عيسى إبراهيم *   * التنظيم الجبهوي هو اتفاق فرقاء على الحد الأدنى من أوجه اللقاء بينهم، واستبقاء أو تأجيل الخلافات الفكرية والمنهجية إلى حين ازالة العقبة التي تعترض سبيل الفرقاء الجبهويين، 

وحينما يحقق الفرقاء هدفهم (إزالة العقبة المعترضة طريقهم) يذهب كلٌ إلى حال سبيله لتحقيق أهدافه الأخرى ويصبح أصدقاء الأمس هم فرقاء و”متشاكسو” اليوم، حين كون إسلاميو السودان تنظيمهم سموه  “الجبهة الاسلامية القومية”، ثم “جبهة الميثاق”، وكلمة “الجبهة” ذات ظلال وانعكاسات يسارية، واليوم أصبح الاسلامويون أحزاباً ومجموعات وأفراداً: وطني، وشعبي، والإصلاح الآن، وسائحون، ومنبر السلام العادل، وحتم، والحركة الوطنية للتغيير “المنبر الحر”، والأفندي، وجعفر شيخ إدريس الـ (شيخ الذي بلا حيران)!.

* حين نشأ المؤتمر الوطني سُميَّ بالكيان الجامع (يجمع الصوفي مع الوهابي مع الاسلامي السياسي مع الاسلامي “الساهي”) وأريد له أن يكون ساحة كبيرة للاصطراع الودي، يختلف الناس في باحتها بالحسنى ويتراضون على إدارة خلافاتهم دون مقابضة “حِزَزْ”، وحين دب الخلاف بين العسكريين والمدنيين حول السماح بوجود تعددية سياسية (يقول دكتور الطيب زين العابدين أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم والمنتمي – كان – للاسلاميين) اخترع الترابي التوالي السياسي لتحقيق مكاسب للطرفين المتنازعين من عسكريين ومدنيين!، (الجريدة 17 مايو 2015 صفحة “5”).

* إنشغال الترابي حين إعلانه التوالي السياسي، كان ينصب – حسب رأيه – على توحيد أهل القبلة في السودان، لاسيما التنظيمات ذات الأيديولوجيا الإسلامية كأحزاب الأمة القومي والاتحادي الديمقراطي، ويرى مراقبون اتجاه الترابي إلى جمع الصف الإسلامي بشقيه الحديث والطائفي، وكان يقول إن المقصود أن نتوالى جميعاً إلى الله، فيما يرى اركان نظام “ثورة الانقاذ” ومؤيدوه بأنه يعني التعددية السياسية يقول الدكـتور لورانـس لوال نائب الأمين العام لـ “المؤتمـر الـوطني”: إن “التوالي السياسي” يتيح قيام تنظيمات سياسية خارج إطار المؤتمر الوطني (الوسط – كمال حامد 21/12/1998 – صحيفة الحياة العدد: 360)

* نص دستور السودان لسنة 1998 على حرية التوالي والتنظيم في المادة رقم 26 البندين 1 و2، وتقرأ كما يلي: “للمواطنين حق التوالي والتنظيم لاغراض ثقافية أو اجتماعية أو اقتصادية أو مهنية أو نقابية لا تقيد إلا وفق القانون. ويكفل للمواطنين الحق لتنظيم التوالي السياسي ولا يقيد إلا بشرط الشورى والديموقراطية في قيادة التنظيم واستعمال الدعوة لا القوة المادية في المنافسة والالتزام بثوابت الدستور كما ينظم ذلك القانون”.

وورد تفسير التوالي السياسي ضمن بنود القانون وشرحه: “التنظيم يقصد به جماعة تقوم بتنظيم التوالي السياسي في التناصر والترابط الطولي للتعبير السياسي بغرض الدعوة والتنافس في الانتخابات لولاية السلطة العامة وفق القانون” (أحمد إبراهيم الطاهر – المصدر السابق).

* محمد أحمد سالم مسجل الأحزاب الأسبق يرى: أن الـ (توالي) هي الكلمة العربية الفصحى التأصيلية للتنظيم السياسي، و(توالي) تعني مناصرة وتجمعاً، والحزب يجتمع فيه الناس ويلتقون على فكرة واحدة. (المصدر: الأهرام اليوم – الطيب محمد خير –  14 يونيو 2011).

* يقول أبو القاسم حاج حمد عن التوالي: “التوالي من توليدات الترابي الفكرية وهو تعبير سياسي مستحدث في الفكر الاسلامي الدستوري ومركب على أساس الشورى ولم يصل إلى درجة المصطلح”، (حاج حمد – صحيفة الأنباء 28 يناير 99)، ويواصل حاج حمد ليقول: “والترابي يسعى لايجاد نظام سياسي شوري اسلامي مميز عن الشق الغربي ولكنه لا يجد في موروث القضاء الاسلامي ما يسعفه في ذلك والكلمة مصطلح تجديدي”، و”الترابي يستدرك فارق النسق الاسلامي والغربي ولا يستلف من النسق الغربي” (الأنباء – 28 يناير 99)، ونحن نرى – رغم تأكيد حاج حمد أن الترابي لا يستلف من النسق الغربي – ان الترابي غارق حتى أذنيه في الاستلاف من النسق الغربي ولكنه لا يملك معياراً واضحاً للتمييز بين الشورى والديمقراطية، فالشورى “نظام وصاية” من النبي الكريم (عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم) الرشيد على الأمة القاصرة آنذاك يدرجها ويعلمها ويأخذ بيدها لتبلغ حرية الاختيار الكامن في الديمقراطية كما هو اتجاه الأستاذ محمود محمد طه في مقارنته بين الشورى والديمقراطية وهو ما لم يقوَ عليه لا الترابي ولا حاج حمد (يرحمه الله)، فالترابي نحا نحو إلزامية الشورى – والشورى عند جمهور المسلمين معلمة للنبي لا ملزمة له – باعتبارها سيادة لرأي الأغلبية، وسعى لتفكيك أوصال مصطلح “أهل الحل والعقد” ليعم كافة أفراد الشعب ترسماً لخطى الغرب واستلافاً مباشراً من النسق الغربي في الفكر السياسي المعاصر، حيث الديمقراطية في سيرها نحو مصطلح الشعب قبلت المرأة في ساحتها وانتهى الأمر بتحريم العبودية فزال بالتالي شرط حرية الانسان كقيد في ممارسة الديمقراطية إذ كانت الديمقراطية الأثينية لا تعترف بالعبيد ضمن ممارسيها، والترابي حين عجز عن التمييز الفكري بين المصطلحين أخذ يزاوج في استعمالهما معاً أنظره كيف ذكرهما معاً في المادة رقم 26 البندين 1 و2 من دستور السودان لعام 98: “… ويكفل للمواطنين الحق لتنظيم التوالي السياسي ولا يقيد إلا بشرط الشورى والديموقراطية …“!. 

* المهم حين طرح الترابي (في ماضي تجربته التنظيمية في المؤتمر الوطني الموحد آنذاك) التوالي السياسي ككيان جامع للتنظيمات السياسية المتقاربة فكراً ومنهجاً، كان هو أول من خرج على تواليه السياسي (إبان تباعد القصر عن المنشية بفعل مذكرة العشرة وبدبيب الخلاف بين الترابي والبشير على السلطة لمن؟، حين علم البشير مكر الترابي إذ قيد من خلال ما سنه من قوانين للمجلس الوطني يد رئيس الجمهورية في حل المجلس بينما أطلق يد المجلس لاقالة رئيس الجمهورية) الذي كان المأمول فيه أن يكون بوتقة خلاف ناعم ومقدور عليه بين المختلفين رأياً والخروج بتوليفة توافقية تبقي على الشكل المتماسك وإن ظاهراتياً، وقد أرَّخت المفاصلة وافرازها لحزبين يتجاذبان الاسلامويين السودانيين، أرخت لسقوط فكرة التوالي السياسي سقوطاً له دوي حيث خرج عرَّاب الفكرة على فكرته وأدار ظهر المجن لأحباب الأمس فرقاء اليوم بعد أن أعيته حدة الصراع عن الثبات على تواليه، (الرأي الآخر 3 يوليو 2000 العدد 1246 الصفحة الخامسة).

* د. الطيب زين العابدين في تعليله تقديم الترابي مقترحه “التوالي” جاء بكلمة مفتاحية حين قال: “ اخترع الترابي التوالي السياسي لتحقيق مكاسب للطرفين المتنازعين من عسكريين ومدنيين!، (الجريدة 17 مايو 2015 صفحة “5”)“، فالطرفان المتنازعان تشاكسا حول السماح بتعددية سياسية وعدم السماع بهذه تعددية، معنى ذلك أن الترابي حين قدم مقترحه التوالي قدمه لتحقيق مكاسب للطرفين المتنازعين، ولا يمكن أن يكون هناك مقترح يحقق مكاسب لمتناقضين، إلا أن يكون هذا المقترح “لا هو تعددي” و”لا هو غير تعددي”، والتوالي إذن يخدم المنزلة بين المنزلتين، لا هو ديمقراطي بالكامل، ولا هو شوري بالكامل، والذي يريد أن يعرف ماهو هذا النظام الذي هو “لا حي لا ميت” عليه مراجعة تجربة الانقاذ خلال الأعوام الربع قرنية الماضية!!.

* النظام الخالف في نظر المؤتمر الشعبي “ يدعو لاندماج الأحزاب والتنظيمات السياسية ذات الخلفيات المشتركة في كيان واحد، يعبر عن قضاياها المشروعة (المجهر السياسي 24 مايو 2015 الصفحة الأولى)، أما في اعتبار د. الطيب زين العابدين فالنظام “الخالف” معناه النظام “البديل” واستخدمت كلمة “خالف” تحسباً لعدم استفزاز الحكومة (الجريدة 17 مايو 2015 صفحة “5”)، ويعني هذا أن الترابي “المؤتمر الشعبي” يسعى لجعل “التوالي” عفواً “الخالف” (أحمد – طبعة 98، وحاج أحمد – طبعة 2015 اللامزيدة ولا منقحة) مقبولة البلع للصديق اللدود “المؤتمر الوطني”، أي الـ  Coated twali أو الـ Coated khalif سهلة التناول وبلا مضاعفات تبدو للعيان، فهل ينجح الترابي في ما فشل في تحقيقه في العام 1998؟!.

* eisay@hotmail.com