صلاح شعيب الأميز إبداعا من كل هؤلاء الذين انتموا للمؤسسة العسكرية كان العميد "م" الطاهر إبراهيم. أما تاريخه المهني فمشبوب بتحولات درامية مهنية أثقلت عليه، إذ كادت مغامراته تقوده إلى الإعدام رميا بالرصاص.

وما تعلق بسيرته الإبداعية فإن هذا المقال يعجز حتما عن الإحاطة الكاملة بها. فالعميد الذي خدم في القوات المسلحة أرخبيل من المعارف التي وضعته في مقام عال من مقامات شعراء الغناء، ونساجي اللحن في بلادنا. فضلا عن ذلك فملابسات إبعاده من المؤسسة العسكرية لم تكن واضحة لصمته الطويل، حتى كتب مؤخرا، تحت إلحاح داخلي، عن دوره في بعض الانقلابات العسكرية التي كان ضحيتها. إذ وجد نفسه خارج الخدمة ولولا لطف الله لكان مصيره مشابها لمصير عدد من الذين أعدمتهم الأنظمة العسكرية. وبهذا المستوى لم تكن أغنيته التي كتبها ولحنها “يا خائن” علاقة بالرئيس نميري كما أشاع كثيرون أنه كان قد رمز بها انتقاما من النظام، خصوصا وأن إبراهيم عوض تعرض يوما لموقف محرج حيث كان يؤدي هذه الأغنية في المسرح القومي في عهد مايو ولكن فجأة أسدلت الستارة عليه في منتصف الكوبليه الثاني، ومنذ ذلك اليوم لم يغنها إلا بعد سقوط السلطة. والحقيقة أن الطاهر إبراهيم عزل في زمن عبود من الخدمة في القوات المسلحة وقرر النظام تجريده من كل الرتب العسكرية في ملابسات مشاركته في انقلاب “محيي الدين أحمد عبدالله وعبد الرحيم شنان” الذي نفذ في اليوم الثاني من مارس من عام ١٩٥٩. وما قبل ذلك التحرك العسكري نحو استلام السطة كان للعميد الطاهر إبراهيم دور صغير في المشاركة في الانقلاب الأول ضد سلطة الفريق عبود، والذي قاده الأميرلاي علي حامد يوم التاسع من نوفمبر عام 1959، وهو التحرك الذي قاد إلى إعدام قائد الانقلاب، وخمسة آخرين من قادته، وذلك كان أول حكم إعدام في تاريخ الجيش السوداني لمن دبروا محاولة الاستيلاء على السلطة من العسكريين. فالطاهر إبراهيم نفسه يقول عن أغنية “يا خائن” التي هي من كلماته وألحانه إنها “كانت سابقة لتلك الأحداث وهي ليست وليدة تجربة عاطفية، إنما مجرد خيال وبإيقاف بثها في تلك الفترة ألبسها الإعلام ثوب الرمز وهو ليس عندي من معدات التبليغ الفاعلة وقد يرى غيري حول تلك الاحداث غير ما أراه”.

لقد مر زمان كانت فيه المؤسسة العسكرية السودانية تضم في سكناتها عددا من الأدباء، والشعراء، والملحنين، الذين امتد حيز عطائهم إلى الساحة الثقافية، والفنية، بكثير من الإبداع المميز. بل استطاع هؤلاء النفر أن يقودوا حركة الفنون نحو التجديد. ففي مجال التأريخ، والتأليف، لا يمكن ألا أن نتذكر الرائد عصمت حسن زلفو، والعقيد محجوب برير، والرائد خالد الكد، وآخرين. وفي مجال الشعر برز الصاغ محمود أبو بكر صاحب “صه يا كنار”، واليوزباشي عبد النبي عبد القادر مرسال، واليوزباشي يوسف مصطفى التني، واللواء الحسين الحسن، واللواء عوض أحمد خليفة صاحب السيمفونيات الشعرية التي قدمها لعثمان حسين، وأبو عركي، وإبراهيم عوض، وغيرهم. وهناك اللواء أبو قرون عبدالله أبو قرون، واللواء الخير عبد الجليل المشرف، واللواء جعفر فضل المولى، والعقيد صديق مدثر، وإمام عمر الشيخ، والعميد الجيلي عبد المنعم الذي لحن له وردي عددا من الأعمال، ووجدنا اللواء عوض مالك الذي قدم لمصطفى سيد أحمد “الشعر المعطار” وكتب رواية “ليالي واو”، ويحيي حماد فضل الله الذي قدم رواية “زواج زقندي، بينما كان في الخدمة في بداية التسعينات، وكتب عددا من أشعار المطربين عمر إحساس، وأحمد شارف. ومن الفنانين، والملحنين، كان هناك عوض مرجان الذي لحن النشيد القومي، وعلي إبراهيم اللحو، وتعاون بشير عباس، وعبد اللطيف خضر مع سلاح الموسيقى، والعميد عمر الشاعر، وسمية حسن، والرائد محمد الفاتح كسلاوي، والبعيو، وعصام محمد نور. وهناك من شاركوا في مجال الإعلام أثناء الخدمة، أمثال الدكتور محمود قلندر، ود. بشير علي بشير، ود.عبد العظيم نور الدين، وهؤلاء تفرغوا ــ بعد تقاعدهم ــ لتدريس مادة الإعلام والصحافة في عدد من الجامعات خارج وداخل السودان. وثمة شعراء، وكتاب، ومغنون، وملحنون آخرون، يتناوبون في تحسين إبداعاياتهم، وفرضها على مستوى الساحة الثقافية والفنية. ولعل المجال الوحيد الذي لم يشهد ظهورا لمبدعين عسكريين هو مجال المسرح. وربما يعود السبب لبروز العسكريين على المستوى الأدبي، والغنائي، إلى الاهتمام الذي كان يوفره فرع التوجيه المعنوي، إذ يعتني بالمواهب، وربطها بهذا الفرع الذي يضم مكتبة ضخمة، ويولي عناية فائقة بتطوير القدرات وتكثيف التدريب. كما أن سلاح الموسيقى، والذي ساهم في تطوير الأغنية السودانية كان سباقا في هذا المجال، إذ بدأ التنويت الموسيقي، أول ما بدأ، في المؤسسة العسكرية ثم لاحقا امتد العطاء إلى الإذاعة. وساهم عدد من موسيقيي السلاح في تحسين أداء الفرق الغنائية خصوصا في جانب آلات النفخ، وساهموا أيضا في نشر تقديم دروس في الموسيقى، وتوزيعها في السودان قبل قيام المعهد العالي للموسيقى والمسرح. ولا يمكن الحديث عن تطور الموسيقى آليا دون الإشارة إلى الدور الكبير الذي لعبه سلاح الموسيقى، وهو دور رائد، ولم يكن للأوركسترا السودانية أن تتطور دونه. بل إن الذين وضعوا لبنات التدريس لمعهد الموسيقى هم معلمو سلاح الموسيقى الذين خرجوا من رحم ريادة العقيد أحمد مرجان، والمقدم عوض محمود، ولاحقا علي يعقوب كباشي. وبرغم أن المسرح كبناء ظل موجودا في كل الحاميات العسكرية في العاصمة، والأقاليم، إلا أن المؤسسة العسكرية لم تقدم عملا دراميا، وإن ساعدت مسارحها في عرض أعمال مسرحية للفرق والجماعات المهتمة بهذ الضرب من الفنون.

ولد الطاهر إبراهيم في مدني، ولكنه جاب السودان من خلال عمله، وتعلق قلبه بالأدب والشعر، والاستماع للموسيقى، وقراءة المجلات، والكتب. وقال في حوار صحفي أجراه منشور في المواقع إنه “حسب شهادة الميلاد فإن اسمه الكامل محمد الطاهر إبراهيم إسماعيل يوسف، من مواليد مدينة ودمدني في الخامس والعشرين من ديسمبر 1934م، خال من الانتماءات القبلية..جذوري تمتد إلى منطقة (عنيبة) على الحدود السودانية المصرية ممن اختلطوا بالدناقلة والشايقية منذ القدم. قضيت معظم طفولتي في مدينة تطوقها الحياة البرية، غابات كثيفة وجبال غنية بأهلها وخيراتها، ولا تزال ذكرياتها عالقة بأدق تفاصيلها المدهشة، وهي مدينة رشاد بجبال النوبة بكردفان..بالنسبة للتعليم فقد التحقت بمراحله المختلفة حتى الثانوية بأم درمان، موطن أجدادي لأبي وأمي، ومن ثم التحقت بالكلية الحربية في عهد الحكم الثنائي، وإذا سألت عن هواياتي ففي الماضي كانت صيد الوحوش البرية، وركوب الخيل، والاستماع، والاستمتاع، بمطالعة الكتب الإنجليزية، خاصة ذات الطابع العسكري، إلى جانب المجلات. أما الآن فاهتماماتي منصبة حول الشؤون السياسية محلياً وعالمياً، والقراءة ذات الصلة، ثم الشعر، والموسيقى، واجترار الذكريات..”

إن إبداعية الطاهر إبراهيم تتمثل في أنها نتاج التنافس الحاد، والجاد، والحميم في الوقت نفسه، بين مدرسة أمدرمان اللحنية بقيادة عبد الرحمن الريح والتاج مصطفى وبرعي، وبين مدرسة السجانة بقيادة أحمد المصطفى، وعثمان حسين. والمدرستان ثورت النصوص الشعرية واللحنية، ولعبتا دورا هاما في إحداث النقلة الغنائية الكبيرة التي ساهم فيها إبراهيم الكاشف من مدني، ولولا نشاط هاتين المدرستين حتى مطلع الخمسينات، وبعض الذين ينشطون على هامشهما لما تحققت طفرة الغناء السوداني التي أسس لها كرومة وسرور. ولاحقا تفرعت محاولات التحديث لتشمل فنانين آخرين وفدوا إلى الخرطوم بعد أن استندوا على مؤلفي العاصمة القومية ما عدا محمد الأمين الذي شق طريقا متميزا في جمله اللحنية التي مثلت نقلة جديدة في مسار الغناء. وهكذا تواصلت حقب الاستحداث النغمي لدى كل جيل، وربما يمثل إبراهيم موسى أبا طريقا جديدا ببعض مقاماته السباعية.

ولعل الطاهر إبراهيم جاء بذاكرته الإبداعية متقفيا أثر هذا التراث الغنائي ليشكل مع إبراهيم عوض نقلته الغنائية الثانية بعد تعاونه لأول مرة مع عبد الرحمن الريح الذي اكتشفه ثم أسنده بستة من أعماله دفعة واحدة. ولا شك أن المرحلة الثالثة التي مثلتها تجربة إبراهيم عوض، والذي التقاه العميد لأول مرة عام 1948، جاءت ضمن تعاونه معه ثم جاءت مرحلة عبد اللطيف خضر الذي لحن لفنان حي العرب أكثر من سبعة عشر لحنا. ولذلك لا يمكن تناول تجربة الطاهر إبراهيم الشعرية، واللحنية معا، إلا وكان الفنان الذري، مثلما لقبه أستاذنا رحمي محمد سليمان، حاضرا ضمن حواشيها النصية، ومتونها النغمية. ويبدو أن إبراهيم عوض حصد ثمار التنافس بين ود الحاوي، والطاهر إبراهيم، إذ كان الاثنان يكتشفان أبعادا صوتية عميقة في صوت الفنان الذري الذي يعد من ضمن قليلين في تاريخ الغناء السودان ممن يتميزون بعذوبة، وتطريب كثيف، وقوة في الصوت، وأضف الأداء المتقن المتناهي. ولعل آهاته التي كان يخرجها مرافقة للصولفيج تعطي ألحان الطاهر إبراهيم، وود الحاوي، أبعادا تشكيلية ندر لأي فنان تقليدها ما عدا زيدان إبراهيم الذي تقمص روح إبراهيم عوض في أدائه لأغنية يا خائن، ولكنه “زيدنها” بطريقته دون أن يصل في أدائه إلى مجاراة أسلوب إبراهيم عوض الذي يفوقه في الإمكانيات الصوتية.

والملاحظ هنا أن ميزة الطاهر إبراهيم التي تفوق بها في تنافسه مع ود الحاوي لتثوير غناء أبناء أمدرمان هو أنه كان صاحب النص وملحنه في الوقت نفسه، خلافا لعبد اللطيف خضر الذي اكتفى بالاشتغال اللحني في النص. ولكن ود الحاوي تميز بقدراته الموسيقية الأكثر حداثة في مقدمات الأغنيات لكونه يعزف على أكثر من آلتين، وأفادته تجربته في العزف ضمن فرقة الإذاعة في مجدها. ولكن تبقى كل هذه المميزات المبهرة للموسيقارين الطاهر، وود الحاوي، محفزات لتنشيط حنجرة إبراهيم عوض. فلكل لحن يخصهما خصوصيته، وتمايزاته، وحلاوته. وربما وجدنا في مسار الغناء السوداني ملحنين محترفين قليلين، أو شعراء أغنية، جمعوا بميزة إنتاج النص الشعري وتلحينه، وربما تأثر الطاهر إبراهيم بأستاذه عبد الرحمن الريح الذي تميز وسط شعراء، وملحني، جيل الحقيبة، وما بعد الحقيبة، بهذه الفرادة. ولذلك سهل للطاهر إبراهيم أن يستنبط موتيفات لحنية راقصة لنصه الذي يدرك حق معانيه ما خفي، وما بدا. وفي هذا المجال يعد الطاهر إبراهيم من القلة المبدعة المساهمة بثورتين إبداعيتين. واحدة في النص الشعري والأخرى في النص الغنائي، وكاد يخلق مساهمته في الثورية السياسية العسكرتارية ولكنه وجد نفسه على مقربة من حكم الإعدام رميا بالرصاص. وفي جانب النص العامي العاطفي يعد الطاهر إبراهيم ضمن شعراء المرحلة الثالثة للتحديث النصي، وربطه بمرحلة ما قبل الإستقلال، وبعده. بل إن الظهور المفاجئ لإبراهيم عوض بكل ما صاحب ذلك من كاريزما مرحلة توفرت فيها عوامل النجاح، مهد للطاهر إبراهيم أن يتقمص حاجة المجتمع لكلمة مبتكرة أكثر التصاقا بعاطفة ذلك الجيل الذي حصد ثمار التعليم والارتباط بالمحيط الخارجي أكثر من الجيل الذي سبقه.

الثنائية التي شكلها الطاهر إبراهيم مع إبراهيم عوض دشنت بأغنية “حبيبي جنني”، والتي لحسن توفيقه في الإيقاع، والنغم، قام الفنانون وردي، وابن البادية، وزيدان، بأدائها في كثير من حفلاتهمم. بل إن وردي قال إن هذه الأغنية كانت تأسره قبل مجيئه إلى الخرطوم حينما كان معلما في شندي. وهكذا كانت الأغنية بداية مرحلة في مسار المبدعين، واستمر تعاونهما إلى أن وصل ذروته في “معاك سعيد” وفارقيهو دربي” وملاذ أفكارنا و”أعز عزيز”، و”أبيت الناس” و”لو بعدي” و”ليه تغيب” وغيرها من الأعمال التي بلغت قرابة العشرين عملا. إذ وجد الطاهر في إبراهيم عوض مجالا لبث شكواه، أو أنينه العاطفي، وتجريب مقاماته اللحنية، أما أبو خليل، كما كان يكنى وسط رواد اتحاد الفنانين فقد خرج بالمجتمع من إسار نص عبد الرحمن الريح الرامز إلى البوح المباشر، والمحافظ في عاطفته. ولعلها مرحلة جديدة في واقع مجتمع أمدرمان التائق إلى شعراء، وفنانين، وملحنين، يشبهون المرحلة. وكان نجاح “حبيبي جنني” قد ألهم الطاهر إبراهيم بمواصلة نصوصه العاطفية المليئة بالشجون والحنين إلى المحبوبة. وهكذا امتد التعاون بين الطاهر وأبو خليل إلى فترة إلى أن كسر عبد اللطيف خضر ود الحاوي هذه الاحتكارية ليتنوع أسلوب إبراهيم عوض بثلاث من أفضل الملحنين الذي مروا في تاريخ الأغنية.

وقد ساعد في تنامي هذه التجربة الغنائية المشتركة أن ثلاثتهم بالإضافة إلى عبد الرحمن الريح كانوا يتجاورون السكنى في حي العرب. ولعل وجود مبدعين كثيرين بجانب هؤلاء الفنانين ساعد في تطوير ملكاتهم الفنية، والاستفادة من التنافس بينهم كمجموعة، وكذلك التنافس بينهم وبين مبدعين آخرين في المنطقة أمثال التاج مصطفى، ومحجوب عثمان، وأحمد الجابري، وصلاح مصطفى، وصلاح محمد عيسى، وإبراهيم الرشيد، وسيف الدسوقي.

لم يكتف الطاهر إبراهيم بتعاونه مع إبراهيم عوض وإنما قدم لوردي عملين هما ” الحب والريدة” و”شعبك يا بلادي أقوى” وبرغم حب الطاهر المتناهي لعثمان حسين، وعشقه الدائم لأعماله إلا أنه لم يتعاون معه. وربما يعود ذلك إلى اختلاف الاسلوبين، إذ يعتمد ملحن “الفراش الحائر، و”شجن” على الأغنية الملحمية فيما كان يعتمد الطاهر على الأغاني السريعة ذات الإيقاعات الراقصة، فضلا عن ذلك فإن المبدعين يمثلان جيلين تميزا بأخيلة موسيقية متمايزة، ولكنها كانت تتحاور إبداعيا حول إمكانية تقعيد العمل الفني الغنائي عبر الصور الشعرية التي تلامس العاطفة.

إن واحدة من مشاكل المركزية النقدية للثقافة السودانية أنها نظرت سلفيا إلى الممارسة الغنائية بوصفها لهوا أقل من مقامات الشعر الفصيح، والرواية، وربطت الحداثة فقط بهما. ولكن التحديث الأعمق علي مدار التجربة الثقافية السودانية كان قد تم عبر الخامة اللحنية. وبهذا التقدير لم تجد مدرسة الطاهر إبراهيم اللحنية، ولا حتي شخصه، وكل شخوص التحديث الغنائي بقيادة شيخهم ود الريح، وأميرهم برعي، اعترافا يتموضع ضمن الاعتراف برموز المدارس الأدبية، والتشكيلية، التي أوجدت لذاتها نقادا هم الأعلي صوتا، والأكثر اهتماما بدراسة التجارب الواعدة في حقل التحديث الثقافي الإبداعي، وقصرها عليه. وعلي هذا الأساس تعالى عندهم شأن الإسهام الحداثي لمحمد المهدي المجذوب فوق إسهام عبد الرحمن الريح، أو عبد المعين، ومحمد عبد الحي فوق الطاهر إبراهيم، ومحمد المكي إبراهيم وصلاح إحمد ابراهيم فوق وردي ومحمد الأمين أو إبراهيم عوض، وهكذا. وربما يعود هذا الظلم النقدي، والتقدير الأدبي لهذه المقامات الإبداعية الموسيقية، إلى غياب الثقافة الغنائية لدي النقاد، والكتاب، الذين يسيطرون علي المشهد الثقافي، وكذلك يعود الخلل إلى غياب المعرفة بالدور الذي يقوم به الغناء في تشكيل الثقافات، والتعبير عنها، ونقدها أيضاً إبداعيا. وهناك أسباب تتعلق بتخلف حركة النقد الموسيقي الموازي للنقد الأدبي، وخلوها من مساهمين باضطراد. والواقع أن حركة النقد التشكيلي استطاعت أن تنتصر منذ السبعينات لدور التشكيليين في ريادة التحديث الثقافي بعد أن كانت اللوحة تأتي خلف الشعر في اهتمام حركة نقد الإبداع، كما أن أزمة النقد المسرحي لم تتح مجالا للاعتراف بدور الرواد المسرحيين أمثال خالد أبو الروس، وحسن عبد المجيد، وأمين محمد أحمد، والفكي عبد الرحمن، وهاشم صديق، والخاتم عبدالله، وعبد الله علي إبراهيم، وذو الفقار حسن عدلان، وغيرهم.

إن الغناء الذي أسس له جيل الطاهر ابراهيم هو الأبعد أثرا في تركيبة الذهنية السودانية وهو الذي وحدها بأكثر ما يوحدها شغل الأدب، والتشكيل، والمسرح. ولعل القبول الذي وجدته الصور الإيقاعية، والشعرية، واللحنية، التي بذلها رواد الفن الغنائي كان لها تأثيرها العميق في وجدان السودانيين بمختلف درجات وعيهم التنعليمي والثقافي، فضلا عن ذلك فإن تجذر الغناء في بيئات البلاد عبر مختلف أنماطه أتاح لتجربة الأغنية الأمدرمانية في الوصول إلى أقصى مدى من القبول، وهاهنا يبقى الاهتمام بتطوير هذه التجربة في إطار تمثيلها لكل قوميات السودان أمر لا مناص منه. والآن هناك محاولات راقية تبني في إطار أغنية سودانية تتقاطع مع الأغنية الأمدرمانية وتتحاور معها في إطار اعتزاو كل مجموعة بتراثها الثقافي. ولعل تجربة الأغنية الأمدرمانية احتوت في عناصرها رموز يتحدرون من قوميات متعددة وما أم درمان إلا الموطن الذي اتاح لها المجال للانتشار وفق دور المشرعيين السياسيي آنذاك، والذين أرادوا توحيد أدوات وقنوات الثقافة الإبداعية التي توحد مشاعر أهل البلاد على حسب فهم زمانهم، وثقافتهم، وواقعهم، في ذلك الوقت الذي قلت فيه المعارف، والمناهج، والتجارب، التي بها يمكن البناء القومي ومراجعته. والحقيقة أن تجربة الفنان موسى أبا التي نقلت المقامات السباعية مهدت المجال للفنانين عبد القادر سالم، وصديق عباس وعبد الرحمن عبد الله لحقن الأغنية السودانية بإيقاعات وأنغام جديد، وتحاول الآن دارفور أن تسجل حضورها من خلال نغمات عمر إحساس وأحمد شارف ، وآخرين ومن يدرينا فربما يفاجئنا فنانون شباب من النيل الأزرق، وجنوب كردفان، وشرق السودان، في المستقبل حتى يهتموا بتطوير الميلودي السوداني وإكسابه إيقاعات، وأنغام، تضاف للمجهودات التي قدمها الطاهر إبراهيم وزملاؤه.