د. محمد محمد الأمين عبد الرازق       كتب الإذاعي المعروف بإذاعة لندن سابقا الأستاذ أيوب صديق، مقالا نشر بتاريخ الأربعاء, 20 مايو 2015 م، بصحيفة الانتباهة بهدف تشويه شخصية الأستاذ محمود محمد طه، 

وقد درجت هذه الصحيفة على نشر افتراءات تسيء عن عمد إلى شخصية الأستاذ محمود، وتشوه أفكاره ثم ترفض هي – أعني الصحيفة، عن عمد أيضا، أن تنشر الرد المصحح لهذه الافتراءات وهذا التشويه.. وها هي اليوم تتيح الفرصة للسيد أيوب صديق ليعمل على تشويه قامة روحية، هي مصدر فخر للشعب السوداني بما قدمت من فكرة سودانية من قلب الإسلام، وبما شاهد العالم من مواقف رفعت رأس المثقفين السودانيين عاليا، بين حملة الفكر في العالم.. وما كنت أظن أن السيد أيوب بهذا المستوى من الهوس والتطرف، لأني أعلم أنه ظل في القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية لأكثر من عقدين من الزمان، يستمع ويشاهد التعامل الراقي واحترام الآخر مهما كان الاختلاف معه، فهو قد تجنب حتى أن يكتب كلمة (الأستاذ) أمام اسم الأستاذ محمود، فهل في هذا الاتجاه أدب أو احترام للحوار نفسه!!؟؟

وقبل أن أدخل في لب الموضوع، لا بد من كلمة عن إذاعة لندن، فهذه الإذاعة حبيبة إلى النفوس كانت ولا زالت تحتل المركز الأول خاصة في ناحية الأخبار، والسودانيون يتابعون برامجها عن رغبة حقيقية، وقبل أن تظهر الفضائيات بكثافة، عندما كان الراديو سيد الموقف، كانت إذاعة لندن حاضرة في المنازل والأماكن العامة، وعامة الناس يتنقلون معها من (الأخبار) إلى (العالم هذا المساء) ثم (السياسة بين السائل والمجيب) و (قول إلى قول)..الخ بتجديد وحيوية، ولا أنسى صوت المذيع ماجد سرحان يتردد في الفضاء والليالي المقمرة بين المنازل، والحقيقة قد شكل أداؤه مدرسة قائمة بذاتها في فنون قراءة الأخبار.. فكأن لندن، كانت تراهن على المحتوى الفكري، ولا تلجأ إلى جذب المستمعين بحشو الأغاني بين البرامج كما تفعل إذاعاتنا، حتى إن إحدي الحبوبات علقت: (لندن دي بس تسكت تتكلم زي الزول المجنون!!)..

 هذا وقد سأل الأستاذ محجوب شريف الأستاذ محمود، حول الإذاعة وما إذا كان يتابعها، فكان رده كالآتي: (أنا لا أسمع الإذاعة إلا نادرا ولا أشاهد التلفزيون وأعتقد أن الإذاعة لا تقول ما يجب أن يقال.. هي على الأقل تخفي عن الشعب من الأخبار الداخلية ما يسمعه عن بلاده من إذاعة لندن)!! انتهى..

والشعب السوداني عندما، يحتضن راديو لندن لا يعتبر نفسه غريبا عنها، بل هو شريك أصيل في هذا الإبداع، فهناك عدد من أبنائه يعملون في البي بي سي، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: محمد خير البدوي، الطيب صالح، اسماعيل طه وأيوب صديق.. وهؤلاء الرجال ليسوا غائبين عما يدور في بلادهم، فهم يكتبون ويسلطون الضوء على معاناة شعبهم، وكنموذج لهذا الاهتمام كلمة الطيب صالح المشهورة التي كتبها في مواجهة نظام الإنقاذ تحت عنوان: من أين أتى هؤلاء:

(“هل السماء ما تزال صافية فوق أرض السودان أم أنّهم حجبوها بالأكاذيب؟ 
هل مطار الخرطوم ما يزال يمتلئ بالنّازحين؟ يريدون الهرب الى أيّ مكان، فذلك البلد الواسع لم يعد يتّسع لهم!!  كأنّي بهم ينتظرون منذ تركتهم في ذلك اليوم عام ثمانية وثمانين، يُعلَن عن قيام الطائرات ولا تقوم، لا أحد يكلّمهم، لا أحد يهمّه أمرهم!! هل ما زالوا يتحدّثون عن الرخاء والناس جوعى!؟ وعن الأمن والناس في ذُعر!؟ وعن صلاح الأحوال والبلد خراب !؟

    نهر النيل الصبور يسير سيره الحكيم، ويعزف لحنه القديم.. ” السادة ” الجدد لا يسمعون ولا يفهمون.. يظنّون أنّهم وجدوا مفاتيح المستقبل.. يعرفون الحلول.. موقنون من كل شيء!!  يزحمون شاشات التلفزيون وميكرفونات الإذاعة.. يقولون كلاماً ميِّتاً في بلدٍ حيٍّ في حقيقته ولكنّهم يريدون قتله حتى يستتب الأمن!!

مِن أين جاء هؤلاء النّاس؟ أما أرضعتهم الأمّهات والعمّات والخالات ؟ أما أصغوا للرياح تهبُّ من الشمال والجنوب ؟ أما رأوا بروق الصعيد تشيل وتحط ؟ أما شافوا القمح ينمو في الحقول وسبائط التمر مثقلة فوق هامات النخيل؟ أما سمعوا مدائح حاج الماحي وود سعد، وأغاني سرور وخليل فرح وحسن عطية والكابلي وأحمد المصطفى؟ أما قرؤوا شعر العباسي والمجذوب؟ أما سمعوا الأصوات القديمة وأحسُّوا الأشواق القديمة، ألا يحبّون الوطن كما نحبّه؟

 إذن لماذا يحبّونه وكأنّهم يكرهونه ويعملون على إعماره وكأنّهم مسخّرون لخرابه !؟ ” انتهى..

ولكن يبدو أن السيد أيوب صديق، له مشرب غريب نقيض للطيب صالح، فهو مؤيد للكبت وإقصاء الآخر، وغارق في التطرف إلى أخمص أذنيه كأنه كان يعمل في إذاعة (داعش) لا إذاعة لندن!! فهو قد قال في مقاله هذا، وبلا حياء:

(صراحة خفتُ إبان تسجيل الاحزاب أن يُسجل الحزب الجمهوري، حيث كان سيُسمح له بنص القانون الدعاية لعقيدته من مختلف المنابر ) انتهى..

إذن اختلاف العقيدة يعتبرعند السيد أيوب صديق سببا صحيحا، لإقصاء الآخر وحرمانه من حقه الدستوري في الاعتقاد التعبير، وكذلك هو يرى أن اختلاف الرأي يجب أن يفسد الود ويسقط الاحترام المتبادل بين أطراف الحوار، وقد أشرنا إلى أنه لم يستحسن حتى إضافة كلمة (الأستاذ) إلى اسم الأستاذ محمود!!

وفيما يبدو، أن السيد أيوب لم يكن يبحث عن تجريم الفكر الجمهوري، بقدر ما كان يتسقط تأييد السلطة والتقرب إلى قيادتها، وقد بدأ بنقد قصائد الشيخ البرعي وهو يظن أنها ستحقق له ما يريد، ولكن رد عليه د. الشيخ صلاح الدين الخنجر عن المجمع الصوفي بتاريخ 11 ديسمبر 2014م بنفس الصحيفة تحت عنوان ( أيوب صديق بين عداوة الشيخ البرعي ومناصرة المتطرفين) جاء في رده ما يلي:

(فالألفاظ التى تشابهت عليك يا مذيع الأخبار وأنت تجهل أبجديات الدين حلها في منتهى البساطة، كما أن التوحيد الذي تسترزق به الجماعات الإرهابية الداعشية لا علاقة له بعقيدة المسلم بل إنها توحيد من نوع خاص يريدون فرضه على المجتمع عبر المنظمات وكتاب الأعمدة أمثالك أنت والركابي، فيا صاحب الفهم المقلوب كتابة الأعمدة وإذاعة الأخبار ليست بعلم يؤهلك للحديث في العلوم الشرعية، وأظنك تعاني من البطالة وعدم الموضوعية ليس إلا ولقد تأملت في كتاباتك وشخصيتك فوجدتك مثل الفروج يسمع الديكة تصيح فيصيح، وطالما أنك مذيع للأخبار أعطيك هذا الخبر العاجل: ( رئاسة الجمهورية ترعى جائزة الشيخ البرعي للأدب ومدح المصطفى صلى الله عليه وسلم )، فعلى المستوى الرسمي والشعبي برعي السودان تاج فوق الرؤوس فموتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور) انتهى..

وهكذا وجد السيد أيوب صديق نفسه متورطا في مخالفة رئاسة الجمهورية!!

ولكي يخرج من الحرج قال في مقدمة مقاله الذي بين أيدينا، أنه أساسا كان متجها لنقد الحزب الجمهوري لكنه انشغل بالشيخ البرعي، فكأنه يعتذر ليتحول إلى (الحيطة القصيرة) التي  صارت عنده هي الحزب الجمهوري!!

إذن اقرأ مقدمة مقاله:

(بدأت الكتابة في هذا الموضوع قبل فترة من الزمن، ولكن شغلني عن إكماله ما كتبته عن الشيخ البرعي، ثم ما تبع ذلك من المساجلات التي جُررت إليها مع بعض شيعته. وقبل أيام جمعتني جلسة مع عدد من الإخوة السودانيين، وبطبيعة الحال ما اجتمع عدد منا إلا وكان الحديث عن السياسة في بلادنا جليسهم المفضل. تفرع الحديث في تلك الجلسة وتطرق إلى الاحزاب والشخصيات السودانية وعقائدها السياسية، فذكر من تلك الشخصيات محمود محمد طه. فانبرى أحدهم يدافع عن فكره الذي لم يفهمه الناس، وقال إنه يجب أن يُقتص لقتله. كان الرجل منفعلاً جداً، حاولتُ أن أطرح رأيي ولكنه لم يكن مستعداً لسماعه، وما أنا عنده إلا كالذين لم يفهموا فكر محمود وهم كثر في السودان.
كان حديث هذا الشخص ودفاعه زاعقاً عن محمود، سبباً قوياً في رجوعي الى هذا الموضوع لأكمله، فلعله يلقى شيئاً من الحقيقة على عقيدة محمود التي يدافع عنها بعضاً من الناس في بلادنا، ظانين أنهم هم فقط الذين سبروا غورها وعرفوا كنهها.
صراحة خفتُ إبان تسجيل الاحزاب أن يُسجل الحزب الجمهوري، حيث كان سيُسمح له بنص القانون الدعاية لعقيدته من مختلف المنابر، وهي عقيدة عندي من صميم العقيدة البهائية الخارجة عن الاسلام، كما سأبين ذلك لاحقاً إن شاء الله.) انتهى..

ولكي تعرف المدى الذي وصل إليه أيوب صديق في تسقط رضا قادة الإنقاذ، اقرأ رده على سؤال صحفي حول عمله في البي بي سي بتاريخ 3 فبرائر 2015م (الانتباهة)، والسؤال لم يشر إلى الرئيس البشير مطلقا وإنما كان سؤالا عاما حول تعامل الإذاعة مع الأوضاع السياسية، وهذا رده:

(أما المقابلات مع السياسيين فكان لها النصيب الأوفى، بحكم أن بلدنا من الناحية السياسية يموج بالأحداث وأخبار التمرد والحروب، ونشاطات المعارضة سواء في داخله أم في عواصم العالم الأخر. فقد أجريتُ مقابلات كثيرة مع مختلف الشخصيات السياسية من مختلف الاحزاب السياسية، جنوبية وشمالية. وعندما جاءت الانقاذ حرصت على أكون أول إذاعي يجري مقابلة مع قائد النظام الجديد. فأجريتُ مقابلة مع الرئيس عمر البشير وكانت بالهاتف وهو في المملكة العربية السعودية التي سافر إليها في فجر الانقاذ. وأذكر جيداً أن الرئيس البشير كان موفقا جداً في الاجابات عن أسئلتي في تلك المقابلة، حيث إنني لم أطلعه عليها، بل لم أطلعه حتى على محاورها. فكانت إجاباته محددة وقصيرة في صميم الاسئلة كما يُقال بالانجليزية ( To the point) واذكر أن تلك المقابلة لم تحجنا لإجراء مونتاج عليها، فوضعناها كاملة في جهاز البث فأذعناها وكانت أول مقابلة معه في إذاعة عالمية. وإحقاقا للحق أقول؛ أنني طيلة وجودي في هيئة الإذاعة البريطانية الذي استمر ثلاثة وعشرين عاما، وحتى تقاعدي من خدمتها، أجريتُ للرئيس عمر البشير ثماني مقابلات إذاعية لها، وكنت دائما أجده محدد الإجابات حاضر الذهن لكل سؤال وإن كان  سؤالا مفاجئا له وكثيرا ما كان يعن لي سؤال من خلال الإجابات، فلم أسمع منه مثل آآآ .. ويعني.. وغير ذلك مما يلجأ إليه الشخص عندما تغيب عنه الإجابة.).. انتهى..

والسؤال كان: (  اليوم نحن نعاني من تدني المستوى لدى بعض الاعلاميين ومستوى الاداء الاعلامي عموماً.. وأنتم أصحاب الخبرة والعطاء المشهود له تبذلونه خارج الوطن، ألا تشعرون بواجب ما نجاه الداخل وأهله؟ )..

 على كل حال يمكنك أن تقرأ بين السطور ماذا يريد الإذاعي أيوب صديق!!؟؟