفسي وتصالحك مع ذاتك..فإذا كنت تشعر بأنّ هؤلاء الصغار قد أشعّوا جدا بتفانيهم وعطاءهم للدرجة التي أشعروك فيها بأنّك متّسخ فستتفاوت ردود فعلك من الغيرة والشعور بالتهديد النفسي وغيره..وهذا ما يجعلك مثلا تنتقص من الفعل وإجراءاته وتفاصيله وأولوياته ونحو ذلك..كل شيء يجعلك تشعر بالرضا والأمان..يطمئن ذلك الجرح في ذاتك الذي يقول لك انهم افضل منك وأنهم لم يلتزموا الصمت وأنهم ملائكة تنقصها أجنحة لطيفة…ولكنك في هذه الحالة تغلّف أزمتك الشخصية بالمنطق وتفلسفه في بعض الأحيان  وهو ما نسميه بمكنزمات الدفاع النفسي..ردود فعل الذات اللاواعية تجاه التهديد النفسي سواء أكان حقيقيا أم متوهّما..وهذا ما جعل البعض يتناسى فكرة انّنا بصدد مجموعة من الشباب المليئين بالخير الذين تربوا في هذا الوطن الكريم بأخلاق أهله وعلى (صحن الجيران بالحيطة) وعلى النفير (وحق اللبن) و(حق العروس) و(حق البنات) ونحو ذلك من لطيف الأسماء التي لا تجرح الضمير المتعفف وتداوي السقام بالتضامن والمحبة..وهؤلاء الشباب لم يتلقوا تدريبا عن كيفية بهرجة الإحتفالات ومداهنة المسئولين والتكسب من الأعمال….هم ببساطة استفتوا ضميرهم وأفتاهم..وبدل ان يلعنوا الظلام أوقدوا شمعة..وعلى هذا الفعل ان يثير مكامن انسانيتك ويجعلك تتضامن معه وتفخر به وتدعمه كإنسان سوي..وإذا كانت لديك مآخذ على هذا الفعل او بعض التنظير بغرض تصحيح بعض الأخطاء وتطويرها..أن تحاول التواصل مع هؤلاء الشباب وتقديم السند والنصح لهم على طريقة وضوء الحسن والحسين..تلك المجردة من الغرض والراغبة في ترفيع الناس والتي تقصد وجه الله دون جرح خلقه والتقليل من جهدهم..ومثل هذا العمل قد يثير أطماع البعض فيروهم مادّة للإستغلال المادّي والسياسي وغيره..وبالتالي تكون ردود الفعل من حيث تجعلك إمّا محاولا ان تضم نفسك اليهم فالنصر له ألف أب والهزيمة يتيمة او تستخدمهم رمحا في مواجهة النظام او الإرتداد على الشعب..وأنت تفعل ذلك تذكّر الأهداف التي أنشأت المبادرة…أنّات المحتاجين التي لا تنتظر..والصغار الذين خرجوا مؤمنين بالشعب ولأجله..ولا نريدهم ان يعودوا بجرح وطن..

إذا كان شعورك بالتهديد النفسي من هذه المبادرة الطيبة للحد الذي يجعلك مستعدا لتدميرها وزج ملائكتها الصغار في السجون والمعتقلات وتدبير التهم وحياكة المؤامرات لهم.فأنت لديك جرح نرجسي غائر في الذات يجعلك تتوهم الأخطار وتبالغ في ردّة فعلك..حيث تفهم الأعمال الطيبة للناس كمحاولة ذاتية للنيل منك والحط من قدرك..إذا كنت مسئولا كبيرا او النظام الحاكم نفسه..فلقد فاتك أنّ هذه المبادرات التي يقوم بها الطيبون ليست مساعدة في حفر قبر أبيك فحسب ولكنها مزيدا من الأكسجين في رئتك..اذ تقيم عثراتك وتحسن وجهك وتغطي أخطاءك.. ولولا التكافل السوداني والنفير لخرجت جموع المحتاجين في السودان تطلب ثأرها وإذا كنت مجرّد شخص ما مغمور لا يمكن ان يكون مقصودا بهذا الأمر من قريب او بعيد فأنت إمّا إنتهازي بلا ضمير تريد ان تتسلق الفرص بأيّ ثمن لتحصّل بعض المكاسب العاجلة، أو شخص مصاب بالذهان وضلالات الإضطهاد..ترى كل شيء في الكون يدور حولك ويقصدك انت شخصيا…أو شخص مصاب بعقدة نقص وإضطراب الشخصية..ولديك رغبة قوية في الإعلان عن ذاتك..تعبر عن نفسها بسادية مريضة..تريد ان تقول ..انا هنا وأنا موجود..اذا لم تلاحظوا وجودي بإختياركم سأجعلكم تحسونه بالآلام التي ستقاسونها جرّاء مؤامراتي عليكم..

.وفي هذه الحالة أنت مصاب اما بمرض الضمير او بالإضطراب النفسي وندعو الله ان يشفيك ويهديك ويكف أذاك عنّا وعن أبناء الوطن البررة..والّا يسلّطك على أحد من عباده.

أود أن ننظر جميعنا الى دواخلنا بتأني وأن نراقب ردود أفعالنا النفسية في الفكر والشعور ونحن ننظر لمبادرة شارع الحوادث..فإذا لم تكن هنالك رغبة نقية وصادقة في عونهم والإقتداء بهم..أو على الأقل الدعاء لهم وذلك أضعف الإيمان ..أرجوا أن تعوذوا بالله من شرور أنفسكم وسيئات أعمالكم وتطلبوا التطهر من غرض الدنيا الحقير..فلقد ظللنا نقتل في أبنائنا بإستمرار يقظة الضمير ووطنيتهم..وقيم الإيثار العليا..بساطتهم ورغبتهم التلقائية في المساعدة..كل شيء حتى الأحلام..

فيارب هذي صلاة ودعاء..إذ نعوذ بحولك وقوتك ..أن تحفظ أبناء شارع الحوادث ومن سعى سعيهم من شرور النفوس وظلامها..وتكرمهم بحق الإبتسامات التي زرعوها في شارع الالام..وبحق الخواطر التي جبروها والطبقات التي تجاوزوها..والنبل والأصالة التي عبروا عنها..والوطن الذي منحونا أياه والحلم الذي كانوا بشرياته..إنّك القادر على كل شيء..آمين