خلف الله عبود الشريف *   حدثنا الفقهاء قديما عن عدم جواز بيع الطير في الهواء وبيع السمك في الماء، وعدم شرعية هذا النوع من التجارة، لسبب بسيط، وهو أن هذا النوع من البضاعة  (بيع ما لا تملك) ليس بضاعة مقبوضة مضمونة يمكنك أن تدفع ثمنها للتاجر وأنت مطمئن. 

أكثر من ذلك حدثنا الصوفية من أولياء السودان، فيما روي لنا الأستاذ محمود محمد طه في مجلس من مجالسه، أنهم قالوا أن البيع الشرعي والصحيح هو ” البيع الحر… دا يصر… ودا يجر” ، ويعني ذلك أن البيع الذي يرتضيه الشرع هو أن يقبض التاجر الثمن في نفس الوقت الذي “يجر فيه الشاري بهيمته التي إشتراها، وقد جعلوا البهيمة مثالا لكل ما يمكن ان يشتريه مشتر، من السوق، وهو ما اصطلح على تسميته ببيع المساومة .

ولكن ماذا جرى من أمر حكومتنا التي قالت أنها أتت بـ “شرع الله” في التعامل في كافة المناحي ولا ترضي لذلك بديلا، وقد أتت (كما زعمت) لقولبة الإنسان السوداني في قالب الشريعة والدين؟

لقد عالجت هذه الحكومة أمر تأخير دفع فاتورة الكهرباء والمياه، بحيلة عجيبة أخرجتها من كل ما ذكره الفقهاء والعلماء، من امر الشريعة في البيع والشراء، حينما إبتكرت بدعة ” الجمرة الخبيثة” وهي تعبير إبتكرته عبقرية الشعب السوداني المسحوق الذي تفنن في التسميات…  والجمرة الخبيثة، كما يعرفها كافة أهل السودان هي الدفع المقدم الإلكتروني للكهرباء والماء، في ذلك الجهاز الصغير، وقد تبرمجت بصورة متقنة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، فهي تعمل بكفاءة عالية وقد سخرت لها الحكومة أفضل مبرمجي الكمبيوتر ، حتى لا تغادر جنيها واحدا إلا أحصته. وواهم أي من سواد الشعب من يدعي القدرة على تجاوز الدفع المقدم، لمائه وكهربائه فهو لابد له أن يقتطع من قوت عياله ما يدفعه لشركة توزيع الماء والكهرباء ليضمن استمرار هاتين السلعتين المهمتين.

ونحن نقدر تماما ضرورة تحصيل قيمة الكهرباء والمال من المستهلك، حتى لا يتم التجاوز وإهمال دفع الفواتير وحتى لا تتعطل الشركات المعنية في إنتاج الكهرباء وتوزيعها للمستهلك وكذلك بالنسبة للماء… أما أن يقوم المستهلك بالدفع المقدم لسلعة من السلع لا يضمن وصولها إليه في الوقت الذي يحتاجها، فهو أمر يخرج المسؤولين من الإلتزام بـ” شرع الله” المعلن، كسياسة للدولة، فإن الحكومة تفعل عكس ما يعلمه الجميع من الشرع ومن طبيعة السوق…. فالمعروف في أسواق الدنيا كلها بما فيها الإسلامية، أنك كمشتري يمكنك أن تقبض بضاعتك كلها ثم تدفع الثمن بالأقساط، أما أن تدفع قيمة البضاعة كاملة و ” كاش” كمان، ثم لا تصلك البضاعة في وقت حوجتك، بل تقطع الكهرباء في منزلك في أوقات الحر الشديد وفي بداية الليل حيث إعداد عشاء الأطفال ومذاكرة الطلاب،  فإنها البدعة بعينها، وهي تشبه التعبير الذي سقناه في أول المقال من بيع الطير في الهواء والسمك في الترعة الكبيرة، ولا تختلف عن ذلك في شيء… ويظهر ذلك جليا حينما يكون المستهلك قد إشترى الكهرباء والماء، ثم هو يعاني من إنقطاع كليهما أو إحداهما وبصورة يومية… ويظل محروما من الإستفادة من هاتين السلعتين، في وقت قد يكون أحوج ما يكون لها… وتتعطل حينها مصالحه تماما ويشعر بالظلم، والظلم ظلمات كما تعلمون…. وأسوأ من ذلك أن معظم المستهلكين يدفعون مبالغ إضافية لتشغيل الموتورات لملء الصهاريج أو براميل الماء، حتى لا تنقطع عندهم هذه السلعة الحيوية، وهم بذلك يدفعون قيمة إضافية للكهرباء، لايمكن أن تكون إلا إرهاقا ماليا وظلما فادحا، فإن العقد المبرم بين المستهلك والممول لهاتين السلعتين، يجب أن يضمن إيصالها للمستهلك وبصورة دائمة، مادام يستمر في  دفع القيمة المطلوبة… والآن نحن نقضي ساعات طويلة من نهارنا دون ماء ودون كهرباء، وفي صبر يحسدنا عليه أهل الصبر، ولم نفكر كما فكر أهل بعض الأحياء برفع قضية ضد الهيئة المختصة بالماء، والتي قبضت الثمن مقدما، وهي قضية مضمونة في كل أنحاء الدنيا… ولكن ماذا عن السودان؟

وأخيرا فليس هناك، أي مبرر أن تتوقف هذه الخدمة المهمة والحيوية عن مستهلك لعدة ساعات، بينما هو قد وفى بما عليه من إلتزام مالي،… ولا نستطيع إلا أن نقول أن الحكومة قد وقعت فيما حذر منه الصوفية والفقهاء في أن تبيع  للمستهلك الطير في الهواء قبل أن تقبضه، والسمك في الترعة الكبيرة قبل أن تصطاده.

وكان الله في عون المستهلك السوداني.

 

 

* مختص التربية الفنية البيئية