د. محمد محمد الأمين عبد الرازق           لقد أشرنا في ما سبق من حديث إلى اتجاه السيد أيوب صديق، لتسقط رضا قادة الإنقاذ، على حساب المخلصين من مفكري البلد، وذلك بتشويه أفكارهم وشخصياتهم، 

فهو كما أوردنا من مقاله مؤيد لحرمان الحزب الجمهوري من حقه الدستوري في التعبير عن أفكاره، ولكن تأييده لا يقوم على قناعة فكرية محايدة يمكن أن يناقش فيها من أجل توضيح الحق، وإنما هدفه دعم إجراءات القمع التي يتعرض لها المواطن السوداني.. والهدف النهائي من هذا التضليل هو أن ترضى عنه السلطة، فهو ينطلق من رغبة نفسية في جلب الرضا والثناء من قادة الإنقاذ، وبالتحديد السيد رئيس الجمهورية، وقد رأينا كيف انبرى ليكيل الثناء والتمجيد له وهو يجيب بكلام لا علاقة له بالسؤال، وكما يقولون: الغرض مرض.. وليبعد عن نفسه زعمنا هذا واتهامنا له بعدم الحياد والغرض، حاول أن يخدعنا بأن هناك سببا قويا آخر هو الذي دفعه ليكتب عن الأستاذ محمود، إذن اقرأ ما قال:

 (كان حديث هذا الشخص ودفاعه زاعقاً عن محمود، سبباً قوياً في رجوعي الى هذا الموضوع لأكمله، فلعله يلقى شيئاً من الحقيقة على عقيدة محمود التي يدافع عنها بعضاً من الناس في بلادنا، ظانين أنهم هم فقط الذين سبروا غورها وعرفوا كنهها.
صراحة خفتُ إبان تسجيل الاحزاب أن يُسجل الحزب الجمهوري، حيث كان سيُسمح له بنص القانون الدعاية لعقيدته من مختلف المنابر، وهي عقيدة عندي من صميم العقيدة البهائية الخارجة عن الاسلام).. انتهى..

والشخص الذى ذكره وردت حكايته في مقدمة المقال:

 (وقبل أيام جمعتني جلسة مع عدد من الإخوة السودانيين، وبطبيعة الحال ما اجتمع عدد منا إلا وكان الحديث عن السياسة في بلادنا جليسهم المفضل. تفرع الحديث في تلك الجلسة وتطرق إلى الاحزاب والشخصيات السودانية وعقائدها السياسية، فذكر من تلك الشخصيات محمود محمد طه. فانبرى أحدهم يدافع عن فكره الذي لم يفهمه الناس، وقال إنه يجب أن يُقتص لقتله. كان الرجل منفعلاً جداً، حاولتُ أن أطرح رأيي ولكنه لم يكن مستعداً لسماعه، وما أنا عنده إلا كالذين لم يفهموا فكر محمود وهم كثر في السودان. ).. انتهى..

فالسيد أيوب صديق، أورد هذه الحكاية ليوهمنا أن السبب القوي لكتابة افتراءاته هذه في حق الأستاذ محمود هو دفاع هذا الشخص، وهو يظن أن هذه الحجة ستقنع القارئ وتصرفه عن اكتشاف الدوافع النفسية الحقيقية وراء هذا النعيق.. وعبارة (سببا قويا) نفسها الدليل على أن هناك سببا آخر يحاول إخفاؤه!!

 وسنرى فيما يلي من حديث تأكيد لقولنا هذا من بقية مقاله عندما سرد تاريخ البهائية!!

في جانب تاريخ البهائية أورد السيد أيوب المعلومات الأساسية حول أصل البهائية وجذورها في البابية، لكنه ركز على تأييد الصهيونية العالمية وأهمل لب الموضوع وهو تفاصيل شريعة الدعوة البهائية، وهي الأهم لأنها كانت ستوضح الاشتراك المزعوم بينها وبين الأستاذ محمود..

إذن تابع تركيزه على الإثارة بأمر الصهيونية:

(أما البهاء فلقية اليهود المقيمون في فلسسطين بالترحاب واحتضنوه ووفروا له الاموال. ألف البهاء كتباً زعم أنها موحىً بها إليه، منها (ألواح بهاء الله إلى الملوك والرؤساء) و(مجموعة لآلئ الحكمة) وأهم هذه الكتب وأعظمها عند البهائيين كتاب (الأقدس) وهو عندهم أقدس من جميع الكتب المقدسة، حيث يقول البهاء فيه (من يقرأ آياتي لخيرٌ له من أن يقرأ كتب الاولين والآخرين). واستمر الباب في نشر ضلالاته وافتراءاته بدعم من المؤسسات الماسونية والصهيونية في العالم. )..

ويواصل: ( خلف البهاءَ في رئاسة الطائفة البهائية ابنُه عباس عبد البهاء، وكان البهاء قبل موته وفي وصيته له بتولي رئاسة الطائفة البهائية) (زار عباس سويسرا وحضر مؤتمرات الصهيونية ومنها مؤتمر بال في عام 1911م، تقول المصادر إنه حاول تكوين طابور خامس وسط العرب لتأييد اليهود والصهيونية، وخرج عبد البهاء بدعوته الى خارج العالم الإسلامي فأسس في مدينة شيكاغو الأمريكية أكبر محفل للبهائية. هلك عبد البهاء في القاهرة بمصر في عام 1921م، وبعد مهلكه خلفه في رئاسة البهائية حفيده شوقي أفندي، وسار على نهجه في نشر دعوتهم البهائية، التي نالت من الصهيونية العالمية أكبر تأييد إلى يوم الناس هذا.
كتب شوقي أفندي في 30 يونيو 1948م إلى ديفد بنغوريون أول رئيس وزراء لإسرائيل يعبر له عن أطيب تمنياته من اجل رفاهية الدولة الإسرئيلية الجديدة. وقد عقد البهائيون المؤتمر البهائي العالمي عام 1968م برعاية الكيان الصهيوني. وجاء في حفل ختام ذلك المؤتمر أن الحركتين اليهودية والبهائية متممتان لبعضهما، وتجتمعان في أكثر النقاط. هذا وكان قد تولى رئاسة شؤون البهائيين في عام 1963 اليهودي الصهيوني (ميسون) وهو أمريكي الجنسية ليكون رئيساً روحياً لهذه الطائفة في العالم أجمع. ).. انتهى..

فكأنه بهذا الكلام أراد أن يقول أن دعوة الأستاذ محمود للمصالحة مع إسرائيل والتفاوض هي الأمر المشترك الذي يدل على وحدة العقيدة بينه وبين البهائية، مع إن إسرائيل الآن موجودة بسفارات في عدد من الدول العربية، والحوار بينها وبين الفلسطينيين قائم، فهل كل هذه العلاقات دليل على وحدة العقيدة مع البهائية أم أن الأستاذ محمود وحده الذي وقع في هذا الفخ!!

إن الوقت الذي كانت فيه دعوة التفاوص والصلح والاعتراف، مع إسرائيل غريبة ومرفوضة قد ولى، وصارت جميع الدول العربية اليوم تتفاوض إما مباشرة أو عن طريق الوسطاء، أما الدعوة التي طرحها الأستاذ محمود في كتابه مشكلة الشرق الأوسط فهي دراسة متكاملة لحل مشكلة فلسطين، ولا يمكن لإنسان باحث ومفكر أن يرفضها على الأساس الذي وضعه السيد أيوب صديق..

يمكنك أن ترى إلى أي مدى يمكن أن ينحدر الشخص المغرض ليحقق أحلامه الشخصية الضيقة!!

والغريب أن السيد أيوب قال أن الأستاذ محمود اعتنق العقيدة المزعومة في الأربعينات، مع إن دعوة الرسالة الثانية بدأت عام 1951م، ففي الأربعينات كان الأستاذ محمود يعمل في إطار ملء فراغ الحماس ضد الاستعمار ولم يطرح أفكاره الدينية إلا بعد نهاية الأربعينات!!

على كل حال أدناه تفاصيل الدعوة البهائية، التي أخفاها السيد أيوب من أجل أن يفسح المجال للإثارة والتشويه والاستعداء لتتبسم السلطة في وجهه وتدبجه بالأوسمة، إذا أنه بين لها صحة قرارها في حرمان الحزب الجمهوري من حق التعبير!!

 تعريف بالبهائية: 

 البهائية امتداد للبابية ومؤسس الدعوة البهائية هو الميرزا حسين علي (البهاء)، وكتابها الذي يزعمون أنه موحى من عند الله هو (الأقدس).. والصلوات عند البهائية تسع ركعات عند الزوال، والبكور والاقيال، وقبلتهم هي شطر مقام البهاء في (عكة) .. وهم لا يصلون صلاة الجماعة إلا على الميت.. والحج عندهم لمقام البهاء بعكة، أو لمقام الباب.. والصوم عندهم تسعة عشر يوما، كما جعلوا عدد الشهور تسعة عشر، كل شهر تسعة عشر يوما.. (راجع كتاب البابيون والبهائيون لعبد الرازق الحسني)..

ويعتبر البهائيون أن دينهم هو الذي يجب أن يتمسك به الناس، فقد جاء في كتاب (الأقدس): (ليس لأحد أن يتمسك اليوم إلا بما ظهر في هذا الظهور)، وعندهم أن كتابهم هو روح الكتب..

وفي شريعة الزواج عند البهائيين، لا يباح زواج أكثر من زوجتين، فقد جاء في (الأقدس): (وقد كتب عليكم النكاح وإياكم أن تتجاوزا اثنتين، والذي اقتنع بواحدة من الإماء استراحت نفسه ونفسها)..

وعقوبة السرقة عند البهائيين هي النفي، أو الحبس بدل الحد في الإسلام(قطع اليد).. وعقوبة الزنا عندهم هي الغرامة بدل الحد في الإسلام وهو (الجلد أو الرجم).. وقد ورد كل ذلك في كتاب (الأقدس): (كتبنا على السارق النفي أو الحبس) (قد حكم الله لكل زان وزانية دية مسلمة إلى بيت العدل) من كتاب عبد الرازق حسني المشار إليه آنفا..

كما هو واضح من هذه التفاصيل، إن الدعوة البهائية دين جديد له كتابه المقدس (الأقدس)، ويزعم رسوله (البهاء)، أن كتابه هذا موحى إليه من الله، كسائر الأنبياء الرسل في التاريخ، وله عبادات وعقوبات مخالفة للإسلام، ويطالب البهاء الآخرين بترك أديانهم واتباعه بالتصديق فقط فهو لا يقدم فكرا مطروحا للنقاش والأخذ والرد.. فلماذا غيب السيد أيوب هذه التفاصيل وركز على العلاقة بين اليهود والبهائية!!؟؟

الحقيقة التي يجب أن تقال هنا هي أن السيد أيوب صديق، لا يملك أي معلومات عن الفكرة الجمهورية، وفي تقديري لم يقرأ لها ولا كتاب واحد!! لأنه من البديهيات أن الفكرة الجمهورية اسمها الدعوة الإسلامية الجديدة وتعتمد على القرآن وتدعو الناس كافة إلى تقليد النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.. وهي تعتمد على بعث أصول القرآن المكية التي نسخت في القرن السابع بالفروع المدنية، وهذه هي منهجية تطوير التشريع إلى الرسالة الثانية من الإسلام وهي الرسالة التي تقوم على أصول القرآن، والتي طبقها النبي الكريم في خاصة نفسه، وفي كلمة واحدة فإن الرسالة الثانية هي (السنة).. والتطوير نفسه لا يقع على العبادات والحدود والقصاص وإنما يقع في المسائل المرتبطة بتحولات المجتمع البشري، وهي السياسة والاقتصاد والاجتماع.. ففي السياسة الانتقال من الشورى إلى الديمقراطية وفي الاقتصاد التحول نحو الاشتراكية بدل الرأسمالية الملطفة وفي الاجتماع محو الفوارق الطبقية التي تمنع التزاوج بين الناس..

 فالأستاذ محمود لم يدع إلى دين جديد كما فعلت البهائية فما الذي يربط بين عقيدته وعقيدة البهائية!!؟؟

إن السيد أيوب سطحي التفكير وضحل في ثقافته العامة، لكن المشكلة الأساسية التي أظهرته بهذا المستوى المخجل ليست هي سطحية التفكير ولا ضحالة الثقافة، فيمكن أن يكون الإنسان جاهل لكنه صادق وإنما المشكلة هي أنه مغرض يلهث نحو أهداف خاصة على حساب الآخرين، ولذلك الحوار الفكري معه لا يجدي ومن أجل ذلك اكتفينا بكشف أهدافه الحقيقية وراء كتابة هذا الهراء!!