أمل هباني *أي شئ هنا في مصر يشبه أي شئ هناك في السودان، وكأن معضلاتهما (فولة وانقسمت نُصّين) على رأي المثل المصري ...أو كما غنى المُغني (أصبحنا رغم البين ...روح واحدة في جَسدين).... وحقيقة هي روح (الهم) المُتشابه لا المشترك ...

*عند زيارتي لمصر هذه المرة ،إختفت الفرحة التي رأيتها في وجه مصر ما بعد ثورة 25 يناير، وخَفَتَ بريق الأمل والتفاؤل في عيون المصريين، الذين شعرت أن سلوكهم قد تغيّر إلى النقيض عنما زرت بلدهم في العام 2011 بعد نجاح الثورة في إسقاط نظام مبارك الديكتاتوري الفاسد…رأيت كيف أن أشواقهم للحرية والديمقراطية قد انعكست على سلوكهم، فرأيت كثيرا من مظاهر السلوك المتحضر على المواطن المصري، من حرصه على الوقوف في صف في المطار لتلقي الخدمة ،إلى حرصه على تغيير كل سلوك غير حضاري …إلتقيت الشباب الذين صنعوا الثورة وأسهموا في ذلك التغيير، وكانوا يمتلئون حماسا لمستقبلهم ومستقبل بلدهم الذي نجحوا في إحداث أكبر اختراق كوني بتغيير النظام لأول مرة في تاريخ مصر العريق ….الشباب الذين إلتقيتهم، منهم من أُستشهد في المظاهرات، مثل الحسيني الذي إلتقيته في مظاهرة سلمية لإطلاق سراح الصحفية المصرية شيماء عادل، والتي كانت معتقلة من قبل جهاز الأمن السوداني …وكنا قد شاركنا في تلك المظاهرة تضامنا  بإسم شبكة الصحفيين السودانيين …ومنهم من أُعتُقل ..ومنهم من إختفى وتوارى إحباطاً من إنقلاب المشهد تماما …

*مصر تعاني كما السودان ، وربما أسوأ، فالسودان حباه الله بنعمة فسحة المساحة والموارد وبالتالي إتّساع فرص كسب العيش مهما ضاقت الظروف الاقتصادية بأهله …وأشد ما آلمني إنتشار عمالة الأطفال بصورة مخيفة وتسربهم من المدارس، وربما عدم ذهابهم إلى المدرسة من أساسه، تماما كما يحدث هنا في السودان..تذكرت حديث الزميلة هويدا طه، التي كانت تعمل مخرجة بقناة الجزيرة الوثائقية حين قالت لي أنها ناصرية بإحساس الفضل لعبدالناصر  ، فهي إبنة بائع اللبن، ولها ثمانية أخوة آخرين، ولولا عبد الناصر وثورته المنحازة للبسطاء لما تعلمت هي ولا أخوتها، وعلى أحسن الفروض لتعلم أخوتها الذكور دون الأناث …رحم الله عبد الناصر وناصريته التي ولّت أدراج الرياح مع عواصف التحرير الاقتصادي ….

*أما ملاحظاتي على المواطن المصري فهي أنه إزداد لا مبالاة بالشأن السياسي، وازداد توكلا على الله بدخوله في حالة من التدين المظهري، من حمل المسبحة وإطلاق اللحية ووضع الآيات القرانية في المنازل ومكان العمل …وغيرها من دلالات التمظهُر …أما المرأة المصرية فقد ذهبت كل ريادة حركتها النسوية التحررية في المنطقة العربية أدراج الرياح ….. ولا وجود لنوال السعداوي أو هدى شعراوي، أو حتى إيناس الدغيدي المخرجة المصرية الثائرة في قضايا النساء، فمعظم النساء في مصر يرتدين الحجاب (الثقيل)…وأفضل مافي الأمر أن ذلك خيارهن الشخصي، دون تدخل شرطة النظام العام ….