رشا عوض *هذه هي رسائل جهاز الأمن في قضيتي ساندرا ونسرين! *سيناريوهات الاعتذار والتراجع صناعة أمنية *هذا ما يروج له عملاء "الأمن" في مواقع التواصل الاجتماعي!

توجهت ساندرا فاروق كدودة الناشطة السياسية المعارضة  إلى دار حزب الأمة القومي للمشاركة في ندوة مناهضة لانتخابات الزور في أبريل الماضي، في طريقها الى هناك وبينما كانت تتحدث بهاتفها النقال هاجمها أفراد بلباس مدني ونزعوا هاتفها واقتادوها الى جهة غير معلومة تاركين سيارتها في الشارع وقد سمع الشخص الذي كانت تتحدث معه مشاجرتها مع من نزعوا هاتفها، اختفت ساندرا لمدة ثلاثة أيام واتهمت أسرتها مباشرة جهاز الامن باعتقالها أو بالاحرى اختطافها،  ثم عادت ساندرا الى منزلها مضروبة ضربا مبرحا وعليها علامات الإعياء، بعد عودتها تقدمت أسرتها بشكوى إلى جهاز الامن تتهم فيها عناصره باختطافها وضربها وتعذيبها، وجهاز الأمن بدوره دون بلاغا ضد ساندرا في نيابة أمن الدولة متهما إياها بإشانة سمعته، ونشر الأخبار الكاذبة والإخلال بالسلامة العامة، ولم يكتف بالبلاغ فقط، حيث توالت الأنباء عن اقتحام عناصر الأمن لمنزل أسرة ساندرا وتفتيشه واعتقال من فيه، وتكررت الاستدعاءات والاستجوابات والمضايقات لساندرا وأسرتها، بعد كل ذلك، وبعد مرور شهرين على واقعة الاختطاف، خرجت علينا مؤسسة إعلامية تابعة لجهاز الأمن تسمي نفسها (المركز السوداني للخدمات الصحفية) وتعرف اختصارا ب SMC  ، بخبر ملخصه ان ساندرا فاروق كدودة عقدت مؤتمرا صحفيا بمنزلها برأت فيه جهاز الأمن من تهمة اختطافها وتعذيبها، وقالت انها اختفت بمحض إرادتها ولأسباب شخصية واعتذرت لجهاز الأمن وللشعب السوداني عن كل ما حدث.

حظي خبر المؤتمر الصحفي لساندرا بتغطية في صحف الخرطوم نافست تغطية خبر تنصيب البشير الذي صادف ذلك اليوم!

ونفس سيناريو ساندرا تكرر مع الناشطة نسرين علي مصطفى التي تحدثت عن ظاهرة التحرش الجنسي بالأطفال في سيارات الترحيل، في منتدى جمعية حماية المستهلك، فاعتقلها جهاز الأمن على تلك الخلفية، بعد أن عاقب الصحف التي نشرت حديثها بالمصادرة بعد الطبع.

طالعتنا أمس ذات المؤسسة الإعلامية التابعة لجهاز الأمن بالخبر التالي”  نفت الناشطة نسرين علي مصطفى صحة ما نقل عنها خلال الملتقى الإسبوعى لجمعية حماية المستهلك حول وجود حالات تحرش بالإطفال في سيارات الترحيل، وأكدت أن ما نسب اليها كان مبتوراً من السياق الذى جاء فيه الحديث.
وقالت الناشطة بمنظمات المجمتع المدنى فى مؤتمر صحفى عقدته اليوم بالخرطوم ورصدته(smc) أنها لا تمتلك أدلة أو إحصائيات أو شواهد على وجود حالات تحرش جنسي أو إغتصاب داخل تراحيل المدارس ورياض الأطفال، مبينةً أن الهدف من الورقة العلمية التي قدمتها في الملتقى هو لفت الإنتباه الى تراحيل المدارس ومشاكلها بإعتبارها أم لأطفال ، وقدمت نسرين إعتذارها للرأى العام عن ما نسب اليها.

لا نحتاج لكثير ذكاء أو عناء لنعرف ان سيناريو الاعتذار وتكذيب الذات أمام الملأ،  صناعة أمنية بامتياز،ففي الحالتين ساندرا ونسرين،  تدل كل المعطيات الماثلة أمامنا على أن هناك ضغوطا كبيرة مورست عليهما وأجبرتهما على التراجع، والهدف من كل ذلك خلخلة الصف المعارض للنظام، وبث عدد من الرسائل في عدة اتجاهات، الاتجاه الأول هو توجيه رسالة لجماهير الشعب السوداني، مفادها: لا تصدقوا الناشطات والناشطين إذا قالوا لكم اعتقلنا أو عذبنا  أو اختطفنا جهاز الأمن، أو إذا تحدثوا لكم عن أي مصائب تحاصر مجتمعكم ابتداء بالفساد والاستبداد وانتهاء  بالتحرش الجنسي بالاطفال! ومن ثم صب ماء بارد على الغضب التلقائي وروح التضامن والاحتجاج التي تسببها الممارسات القمعية للسلطة،  وما أكثرها، كجزء من “الأمن الوقائي” في هذه المرحلة التي تشهد تململا شعبيا ضد الإنقاذ هو الأبرز منذ مجيئها حيث أصبح الإنقاذيون أنفسهم منقسمين ومختلفين حولها!

الاتجاه الثاني هو بث الرعب والخوف في أوساط نشطاء المعارضة والمجتمع المدني ولا سيما من النساء، وإنذارهن بأن جهاز الأمن ليس باستطاعته اعتقالهم وتعذيبهم فقط، بل باستطاعته أن يجبرهم على تبرئته وإدانة أنفسهم في مؤتمرات صحفية ينظمها لهم بنفسه وتتولى نشرها على أوسع نطاق وسائل الإعلام الواقعة بدورها تحت سيطرته! ومن ثم يكون الصمت على الانتهاكات هو الخيار الأفضل للضحية بدلا من التعرض للضغوطات المنهجية من أجل انتزاع إقرارات البراءة لجهاز الأمن والتراجع عن قول الحقيقة  وإدانة الذات بل وإدانة كل المعارضة بالكذب!

الاتجاه الثالث هو خلق انقسام في الرأي العام، وأوساط المعارضة  حول موقفي ساندرا ونسرين، فقد تابعنا في وسائل التواصل الاجتماعي كيف انقسم الرأي العام حول  ساندرا: لماذا فعلت ذلك؟ ولماذا اعتذرت؟ وكان يجب أن تصمد.. وصاحب القضية يجب ان يضحي..الخ، وربما نشهد ذات الجدل بشأن نسرين، وفي هذا السياق يتدخل عملاء جهاز الأمن وغيرهم، حتى من بعض المخلصين والمخلصات لقضية المعارضة، في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بلغة التخوين والتجريم وتصوير الأمر بأنه هزيمة تاريخية للمعارضة وانتصار أسطوري لجهاز الأمن، ويجب توقيع أشد العقوبات المعنوية على ساندرا ونسرين لأنهما مسؤولتان عن هزيمة المعارضة وانتصار جهاز الامن (ولا ادري ما وجه البطولة والانتصار في قيام جهاز مدجج بكل انواع الأسلحة وآليات القمع بابتزاز نساء مستضعفات وإجبارهن تحت التهديد بالتراجع عن أقوالهن) ! اتجاه التخوين والتجريم للضحايا هو الأخطر، والذي يجب ان يهزم لأن في هزيمته هزيمة للاتجاهين الأول والثاني، وفي هذا الإطار هناك عدة حقائق يجب أن تكون حاضرة على الدوام عند مناقشة هذه القضية:

أولا: جهاز الأمن يلتهم ثلاثة أرباع ميزانية الدولة ومدجج بالحصانات من أعلى قياداته حتى أصغر المتعاونين معه، ومسنود بقوانين تجعل منه أعلى سلطة في البلاد على الإطلاق، فهو يفعل ما يشاء وقتما يشاء وكيفما يشاء، هو الجهة التي تتحكم فيما يسمعه ويشاهده ويقرأه المواطن السوداني عبر هيمنته على كل وسائل الإعلام، والأخطر من ذلك كله انه جهاز حزبي بامتياز بل من أكثر أجهزة الدولة تحزبا! وبالتالي أكثرها عداء للمعارضين! وهذا معناه أن “الغرض السياسي لحزب السلطة” كامن باستمرار في كل حركاته وسكناته تجاه المعارضة! وهذا سبب موضوعي للتشكك في أية رواية يقف خلفها أو يسعى لترويجها جهاز الأمن، ولذلك فإن ما قالته ساندرا وما قالته نسرين في المؤتمرين الصحفيين المصنوعين على أعين SMC ،  هو رواية جهاز الأمن! لأن ساندرا ونسرين ليستا حرتين والظروف الموضوعية المحيطة بهما تصب في اتجاه انهما مكرهتان والإكراه يبطل أي فعل. وبالتالي فإن مفردات مثل انكسرت أو خانت أو باعت لا مكان لها من الإعراب هنا والمفردة المناسبة هي أُكرهت أو أُجبرت.

ان الإدانة يجب توجيهها نحو البيئة السياسية والقانونية المعطوبة التي جعلت من جهاز الأمن دولة داخل الدولة، وجعلته قادرا على إجبار الناس على الخضوع له، وكل ذلك  خدمة لأهداف أقلية حزبية، الإدانات المغلظة لا يجب توجيهها نحو الضحايا! وساندرا ونسرين تستحقان التضامن الكامل رغم أنف الاعترافات المنتزعة.

ثانيا: ساندرا وفلاسفة النضال:

ليس من حق أحد أن يوزع على الآخرين صكوك النضال والوطنية وفق معايير يضعها هو للصمود والثبات والمقاومة، فكل واحد وواحدة منا له ظروفه الذاتية والموضوعية، وليس من النبل توجيه المدفعية الثقيلة صوب امرأة عزلاء ولومها على انها لم تصمد في مواجهة جهاز كجهاز الأمن! بهذا المسلك نكون نصرنا جهاز الأمن وأنجحنا له خطته! الانشغال بتجريم الضحية عن محاسبة الجلاد! الانشغال بإدانة من لم يصمد أمام التعذيب او التهديد او الابتزاز عن إدانة من عذبوه أو هددوه أو ابتزوه! هذه صورة مقلوبة تماما! رأيناها عند بعض من تناولوا قضية ساندرا ونأمل ان لا تتكرر مع نسرين، فالمناضلون الحقيقيون يعرفون مع من يجب ان تكون معركتهم، كما يعرفون ان المعارضين للنظام يجب ان يكون ديدنهم التضامن مع بعضهم البعض ولا سيما في اوقات المحنة، لا التربص ببعضهم البعض!

إن النضال السياسي، والنضال الحقوقي، شأنه شأن أي نشاط إنساني، يتفاوت البشر ويختلفون في طاقاتهم وقدراتهم على احتمال مصاعبه، تبعا لاختلاف الملابسات والظروف المحيطة بكل شخص، والراسخون في النضال دائما هم الأبعد عن المزايدات واللغة الهتافية وعقد المحاكمات الإيجازية وممارسة “الأستاذية النضالية المجانية”! فالمناضل الحقيقي انسان حقيقي يعذر، يتفهم، يدرك طبيعة النفس الإنسانية ويقدر لحظات الضعف، والخوف التي هي جزء منها.

ثالثا وأخيرا: لا براءة أو سذاجة في أي فعل يفعله جهاز الأمن! فكل أفعاله لها أهداف سياسية تخص الأقلية الحاكمة، ولذلك يجب الحذر دائما من الوقوع في فخ “الأهداف الأمنية” وعلى رأسها إضعاف المعارضةعبر سياسة”فرق تسد” فليتنا نتحد.. ونتضامن، ونواجه مخططات الأمن متحدين! 

ويبدو ان جهاز الأمن بدأ في رسم ملامح صفحة جديدة في عهد البشير أكثر قمعا وإرهابا، وعزاءنا ان أحلك ساعات الظلام هي تلك التي تسبق الفجر!

Rashahe71@hotmail.com