محمد جلال أحمد هاشمعلم الأسماء الجغرافيّة ونموذج غير تخريجيبلاد النّوبة مصدر التّوحيد: الآن دعوني أضرب بعض الأمثلة غير العويصة في مجال علم الأسماء الجغرافيّةTOPONYMY . في شرق دنقلا يقع الموقع الأثري المعروف والمشهور باسم كواKOWA .

هذا الموقع أورده آرمبروستر في قاموسه للغة الدّنقلاويّة بالصّيغة التّالية KAWWA، وفسّره على أنّه يعني (المكان المنبسط والمكشوف). ويرد اسم هذا المكان في الكتابات الآثاريّة بالصّيغة التّالية: KAWA بإسقاط التّشديد عن الواو كما هو الحال في كتابة الحروف المشدّدة بأغلب اللغات الأوروبيّة، ذلك لأنّ صوتيّات التّشديد عادةً ما تلتبس عليهم، ولذا يجتبون الاسم (حسن) بسين مشدّدة، مثلHASSAN . يضمّ هذا الموقع العديد من المعابد أشهرها ذلك الذي بناه إخناتون، ثمّ زاد عليه توت عنخ آمون، ثمّ المعبد الذي بناه داخل الإثنين السّابقين ترهاقا، والذي يقبع الآن داخل صالة في متحف الأشموليان بأوكسفورد من العقد الرّابع من القرن العشرين. ما يهمّنا هنا هو المعبد الذي بناه إخناتون. في اللغة المصريّة القديمة (وهي والدة اللغة القبطيّة ــــ أي ليس لغة أهل كرمة أو مروي، دع عنك اللغة النّوبيّة الحديثة نسبيّاً) تُستعمل بعض العلامات الهيروغليفيّة وتسمّى “محدّدات المعاني”DETERMINATORS . من بين هذه المحدّدات، هناك علامة خاصّة تُرسم بجانب أيّ كلمة تُشير إلى اسم مكان، وهي عبارة عن دائرة بداخلها خطّان متقاطعان يتماسّان بقطرها. الآن جميعُنا يعرف ويُلاحظ عادة تعليق بعض الأدعية والتّعاويذ بجُدُر المنازل معلّقة في إطار ومزخرفة. هذه العادة يبدو أنّها قديمة؛ ففي المعابد والقصور في الحضارة المصريّة القديمة كانوا يفعلون نفس الشّيء. من أشهر تلك الأدعية التي أتى بها إخناتون مؤسّس ديانة التّوحيد في الحضارة القديمة، دعاء يُنطق على النّحو التّالي: GEMATON أو GEMATEN الذي يتكوّن من GEMA بمعنى مصدر أو منبع أو أصل أو مأتى حسب قاموس بدج وحسبما اعتمده علماء المصريّات؛ ثمّ ATON أوATEN  بمعنى آتون، أي الإله الشّمس، أو الشّمس. وترد هذه التّعويذة بكثرة في تلّ العمارنة وخلافها. لكن ما يميّز هذه التّعويذة والتي بالفعل وُجدت في معبد إخناتون الذي شيّده في KOWA (ولتلاحظوا الفرق في كتابتي لهذا الاسم) أنّها لا ترد كتعويذة فحسب، ذلك لأنّها يسبقها محدّد الاسم DETERMINATOR الخاص بأسماء الأماكن. أي أنّها تعني هنا اسم مكان وليس مجرّد تعويذة. بالعودة إلى الاسم GEMATON نلاحظ أنّه، بالاستناد إلى هانز ـ بريزه، تحرّف عبر العصور حتّى إذا جئنا إلى الفترة المرويّة، أي بعد إخناتون بحوالي ألف عام، أصبح يُنطق على النّحو التّالي: QAWATA. على هذا ذهب هانز ـــ بريزه إلى أنّ KAWA أو KAWWA، هو في الأصل GEMATON باعتبار أنّ QAWATA مرحلة وسيطة. ولكن هانز ــــ بريزه تخلّى عن زعمه هذا فيما بعد. في عام 2001م قام بروفيسور هبرمان بيل وكاتب هذه السّطور ضمن فريق المتحف البريطاني العامل في موقع KAWA بدراسة أسماء المواقع في المنطقة. وكان أوّل ما لفت نظرنا أنّ الأهالي (أهالي الكاسورة وتيمْنار وشرق لبب) رفضوا رفضاً باتّاً كلا النّطقين KAWA أو KAWWA، مشدّدين على أنّ اسم المكان لا علاقة له بتفسير آرمبروستر الذي قال به في عام 1909م (المكان المنكشف ــــ حسبما تعني كلمة KAWWA الآن في كلا اللغتين المحسيّة والدّنقلاويّة. ولتلاحظوا معي خطورة أن يعتمد الواحد منّا النّطق الحالي على أنّه النّطق الأصلي والقديم). ومع أنّهم لم يتمكّنوا من تقديم أيّ تفسير، أصرّوا على أنّ النّطق الصّحيح هوKOWWA . بعد ذلك قمنا بمراجعة العديد من الخرائط التّاريخيّة التي تعود لسنين وبعضها يعود لقرون لنجد أنّ رسم الكلمة في بعضها التي اوردتها يتطابق مع ما قاله الأهالي. عندها قمنا بمراجعة الفرضيّة التي قدّمها هانز ــــ بريزه ثمّ تخلّى عنها. حينها بدت لنا وجاهة نظريّته، خاصّةً عندما أضفنا لها بعض البيّنات الشّفاهيّة المتعلّقة بصوتيّات اللغة الدّنقلاويّة من جهة وبصوتيّات اللغة المصريّة القديمة (على رهافتها.

فما الذي خلصنا إليه يا تُرى؟ خلصنا إلى فرضيّة جديدة قائمة على فرضيّة هانز ـ بريزه القديمة (لاحظوا معي “فرضيّة”، وليس جزماً قاطعاً) تذهب إلى أنّ اسم KOWWA الحالي قد (لاحظوا “قد” هذه) يكون هو نفسه الاسم المصري القديم GEMATON  وفيما بعد الاسم المروي القديمQAWATA .

من هنا تقدّمنا خطوة إلى الأمام لتقديم فرضيّة (لاحظوا قولي “فرضيّة” (لتفسير السّبب الذي دفع إخناتون لتسمية المكان بصيغة هذه التّعويذة. في هذا رجعنا إلى جميع الأدبيّات التي قالت بالأصل النّوبي لوالدة إخناتونتِيْيِ (لاحظوا أنّني أستخدم صفة “نوبي” بالتّعميم الآثاري المجازي لكلّ ما هو جنوب أسوان ممّا رفدت بها حضارة كرمة، وبعدها نبتة وبعدها مروي وبعدها الممالك النّوبيّة، وهو ما درج عليه العلماء دون أن يقصدوا بذلك أنّ جميع ذلك نوبي بحقّ وحقيق. وهذا من قبيل إطلاق الاسم “مصر” أو EGYPT، هذا مع أنّ أهل تلك الحضارة لم يعرفوا هذين الاسمين في الإشارة إلى أنفسهم). كما تعرّضنا للأدبيّات التي قالت بمكوث إحناتون في بلاد النّوبة في شبابه نسبةً لاعتلال صحّته قبيل تنصيبه كفرعون (أمنحتب الرّابع) خلفاً لوالده (أمنحتب الثّالث). ثمّ دون الدّخول في مماحكات ومغالطات، ذهبنا إلى القول بأنّه إذا صحّت (لاحظوا عدم القطع باليقين فيما لا يقين فيه) هذه الفرضيّات، فإنّها تعني ترجيح (لاحظوا عدم يقينيّة كلمة “ترجيح”) أن يكون إخناتون قد اكتشف التّوحيد في هذه المنطقة عندما كان بها في باكر شبابه قبيل صعوده إلى العرش. على هذا تكون بلاد النّوبة، وتحديداً موقع KOWWA الحالي هي منبع ديانة آتون، أي منبع التّوحيد. أثار هذا الرّأي ضجّة في الأوساط العلميّة خارج السّودان بأكثر ممّا أثار في نفس الأوساط بداخله كالعادة، وذلك عندما نُشر البحث في مجلّة:

Bell, H. & Hashim, M.J.2002. Does Aten Live On in Kawa (Kowwa). Sudan & Nubia, No. 6, PP. 42-46.

إذن، ما الذي أريد أن أقوله يا الخير، فيك الخير؟ لا تتوقّع منّي أيّ مجاملة في مجال الدّراسات النّوبيّة، بخاصّة عندما تكون هناك العديد من المؤشّرات التي تٌشير إلى أنّك تتنكّب محجّة البحث الغرّاء وتصدع بغير علم فيما ليس لك به علم. ولك أن تتصوّر أنّ هذا ما كابدناه في سبيل تقديم تفسير افتراضي لكلمة واحدة. فما بالُك تأتي لتفسّر لنا التّاريخ كلّه في بحث واحد وتصدع بالأحكام الجازمة فتجور مرّاتٍ ولا تهتدي. يا صديقي هذه مسئوليّة، وأكون قد خنتُ الأمانة إلّم أبلّغها، والله يعصمُنا من النّاس، فتأمّل! ثمّ أقول قولي هذا تقديراً منّي لقدرتك الجديرة بالإعجاب في الصّبر على الكتابة والمثابرة. وقد أزيدك شرحاً بما ذهبت إليه من قبل في بحث سابق (1999) عن العلاقة بين اسمي دنقلا المعروفة وتقلي بجبال النّوبة؛ فاسم دنقلا الأصلي ليس هو “دنقلا” كما قد تعلم بذلك، بل هو “تُقُل” وفي الكتابات القديمة، حسبما ذهبتُ إليه، “تُقُلي”. ثمّ قد أستعرض لك تفسير جان لوكلان لاسم المكان “أداي فار” ADAY FAAR (الاسم القديم لقرية “قبّة سليم” بالسّكّوت) على أنّه نفسُه اسم المعبد بموقع صادينقا الذي بناه أمنحتب الثّالث (والد إحناتون) وأسماه على زوجته تَيِي HUT TAY بمعنىمنزل حوت”. فتصوّر كيف تحوّر الاسم المركّب من كلمتين عبر العصور ليعطينا الاسمADAY . أمّا FAAR فتعني القديم، وهي قد أضيفت لاحقاً، فيما ذهب إليه العالم الجليل.