د. محمد محمد الأمين عبد الرازق واصل الإذاعي أيوب صديق مقالاته تحت العنوان( وما محمود محمد طه إلا رجل بهائي العقيدة) بحلقة ثانية بتاريخ 25 مايو 2015م بصحيفة الانتباهة، وقد صادر جهاز الأمن هذا العدد مع أعداد عشرة صحف أخرى، ثم حظر الصحيفة ضمن أربعة صحف إلى أجل غير مسمى، فالتقطت هذه الحلقة من النسخة الإلكترونية.. 

وقد كتب السيد أيوب في هذه الحلقة: (عندما كنتُ أتابع قراءتي في الفكر البهائي قلتُ لأحد الإخوة الصحفيين السودانيين في لندن إنني أصبحت على ثقة بأن محمود محمد طه رجل بهائي العقيدة. وبعد حوالى الشهر من قولي له ذلك التقيتُ به ذات يوم وقال لي: يبدو أن ما قلته عن عقيدة محمود البهائية صحيح. فقلت له وما ذاك؟ فقال لي: التقيت قبيل أيام برجل إنجليزي عجوز من الذين كانوا يعملون في السودان، فدار الحديث بيننا عن السودان وعن عدد من شخصياته التي كان يتذكرها، ومن جملة تلك الشخصيات شخصية محمود محمد طه وفكره، فإذا بذلك الإنجليزي العجوز يقول لي: إنه كان هناك رجل انجليزي بهائي في السودان، وكان يدرس محمود محمد طه العقيدة البهائية في كوستي عام 1945م. فقلتُ له الحمد لله الذي جعل اعتقادي فيه بأنه كان بهائياً اعتقاداً صحيحاً. وكان هذا الحديث في لندن في عام 2001م) انتهى..

إن هذا الكلام كله كذب صراح، فما الذي يجعل رجل سليم العقل يكذب ويتحرى الكذب لهذه الدرجة!!؟؟

أحب أن أشرح بتفصيل تاريخ الأستاذ محمود من عام 1945م، وإلى نهاية الأربعينات، فالأستاذ في تلك الفترة كان يقيم بأمدرمان ويعمل مقاولا، ولا علاقة له بمدينة كوستي في تلك الفترة.. وقد تخرج الأستاذ محمود من كلية غردون عام 1936م وعمل مهندسًا بمصلحة السكك الحديدية، وكانت رئاستها بمدينة عطبرة، فأظهر الأستاذ محمود انحيازاً إلى الطبقة الكادحة من العمال وصغار الموظفين، كما أثرى الحركة الثقافية والسياسية من أجل الاستقلال بالمدينة من خلال نشاطه في نادي الخريجين، فضاقت السلطات الاستعمارية ذرعاً به، فنقل إلى مدينة كسلا في شرق السودان في العام 1937م، ولم يتوقف نشاطه وهو في كسلا، وقد حكى السيد عبد الله عوتيب أنه كان سائقا لمدير السكة حديد الإنجليزي، قائلا: (عندما مرّ المدير على الخط وقف له كل العاملين ما عدا محمود، فنزل المدير و(رطن) مع محمود، ثم عاد، فنزلت أنا مباشرة إلى محمود وسألته: بالله يا باشمهندس الخواجة دا قال ليك شنو وقلت ليهو شنو؟ فرد: قال لي: ليه ما وقفت لي؟ فقلت له: أنا سيد البلد، انت التقيف لي مش أنا!!) انتهى..

  تقدم الأستاذ باستقالته من السكة حديد في عام 1941م، واختار أن يعمل في القطاع الحر كمهندس ومقاول فاستقر بالموردة بأمدرمان.. وفي هذه المرحلة واصل نشاطه من خلال الصحف، فكان يكتب عن ضرورة الجلاء التام لدولتي الحكم الثنائي، فلفتت تلك الكتابات نظر مجموعة من الشبان، وأعجبوا بها، ثم تداعى الأمر إلى تكوين الحزب الجمهوري في أكتوبر عام 1945م برئاسته.. وكان برنامج الحزب هو مقاومة الاستعمار بالعمل المباشر بلا هوادة من أجل ملء فراغ الحماس، فقد كانت الحركة الوطنية تدور حول فريقين رئيسيين: الاتحاديين وهؤلاء يسعون إلى الاتحاد مع مصر، والأنصار ويسعون إلى إقامة حكومة سودانية في تحالف مع بريطانيا، وعندما اتفقوا كتبوا وثيقة تقول بقيام (حكومة سودانية في اتحاد مع مصر وتحالف مع بريطانيا)، وهكذا ظل الحزب الجمهوري وحيدا في ميدان مواجهة الإنجليز بحماس..

وعندما أصدر الإنجليز قانون منع الخفاض الفرعوني في ديسمبر عام 1945م عبر المجلس الاستشاري لشمال السودان، أخرج الحزب الجمهوري المنشورات في مواجهته، ولم يكن الجمهوريون يؤيدون الخفاض وإنما كانوا يعلمون أن الإنجليز لا تهمهم كرامة المرأة السودانية وسلامتها، فهم يريدون أن يقولوا للعالم في رد على حركتنا الوطنية، إن السودانيين قوم متخلفون يمارسون عادات همجية ليبرروا بقاءهم كمستعمرين لأطول فترة.. وهذا ورد في المنشور، كما أكد المنشور أن العادات المتأصلة في النفوس كالخفاض، إنما تحارب بالتوعية والتعليم والتربية ولا تحارب بالقانون..

صدر هذا المنشور بتوقيع رئيس الحزب الأستاذ محمود، وما إن وقع في أيدي الإنجليز حتى استدعوا الأستاذ، لمحاكمته، وقد أوردت الرأي العام الخبر:

(الرأي العام -3/6/1946م: مثل الاستاذ محمود محمد طه المهندس أمس امام قاضي الجنايات المستر ماكدوال متهماً من بوليس الخرطوم تحت قانون التحقيق الجنائي لتوزيعه منشورات سياسية من شأنها الاخلال بالامن العام، وقد أمره القاضي أن يوقع علي صك بكفالة شخصية بمبلغ خمسين جنيهاً لمدة عام لا يشتغل خلالها بالسياسة، ولا يوزع منشورات أو يودع السجن لمدة سنة إذا رفض ذلك .. ولكن الاستاذ محمود رفض التوقيع مفضلاً السجن، وقد اقتيد لتوه إلي سجن كوبر)انتهي..

       وفي داخل السجن أشتعلت المواجهة مع الانجليز ، فقد حكي السيد نصر الدين السيد أحداث دخول الاستاذ محمود للسجن في اللحظات الاولي ، عندما التقي بوفد الجمهوريين المتحرك بالجنوب ، وقد كان يشرف علي انتخابات مجلس الشعب الاخير في نهايات مايو، قال:

 اقتيد الاستاذ محمود إلي السجن بواسطة أثنين من الضباط السودانيين، وعندما وصلوا مكتب التسجيل أطلق الأستاذ يديه بقوة وانتزع دفتر التسجيل وضرب به وجه الضابط الانجليزي المسؤول!! ثم رفض القيام للضباط الانجليز على عينك يا تاجر!!، وعندما عاتبه أحد الضباط المصريين محتجاً علي عدم القيام له رد عليه الاستاذ: ( أنا لو كان بقيف للزيك الجابني هنا شنو!!)..

 ويواصل السيد نصر الدين، الذي كان ضابطاً برتبة ملازم آنذاك:

 رفض الاستاذ محمود أن يلبس زي المساجين ، فكلف الانجليز أحد الضباط السودانيين بأن يلبسه إياه بالقوة، لكن الضابط قال للاستاذ محمود بعد أن وضح له المهمة المكلف بها إنه لن ينفذها حتى لو يقلع الكاكي ويذهب إلي منزله!! فنظر إليه الاستاذ محمود ملياً ثم قال له: إذهب وقل لهم قال سيلبسه غداً بعد نهاية يوم العمل، وقال السيد نصر الدين : الغريب أن الانجليز فرحوا لهذا الرأي!!

وعندما أخذ السيد نصر الدين يقلب مجموعة الكتب المعروضة من الوفد، وجد بينها كتاب (د. الترابي يخرج عن الشريعة باسم تحكيم الشريعة) فقذف به بعيدا، وهو يردد: (يا أخي محمود ما كان يوسخ قلمو يكتب عن الترابي!!) وكان الترابي في تلك الأيام في قمة محاولاته لاحتواء مايو من الداخل تحت ستار الدين..  

       استمرت هذه المواجهة داخل السجن طيلة شهر يونيو ، ومما جاء في الصحف عن ذلك هذا البيان:

الرأي العام 26/6/1946م بيان رسمي من مكتب السكرتير الاداري عن رئيس الحزب الجمهوري: ( أظهرت بيانات في الصحف المحلية حديثاً بخصوص محمود محمد طه الذي هو الآن تحت الحراسة بالخرطوم بحري نتيجة لرفضه أن يمضي كفالة المحافظة علي الأمن .. وهذه البيانات قد  احتوت علي معلومات غير دقيقة ، والحقائق كالآتي: لمدة يومين رفض محمود أن يشتغل وهذا يخالف قوانين السجن ، فلم يعمل له أي شئ في اليوم الاول، أما في المرة الثانية فقد حكم عليه بالبقاء ثلاثة أيام بالزنزانة والأكل الناشف .. ولو أنه رفض أيضاً ان يقف عند الكلام مع ضابط السجن فإن العقوبة التي نالها الآن لم تعط له لهذه المخالفة لنظام السجن ، وبهذه المناسبة يجب ان يعلم أن كل المساجين مهما كانت جنسياتهم يجب أن يقفوا إلي ضابط السجن إنجليزياً كان أو سودانياً)  انتهي..

واستمرت المواجهة بهذه الصرامة، وكان الأستاذ محمود يصوم صيام المواصلة لسبعة أيام متواصلة، لا يأكل فيها لا ليلا ولا نهارا، فاستشار الحاكم العام الأستاذ الدرديري محمد عثمان في أمر الأستاذ محمود، فقال له الدرديري:

 (أنا أعرف محمود من عهد الطلاب، فهو لن يتنازل عن قناعته حتى لو يموت).. فقرر الحاكم العام إطلاق سراحه بعد خمسين يوما شكلت ملحمة أسطورية من النضال الوطني ومفخرة للشعب السوداني..

بعد إطلاق سراح الأستاذ محمود واصل الحزب نضاله، حتى حانت في سبتمبر 1946م فرصة أخرى لتصعيد المقاومة، عندما سجنت السلطة الاستعمارية، على خلفية قانون منع الخفاض الفرعونى الذي كان قد صدر في ديسمبر من عام 1945م، امرأة سودانية، في مدينة رفاعة، خفضت ابنتها خفاضا فرعونيا فنهض الأستاذ محمود إلى التصدي لحادثة الاعتقال باعتبار أن العادات لا تحارب بالقوانين، من ناحية، وباعتبار أن الاستعمار إنما يرمي إلى إظهار السودانيين كشعب بدائي غير متحضر مستحق للوصاية من ناحية أخرى، كما ورد آنفا..

 خطب الأستاذ محمود خطبة قوية في مسجد رفاعة مستنهضاً الشعب للدفاع عن المرأة التي نزعت من بيتها وأودعت ظلمات السجن، وجاء في الخطبة:

 ( ليس هذا وقت العبادة في الخلاوي، والزوايا، أيها الناس، وإنما هو وقت الجهاد.. فمن قصّر عن الجهاد، وهو قادر عليه، ألبسه الله ثوب الذل، وغضب عليه، ولعنه.. أيها الناس: من رأى منكم المظلوم فلم ينصفه، فلن ينصفه الله من عدو.. ومن رأى منكم الذليل فلم ينصره، فلن ينصره الله على عدو.. ألا ان منظر الظلم شنيع، ألا ان منظر الظلم فظيع.. فمن رأى مظلوما لا ينتصف من ظالمه، ومن رأى ذليلا لا ينتصر على مذلّه، فلم تتحرك فيه نخوة الاسلام، وشهامة الاسلام الى النصرة، والمدافعة، فليس له من الايمان ولا قلامة ظفر)..

 وهكذا توحدت المدينة خلفه في ثورةٍ عارمة تصاعدت إلى اقتحام السجن، وإطلاق سراح المرأة، رغم المواجهة العنيفة التي وصلت إلى حد إطلاق النار على الشعب من قبل السلطات. وقد تجلت في ثورة رفاعة جسارة الأستاذ محمود في مواجهة المستعمر والتزامه جانب المستضعفين من شعبه، مما خلب ألباب الأحرار..
تمخضت ثورة رفاعة عن سجن الأستاذ محمود لمدة سنتين، قضى ثلاثة أشهر منها في سجن مدني ثم أتم باقى المدة في سجن كوبر الشهير بمدينة الخرطوم بحرى، خرج بعدها في أكتوبر 1948م، ثم ذهب إلى رفاعة واعتكف حتى عام 1951م وحينها خرج بفكرة الرسالة الثانية من الإسلام..

 

وفي بيان رسمي عن اعتقال الأستاذ برفاعة، وثورة الجمهور، وتحركه لاطلاق سراحه، واطلاق البوليس الرصاص عليهم جاء مايلي:

(الرأي العام 7/10/1946: جاءت قوة كبيرة من البوليس من مدني، برئاسة مفتش المركز وفي نفس الوقت عسكر خارج رفاعة البلوك الرابع من فرقة الهجانة بقيادة الصاغ أحمد عبد الله حامد الذي دخل الى رفاعة برفقة ضابط سياسي، وقابل المفتش، وقمندان البوليس، ورجع الى مقر فرقته.. واعتقل الأستاذ محمود محمد طه، وأحضر الى المركز.. وأثر ذلك تحرك جمهور كبير نحو المركز، وفي الحال نقل الأستاذ محمود الى معسكر البلوك الرابع، خارج المدينة.. وتحركت فصيلة من البلوك الرابع لتعزيز قوة بوليس مركز رفاعة.. وكان اطلاق الرصاص بأمر مفتش المركز، عندما رفض الجمهور اطاعة أوامر البوليس المتكررة بأن يتوقفوا عن تقدمهم صوب المركز، وقد أطلق البوليس دفعة فوق رؤوس الجمهور وهم على بعد 40 ياردة تقريبا من المركز، ولما لم يقفوا، أطلقت دفعة أخرى على الأرض أمام أقدامهم، في وقت كانت فيه مقدمة الجمهور على بعد 25 ياردة من المركز، ولم يصب غير أربعة أشخاص، أثنان منهم باصابات بسيطة جدا، وأما الرابع ، فقد كسرت ساقة كسرا سيئا)..

وحول المحاكمة جاء في الرأي العام:

(الرأي العام 17/10/1946 م: حكمت محكمة كبرى بودمدني برئاسة القاضي أبورنات، بسنتين سجنا على الأستاذ محمود محمد طه رئيس الحزب الجمهوري، بتهمة اثارة الشغب في رفاعة.. كما حكم عليه بوضعه تحت المراقبة لمدة سنة أخرى بعد اتمام مدة سجنه)..

إذن هذه هي سنوات الأربعينات، قضاها الأستاذ محمود إما صراع مع الإنجليز أو داخل السجن، فأين وجده هذا الإنجليزي العجوز ليدرسه البهائية!!؟؟ هل وجده في مدينة كوستي اللهم إلا أن تكون كوستي هي سجن كوبر او حي الموردة بام درمان!!؟؟

أذكرك بكلام أيوب صديق: (فإذا بذلك الإنجلزي العجوز يقول لي: إنه كان هناك رجل انجليزي بهائي في السودان، وكان يدرس محمود محمد طه العقيدة البهائية في كوستي عام 1945م.)!!

على كل حال لا نملك إلا أن نردد (أقام العباد فيما أراد وإنا لله وإنا إليه راجعون)!!