" جنود القوات الحكومية حاصروا قرية مقنزا وأمروا السكان بالتجمع في نقاط محددة خارج القرية وأشعلوا بعد ذلك النيران في مساكن ومتاجر وطواحين وطلمبات مياه بالإضافة إلى سوق القرية، وأحالت عمليات الحريق القرية بكاملها إلى رماد"

أصدرت المجموعة السودانية للديمقراطية أولا بيانا حول معاناة المدنيين من سكان ولاية النيل الأزرق جراء هجمات القوات الحكومية في حملات انتقامية ضد من تعتبرهم الحكومة مؤيدين للحركات المتمردة، وفيما يلي نص البيان:

ولاية النيل الأزرق تحت نيرن القوات الحكومية

 

(28 مايو 2015) قبل تعليق صدورها إلى أجل غير مسمى بواسطة جهاز الأمن والمخابرات الوطني في إطار المصادرة الجماعية التي طالت صحف الخرطوم، انفردت صحيفة “الجريدة” بنشر أخبار حرق مجموعة من القرى بولاية النيل الأزرق والتهجير القسري للآلاف من سكانها. وكانت “الجريدة” قد أوردت تقارير إخبارية حول عمليات الحرق التي التهمت قرى مقنزا ومديم الجبل وبقيس بمحلية باو، إذ تشير تقديرات المراسل المحلي للصحيفة إلى أن عدد الأشخاص الذين أصبحوا بلا مأوى يقدر بنحو 6872. ونقل مراسل الصحيفة عن واحد من الناجين قوله: “عانينا كثيراً من آثار الحرب التي اشتعلت مجدداً في المنطقة عام 2011، إلا أن هذه النيران التي التهمت القرى هي أسوأ ما واجهنا على الإطلاق”. وكان سكان المنطقة قد طلبوا من سلطات الولاية التحقيق في الحادثة، كما استغاثوا بوكالات العون الإنساني المحلية والدولية على حد سواء لمساعدتهم. ووفقاً لما ورد في صحيفة “الجريدة“، فإن والي محلية باو رفض الإدلاء بأي تصريح بشأن سبب اندلاع النيران عندما طُلب منه التعليق على ما حدث.

 

وفيما تسربت أنباء هذه الأحداث ببطء إلى المتابعين على المستويين المحلي والدولي، فإن ناشطين محليين ومراقبين لأوضاع حقوق الإنسان، رابطة شباب الفونج للتنمية، أوردوا أن عمليات حرق القرى بدأت في أبريل، الأمر الذي يشير إلى موجات جديدة من تكتيكات الأرض المحروقة ضمن حملة الحكومة لمكافحة التمرد في مواجهة الحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان-شمال في ولاية النيل الأزرق. وكان مركز النيل الأزرق لحقوق الإنسان والتنمية قد قام بتوثيق هذه التطورات في بيان صادر في 27 مايو (باللغة العربية)، الأمر الذي دعا المنسق المقيم للأمم المتحدة للإعراب بقوة عن قلقه إزاء أوضاع السكان المتأثرين بعمليات الإخلاء والترحيل القسريَين.  

 

وتشير تقارير إلى أن أول حادثة وقعت في 10 أبريل عندما اقتحم جنود تابعون للقوات المسلحة السودانية قرية مديم الجبل وقامت بإخلاء سكانها قسراً من أكواخهم ونهبت ممتلكاتهم وقامت بعد ذلك بحرق القرية بكاملها. واستهدفت موجة أخرى من الهجمات قريتَي مقنزا وبقيس يومي 11 و12 مايو، ويبدو أن تلك الهجمات جاءت انتقاماً للخسائر التي تكبدتها القوات الحكومية في مواجهة مع مقاتلي الجيش الشعبي لتحرير السودان-شمال في 10 مايو. وكانت تلك المواجهات قد وقعت في منطقة لا تبعد كثيراً عن القريتين، بالقرب من كلقو، جنوب غربي مدينة الدمازين. ووفقاً لتقارير ناشطين محليين فإن جنود القوات الحكومية حاصروا قرية مقنزا وأمروا السكان بالتجمع في نقاط محددة خارج القرية وأشعلوا بعد ذلك النيران في مساكن ومتاجر وطواحين وطلمبات مياه بالإضافة إلى سوق القرية، وأحالت عمليات الحريق القرية بكاملها إلى رماد، ولم تسمح القوات الحكومية للسكان بأخذ أي من ممتلكاتهم. وتكرر ذات السيناريو في اليوم التالي بقرية بقيس، حيث تشير تقديرات ناشطين محليين إلى أن المساكن التي تم حرقها لا تقل عن 6000 مسكن.

 

وفي وقت لاحق تم نقل النازحين، الذي أُجبروا على البقاء في العراء لمدة ثلاثة أيام، إلى قرى العزازة والقرّي وود أفودي وشانشا وبيضا وحمدا وأم بارد بمحلية الرصيرص على الضفة الشرقية للنيل الأزرق على متن شاحنات جلبها مسؤولو جهاز الأمن من الدمازين. لا يُعرف على وجه التحديد حتى الآن عدد المتأثرين بالأحداث الأخيرة، إذ تشير الإحصائيات التي أوردتها صحيفة “الجريدة” إلى أن عدد هؤلاء يقدر بنحو 6872، فيما تشير التقديرات التي أوردها ناشطون محليون إلى أن عدد المتأثرين بالأحداث الأخيرة لا يقل عن 30000 شخص، ويقول هؤلاء إن الأحداث الأخيرة شملت قرى أخرى مثل جمباردا وقلفوك وأبوقارن ومديم مساليت وسلبيل وفداميا. وجرى نقل النازحين من هذه المناطق إلى محلية الرصيرص.

 

استمرار حملة صيف الحسم

 درجت حكومة السودان على مدى سنوات على شن مثل هذه الحملات على المجموعات السكانية وسكان المناطق الذين تشتبه في تأييدهم للمتمردين على أساس أصولهم العِرقية. وأصبح هذا النوع من الحملات سمة ثابتة في حملة حكومة السودان الحالية التي تطلق عليها “صيف الحسم” ضد متمردي الجبهة الثورية السودانية والسكان الذين تعتبرهم “مؤيدين للتمرد”. إذ قامت قوات الدعم السريع التابعة لحكومة السودان خلال موسم القتال 2013-2014، وعلى وجهه التحديد في أواخر فبراير 2014، بحرق 35 قرية جنوب مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، الأمر الذي اضطر الآلاف من سكان هذه القرى للنزوح القسري.  

 

ويبدو أن هذه الهجمات الأخيرة التي استهدفت المدنيين قد جاءت في إطار حملة “صيف الحسم” بولاية النيل الأزرق. وكان وزير الدفاع، عبد الرحيم محمد حسين، قد أعلن بنفسه عن انطلاق الحملة في خطاب حماسي بمدينة الدمازين في 3 أكتوبر 2014 أعلن فيه أن هدفها هو تطهير المناطق الواقعة في جنوب غرب الولاية من وجود قوات الجيش الشعبي لتحرير السودان-شمال على طول الحدود مع مقاطعة مابان في ولاية أعالي النيل بجنوب السودان، التي تُعتبر معقلاً أيضاً لمتمردي جنوب السودان. وفي محاولة لاستباق هذه الخطوة قامت الجيش الشعبي لتحرير السودان-شمال بإرسال وحدات متحركة إلى قلب المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة بجبال الأنقسنا، الأمر الذي جعل القوات الحكومية في موقف دفاع عن نفسها. ونجحت قوات الحركة الشعبية في السيطرة على بلدة جام وقامت بعمليات هجومية خاطفة على مقربة من الدمازين، عاصمة الولاية.

 

أصبحت السيطرة الكاملة على جبال الأنقسنا، الواقعة على بعد نحو 40 كيلومتراً جنوب غربي الدمازين، هدفاً عسكرياً مهماً للقوات الحكومية. إذ تمثل مناطق الجبال قيمة رمزية كونها مسقط رأس مالك عقّار، رئيس الحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان-شمال والجبهة الثورية. لذا، فإن الحكومة تعتبر سكان مناطق جبال الأنقسنا –التي سُميت نسبة إلى مجموعة الأنقسنا العرقية التي تشكل غالبية السكان- المعقل الطبيعي والقاعدة الشعبية للجيش الشعبية لتحرير السودان-شمال. وبذلك باتت المنطقة هدفاً لغارات جوية متعمدة وعشوائية، حيث تم حرق ومزارع منذ اندلاع الحرب، حسبما أوردت “المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً” منذ عام 2012 (باللغة العربية).

 

ضرورة إنسانية عاجلة

السكان الذين اضطروا للنزوح في الآونة الأخيرة وفقدوا كل ممتلكاتهم يواجهون أوضاعاً إنسانية قاسية في المناطق التي نزحوا إليها بمحلية الرصيرص. إذ يعاني هؤلاء النازحون من عدم توفر المأوى والتعرض لمخاطر أمراض يمكن الوقاية منها، بما في ذلك الملاريا والإسهال، خصوصاً وسط الأطفال وكبار السن.

 

كما أن المحاولات التي قامت بها وكالات المساعدات الإنسانية في المنطقة، بما في ذلك محاولات الأمم المتحدة، للوصول إلى مناطق النازحين بهدف الوقوف على أوضاعهم لتوفير الاحتياجات اللازمة فشلت بسبب الحظر الذي تفرضه الحكومة على الدخول إلى هذه المناطق. ويشمل الحظر الإنساني السكان العاديين الذين أبدوا تضامناً مع الضحايا. إذ أفاد سكان بمحلية الرصيرص جمعوا أغذية من السوق المحلي لإرسالها إلى النازحين بأنهم تعرضوا لمضايقات من عناصر جهاز الأمن والمخابرات الوطني ولم يُسمح لهم بالوصول إلى النازحين. وتشير تقارير إلى أن المنظمات الإنسانية المحلية التي تُعتبر خاضعة لسيطرة الحكومة هي الوحيدة التي المسموح لها بتقديم مساعدات إلى النازحين، وعلى وجه التحديد منظمتا “بان-كير” و”جمعية الهلال الأحمر السوداني”. وكانت مفوضية العون الإنساني قد أبلغت منظمات العون الإنساني الدولي منذ بداية الحرب بأن المساعدات للمدنيين في النيل الأزرق سيتم تقديمها بواسطة المنظمات غير الحكومية السودانية وأن أي مساعدات من المنظمات الدولية يجب أن تصل إلى المتأثرين من خلال لجنة جرى تشكيلها في الولاية لهذا الغرض.

 

ومن المتوقع أن يؤدي موسم الأمطار المقبل إلى تفاقم أوضاع النازحين، ذلك أن الوصول إلى المناطق النائية التي اضطروا للنزوح إليها مسألة غاية في الصعوبة خلال موسم الأمطار. إذ سيشكل الحصول على الغذاء والأدوية المنقذة للحياة تحدياً حقيقياً عندما تصبح الطرق إلى هذه المناطق غير سالكة خلال موسم الأمطار.

انعدام الأمن الغزائي سيكون أمراً حتمياً على المدى القصير وعلى المدى المتوسط أيضاً. إذ لن يكون باستطاعة النازحين فلاحة الأرض بعد أن اضطروا للنزوح من أراضيهم وديارهم، خصوصاً وأن الموسم الزراعي يبدأ عادة في شهر يونيو. وبما أن هؤلاء لم يستطيعوا فلاحة مزارعهم (المعروفة محلياً باسم الجبراكا) إثر اضطرارهم للنزوح منها، فإنهم سيصبحون عاجزين عن توفير الغذاء لأسرهم.

 

في سياق هذه الأوضاع البالغة الصعوبة، يتعيّن على الأطراف الإقليمية والدولية العمل على الدفع باتجاه إرساء السلام والديمقراطية في السودان من خلال استخدام نفوذها لتذكير حكومة السودان مجدداً بالالتزام بالقوانين المعترف بها دولياً التي تحظر شن الهجمات على المدنيين خلال النزاعات المسلحة. كما ينبغي على المجتمع الدولي أن يدين علناً منع السلطات السودانية وكالات العون الإنساني من الوصول إلى السكان المتأثرين ومنع دخول الإمدادات الإنسانية إلى هذه المناطق.

 

كما أن الحكومة السودانية نفسها، التي عقدت انتخابات انتهت بمنحها تفويضاً لمدة خمس سنوات أخرى، يجب أن تتعامل بصورة جادة مع أطروحاتها حول عملية الحوار الوطني من خلال اتخاذ الخطوات اللازمة لإيجاد مناخ ملائم لعملية الحوار. هذه الخطوات يجب أن تبدأ بوقف الهجمات المتعمدة على المدنيين وتدمير مساكنهم ونهب ممتلكاتهم. كما يجب أن تشتمل هذه الخطوات على رفع أي حظر مفروض على الوصول إلى مناطق المدنيين المتأثرين بالحرب والسماح بوصول المساعدات الإنسانية بدون عرقلة إلى السكان الذين يحتاجونها.